أحمد منصور: شاهد علي العصر بينه وبين التحقيق الجنائي شعرة
أحمد منصور: شاهد علي العصر بينه وبين التحقيق الجنائي شعرة
غزة-دنيا الوطن
من الصحافة المكتوبة الي الصحافة المرئية، لكن حنينه لأول منزل، الي الصحافة، لأنها حسب ما يري، هي الأبقي، وهي التي لا تطير من العقول بسرعة الومض الذي تحدثه الصورة التلفزيونية.
لكن التلفزيون مبهر، يقول أحمد منصور المذيع بقناة الجزيرة، صاحب برنامجي بلا حدود وشاهد علي العصر، ويضيف لقد أصبح اليوم صعبا علي التلفزيون والمشاهد أن ينضبطا في مكان محدد، إنه فضاء مفتوح علي العالم من كل زواياه، الأبرع فيه هو من يجعلك تتوقف عن الضغط علي أزرار الريموت كنترول لتبديل المحطات التلفزيونية.
تخرج أحمد منصور في كلية الآداب بجامعة المنصورة، واشتغل في نشر الكتب حيث عمل في دار الوفاء للطباعة والنشر، ثم انتقل للعمل مراسلا صحفيا، فقام بمتابعة أحداث أفغانستان، وأصدر فيها عدة كتب منها: مستقبل كابول، مستقبل أفغانستان، جذور الصراع بين المجاهدين الأفغان.
في الكويت عمل مديرا لتحرير مجلة المجتمع. قام بمتابعة الحرب البوسنية وعاش حصار سراييفو وأصدر كتاب: تحت وابل النار في سراييفو، وفي عام 1997 انتقل الي قناة الجزيرة، وهو يعمل فيها الي الآن منتجا ومعدا ومذيعا تلفزيونيا.
الحوار مع أحمد منصور يتسم بالحنكة، فتجربة الرجل مع دهاة السياسة العربية في برنامجيه، أمدته بخبراتهم في المراوغة، حين التقيته لمحاورته، قلت له بالحرف الواحد: كما تفعل بمحاوريك، تستنزفهم، تخرج منهم قدر ما تستطيع من إجابات هم لا يريدون البوح بها، سأحاول معك هنا، ولكن كيف كانت محاولتي؟ عملت في الصحافة المكتوبة، سابقا، والآن أنت في واحدة من أهم قنوات الإعلام العربي المرئي، أين تجد نفسك؟
أنا ابن الصحافة المكتوبة، وأعتبر نفسي دخيلاً علي التلفزيون، ربما كنت الوحيد الذي تقول قناة الجزيرة أنها أنتجته من الصحافة المكتوبة حتي الآن، وهذا يشرفني، ورغم السنوات الثماني حتي الآن التي عملتها في التلفزيون فالصحافة المكتوبة هي بيتي الأول والأخير، والكلمة المكتوبة أمضي وأبقي من المسموعة أو المشاهدة، صحيح أن الكلمة المسموعة اكثر انتشارا وتأثيرا، ولكن المكتوبة تبقي هي المرجعية الأساسية لنا، ربما تغير الوضع الآن بالنسبة للجزيرة وأصبحت كل برامجنا علي الإنترنت، أما بالنسبة لي فقد حولت جزءا من برامجي الي كتب مقروءة، أنجزت فيها بعض الأشياء، أنني ما زلت أري أن العمق هو في المكتوب، فالتلفزيون وسيلة تسلية، يمكن أن تكون مسطحة وتافهة أو وسيلة تسلية معلوماتية وهذا الجانب هو ما تحاول الجزيرة القيام به، ومن يعتبر التلفزيون وسيلة معلومات لن يتثقف ولن يتعلم إلا أشياء سطحية.
ربما حاولت بسبب مجيئي من الصحافة المكتوبة الي المرئية، المزج بين عمق الكلمة وسطحية الصورة قدر ما أستطيع، ومن هنا أحاول في برامجي أن أقدم شيئا من العمق.
لكن المستقبل هو لوسائل الاتصال الحديثة، وليس التقليدية؟
قبل سنوات تحدثوا عن أن الصحافة الإلكترونية، ستدحر المقروءة، لم تندثر الصحافة المقروءة بل توسعت، ولم ينقص توزيع الصحف حتي في الدول الغربية الأكثر تعاملا مع الوسائل الاتصالية الحديثة كالانترنت، تبقي للقراءة متعة خاصة، ناهيك عن ديمومة المكتوب.
هل تغير شكل علاقتك مع العالم، بعد أن انتقلت من العمل في مجلة لا توزع سوي بضعة آلاف من النسخ الي العمل في قناة، يشاهدها الملايين؟
أنا لا أعيش وهم النجومية، ففي يوم وليلة قد أترك العمل في التلفزيون، لقد كتبت مقالا عن ذلك، تحدثت فيه عن النجم الذي يمكنه أن يعيش وهم الصورة التي يظهر فيها علي التلفزيون، وليس حقيقته التي يعيشها بين نفسه وأهله، كإنسان عادي، من هنا أري أن النجومية يمكنها أن تدمر الإنسان. أنني أعيش حقيقة ذاتي التي حملتها في أي مكان عملت فيه، سواء كنت صحافيا بسيطا أو مدير تحرير أو مذيعا تليفزيونيا.
تباغت من تحاورهم، تقطع الخط عليهم، تفتح النار، لماذا لا تعطيهم الفرصة ليقولوا كل ما عندهم دون مباغتة أو قطع منك؟
إنني في النهاية أجري حوارا، برنامجي شاهد علي العصر نوع من التحقيق، ولكن ليس تحقيقا أمنيا أو جنائيا، بينه وبين التحقيق الجنائي شعرة، إنه تحقيق مع شاهد، يجب ألا يترك علي سجيته لأننا نريد من الشاهد معلومات محددة في قضية محددة، وبالتالي لا بد أن تدرس القضية جيدا، وألا يترك للشاهد المجال ليحكي ما يريد، ولكن خذ منه أنت ما تريد، وهذا الفرق الرئيسي ما بين الذين يجلسون لكتابة مذكراتهم أو بين بعض من جلسوا ونشروها في كتب، ومن حاورتهم في البرنامج، استخرجت منهم معلومات لم يذكروها في مذكراتهم، معلومات ربما لم يريدوا البوح بها، ومن هنا لا أترك المجال للشاهد كي يسهب في قول الأشياء التي ربما أري من خلال دراستي لملف الموضوع أو للفترة التاريخية أو الزمنية التي يتحدث عنها، أنه من السهولة بمكان أن يحصل الناس علي معلومات عنها، ولكنني أريد ما هو خفي، مخبوء.
متي تجد أنك بحاجة الي أن تجري هذه الحالة من التحقيق مع الذين تحاورهم؟
حينما يكون من أحاوره مراوغا، أو لا يريد ذكر الحقيقة، أو يكون جاء للبرنامج ليقول أشياء لا أريدها، وأيضا حينما يكذب.
هل هناك من وجدته يكذب أثناء محاورتك له؟
هناك شخص كتب مذكراته، ولا داعي لذكر اسمه، كنت أسأله عن بعض الأشياء فينفي وحينما أواجهه بالنص من مذكراته، كان يجد مبررا لكل أقواله، لا أستطيع أن اقول أن الإنسان يمكنه قول الحقيقة المطلقة، كما إنني لا اتهم أياً من ضيوفي بالكذب، ولكني أري أنه لا يقول الحقيقة بنسبة كبيرة، وكل منا يقول الحقيقة بنسبة معينة، هناك أشخاص يستطيع المشاهد نفسه أن يتعرف الي كمية الحقيقة عندهم، ويبقي دوري هو إخراجها للناس بقدر ما أستطيع.
كيف تختار ضيوفك؟
سر المهنة (يضحك ).
نعرف أنه سر، ولكن...
أريد أن أفرق لك بين برنامجي، شاهد علي العصر، يستضيف صناع القرار السابقين من رؤساء الدول أو رؤساء الأحزاب أو رؤساء الوزارات أو وزراء السيادة أو زعماء الحركات السياسية، لا بد أن يكون ضيف هذا البرنامج قد لعب دورا في صناعة الأحداث في فترة تاريخية معينة، خلال الخمسين سنة الماضية، أما برنامج بلا حدود فإنه يستضيف صناع القرار سواء كانوا رؤساء دول أيضا أو رؤساء أحزاب أو وزراء أو رؤساء منظمات أو هيئات معينة أو خبراء في مجالات متخصصة يكونون متميزين في تخصصاتهم.
في برنامجيك، قلما تستضيف النساء، لماذا؟
صحيح، لأنه لا يوجد نساء لعبن دورا رئيسيا في حياتنا السياسية، سوي جيهان السادات مثلا.
هذا في مصر، وليس في الوطن العربي؟
ولكن ليس بمثل الدور البارز الذي لعبته جيهان السادات، ولو يتيسر لي امرأة برزت، فإنني سأستضيفها، في برنامج بلا حدود، يجب أن تكون المرأة التي سأستضيفها في وضع مسؤولية معينة، من خلال الشرائح التي قلتها، وهذا قليل، ولا أجد سوي خبيرات، التقيت زوجة أنور إبراهيم، وكان زوجها في السجن، وهي رئيسة حزب مثلا، وكذلك ميرفت التلاوي التقيتها لأنها ترأس إحدي الهيئات التابعة للأمم المتحدة، وعندما أجد امرأة في موقع مسؤولية وقيادة، فإنني سأستضيفها.
يقال أن أي وجه سواء كان صحافيا أو إذاعيا، ويظهر علي قناة الجزيرة، فإنه سينجح بالتأكيد؟
المحطة التلفزيونية تلعب دورا مهما في تقديم الوجوه، لكنها بحسب ما أعتقد، لا تلعب الدور الرئيسي في ذلك، بل الشخص نفسه، ففي الجزيرة ثلاثون أو أربعون مذيعا، ليسوا جميعا بمستوي واحد من الحضور والشهرة أو النجاح ، وليس هذا في الجزيرة فقط، إنه في كل تليفزيونات العالم، حتي في السي إن إن الأشهر، والبي بي سي.
تقاطع من يتصلون بك من الجمهور وتمنعهم من تكملة تساؤلاتهم أو تعليقاتهم؟
انتقد كثيرا لذلك، ومع أني أعتبر أن المشاهد له الحق الرئيسي، فأنا لست منبر الجزيرة، والمشاهد للأسف أحيانا يتصل ليقدم خطبة كاملة، فبرنامج منبر الجزيرة مفتوح للمشاهدين ليتصلوا أو يكتبوا له، ويعبروا عن آرائهم ووجهات نظرهم، ويتكلموا فيه لأربع أو خمس دقائق براحتهم، إن وقت المداخلة في برامج التوك شو في كل العالم لا يزيد علي ثلاثين ثانية، أحاول أن أبين للمشاهد ذلك، وقد نجحت بنسبة كبيرة، في علم التلفزيون يقال إن الإنسان يستطيع أن يتكلم باللغة العربية مئة وعشرين كلمة في الدقيقة، فإذا منحت المتكلم ثلاث دقائق فأنا أعطيه ما مساحته ثلاث ومئة وستين كلمة، بما يعادل مقالة في إحدي الصحف، فإذا لم يستطع أن يعبر عما يريد في هذه المساحة من الوقت والكلمات، فإنه لن يستطيع أن يعبر بما مساحته ألف كلمة، هناك من يمسك الميكروفون ولا يريد أن يتوقف، لكن هناك أيضا من يلتزم.
ألا تعتقد أن مثل هذه النوع من البرامج يحتاج لأن يتعود عليه الجمهور العربي، خاصة وأنه يفتقد لمثلها في تلفزيونه الرسمي؟
نعم، نحن نحتاج لها، وبعد أن قطعنا شوطا عمره أكثر من سبع سنين في تقديم هذه النوعية من البرامج علي قناة الجزيرة، بدأت ألحظ أن هناك تطورا أيضا في استيعاب ما نقوم به، والتعود علي نماذجه، فقد كنت أعاني في البداية بشكل كبير جدا، لكن المشاهد، خاصة المشاهد الملتزم، بدأ ينتبه ويقول ما لديه في كلمة ونصف.
هل يحدث اتفاق مسبق بينك وبين ضيوفك علي ماهية الأسئلة؟
ليس علي الأسئلة، وإنما علي المحاور، هناك فرق، الأسئلة لا يعلم عنها أحد حتي رؤساء الدول، فحين أستضيف أحداً منهم ويطلب مساعدوه الاطلاع علي الأسئلة، أرفض رفضا كاملا، أما المحاور فأطلع ضيوفي عليها إذا طلبوها، وأذكر أن وزيرا عربيا أعددت لحوار معه، فطلب مشاهدة الأسئلة قبل الحلقة بنصف ساعة، لكني رفضت، وأخبرني بأنه لن يخرج معي، فقلت له أنت الخاسر، وجمعت أوراقي، وقلت له قبل أن أمضي، سأخرج الآن لأظهر علي شاشة الجزيرة، وأقول انك رفضت الظهور، فلحقني مساعده وبدأ يساومني علي الأسئلة، فأكدت له أنني أعطيته محاور الحلقة، أما الأسئلة فهي لي ولن يعرفها إلا في الحوار.
كما أشرت، في محاوراتك أنت أقرب للمحقق البوليسي منه الي المحقق الصحافي؟
كما قلت لك، هناك شعرة تفصل بين التحقيق الصحافي والبوليسي.
لكن الإحساس ببولسيتك أثناء المحاورة عال؟
لو تابع المشاهد حواراتي في كل مرة، لاكتشف أنني أحاول في كل واحدة منها أن أكون مختلفا، أنا مثل اللاعب المحترف، الذي ينزل الي أرض الملعب، ثم يحدد طريقة اللعب بناء علي طريقة لعب الجهة الأخري، إذ أحدد أسلوب الحوار بناء علي أسلوب الضيف الجالس أمامي، فإذا كان مراوغا فإني أتبع طريقة تناسب مراوغته، وإذا كان علي غير ذلك، فلن أكون إلا بمستواه، أذكر أن أحد المتصلين في حلقة من حلقات شاهد علي العصر مع الفريق سعد الدين الشاذلي سألني، لماذا أنا مختلف في محاورتي للفريق الشاذلي عن الآخرين، فرد عليه الشاذلي نفسه، وقال: الآخرون يراوغون، أنا لا أراوغ، قدمت كل ما عندي وقلته، من هنا، فإنك حين تحاور شخصا ويقدم لك كل ما تريده، لن تحتاج لأن تحقق معه أكثر مما هو مطلوب، فأساليب الحوار تختلف من شخص لآخر.
يتصور من يتابعونك بشكل جيد، أنك تميل الي محاورة الإسلاميين والوطنيين العرب علي الأغلب، وقليلا ما تحاور من هم بعيدون عن خط توجهاتك الفكرية؟
هذا كلام لا يرد عليه، لأنني أقدم أكبر شريحة متنوعة من حملة الأفكار والرؤي في برنامجي، لكن المشكلة أنه ليس كل من أطلب محاورته يوافق، خاصة المسؤولين، فتقريبا معظم المسؤولين في العالم العربي قاموا بوضع فيتو للظهور في برامجي، أذكر أنني اتصلت بأحد الوزراء وقلت له إنني احمد منصور، وتبادر لي أن سماعة الهاتف وقعت من يده حين سمع باسمي، ولم يرد علي، للأسف، لا أدري لماذا، مع أن هناك مسؤولين لديهم الجرأة والقدرة علي الحوار، وأنا أحييهم علي شجاعتهم، لكن الأغلبية ليس لديهم استعداد للمواجهة، حتي أن بعضهم يوافق في البداية، وحين أعود لأؤكد عليه يعتذر عن أي حوار، بالعكس، أنا أسعي للجميع، والمشكلة في الآخرين وليست عندي أنا.
ما هي أهم المحاورات التي قمت بإجرائها؟
أعتقد أن كل ما قمت به يعتبر شيئاً مميزا.
ولكن الأبرز من ببينها؟
أترك ذلك للمشاهد، ليحدد هو، ولا أستطيع أن أحدد أفضلية حلقة أو شخصية علي آخر، لكن المشاهدين لهم رأي آخر مختلف عني، فالتقييم الأول والأخير لهم فيما أقدمه.
تمتدح قناة الجزيرة في لقاءاتك وأحاديثك، هل لأنك تعمل بها ام أنها قناعتك، رغم ما يروجه بعض المنتقدين من أن هذه القناة تسهم في شق الصف العربي، ومن ضمنها برامجك؟
الجزيرة شأنها شأن أي وسيلة إعلامية، لها حسناتها وأخطاؤها، لكن حجم أخطاؤها قليل مقارنة بما تقدمه محطات أخري غيرها، نحن نجتهد، والمجتهد قد يصيب أو يخطئ، أجل هناك ملاحظات علي الجزيرة، ولكن مقارنة بالآخرين، فقد استطاعت أن تضع أسسا مهنية راقية لوســــائل الإعلام العربية، وأن تنافس الإعلام العالمي، وأن تضع الإعلام العربي وللمـــرة الأولي في منافسة مع الإعلام الغربي، لقد أنجزت وحققت الكثير، الذي نستطيع أن نفخر به جميعا كعرب، أما اتهامها بأنها تشق الصف أو لا تشقه، فالصف العربي مشقوق من البداية، نحن لم نفعل شيئا حتي يلتئم صفنا، وقل لي، منذ ثماني سنوات وحتي الآن والجزيرة تبث برامج يقال إنها تحريضية، لكنها لم تقم بإخراج مظاهرة من خمسة أفراد في أي شارع عربي، علينا أن نعترف أن الجزيرة تبث الوعي والثقافة للناس، أين هي النتائج العملية للتحريض الذي تقوم به الجزيرة، بالعكس، فالاستبداد كما هو في الأنظمة المستبدة، والانفراد في الحكم العربي كما هو في الأنظمة المنفردة، لم يتغير شيء، ما تغير هو أن الإنسان العربي بدأ يشعر باتساع مساحة الوعي عنده، وأنه لا بد وأن يواكب غيره، وفتحت الدنيا أمامه بشكل أو بآخر، وبدأ هناك بناء لعقله ونفسه، والجزيرة أسهمت به.
برأيك من الذي يبحث دائما عن انتقاد الجزيرة تحديدا، وهي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم العربي، التي استطاعت أن تحقق التنافس مع الإعلام الغربي؟
كل الحكومات العربية ووسائل إعلامها المتأخر بعضها مئة سنة عن الإعلام المعاصر، وربما العادي، وحينما جاءت الجزيرة وسيطرت علي الإعلام العربي وعجز هؤلاء عن أن يواكبوها، شعروا بأنها سرقت منهم الناس.
صدقني أنني أتمني أن أري مئة جزيرة في العالم العربي، وأن تكون هناك قناة في كل دولة عربية أفضل من الجزيرة، لأن ذلك، يصب في وعينا، الذين يقفون ضد الوعي وضد العقل وضد معرفة الناس للحقيقة ونقلها اليهم، هم الذين يقفون ضد الجزيرة ويروجون لمقولات تحرص علي إظهارهم بأنهم مع مصلحة شعوبهم، ولكن الأمور الآن سبقت، وأصبحت هذه الترويجات ممجوجة لأن الناس امتلكت الوعي والإدراك في معرفة ما لها وما عليها، ويستطيعون تقييم ما يرونه، سأسأل لماذا النسبة الأكبر من المشاهدين علي مستوي العالم العربي تشاهد الجزيرة، لماذا تترك تليفزيوناتها الرسمية وتشاهد الجزيرة.
الي أي مدي يمكننا أن ننظر لقناة الجزيرة علي أنها ممثلة لكافة التناقضات الفكرية في الوطن العربي، ففيها الإسلامي والليبرالي واليميني واليساري وما الي ذلك من اتجاهات فكرية، سواء من الذين يعملون فيها أو من الذين يظهرون علي شاشتها؟
هذا إفراز للمجتمع العربي، فالجزيرة وضعت ضوابط مهنية، فكل من يتقدم للعمل من جانب مهني، فإن الجزيرة لا تنظر الي دينه ولا إلي فكره، كل الملل والنحل ولأعراق العربية موجودة في الجزيرة.
لماذا يقال أن الجزيرة فلسطينية أو عراقية؟
إذا أنصتنا للاتهامات لن نتفرغ لعملنا، ومعيارنا فيما نقدمه هو المهنة، ومدي النجاح ، أما أن يقال أن الجزيرة هواها عراقي أو فلسطيني، فهذا لا يستحق الرد، والنجاح يثير من حوله الحاقدين.
*القدس العربي
غزة-دنيا الوطن
من الصحافة المكتوبة الي الصحافة المرئية، لكن حنينه لأول منزل، الي الصحافة، لأنها حسب ما يري، هي الأبقي، وهي التي لا تطير من العقول بسرعة الومض الذي تحدثه الصورة التلفزيونية.
لكن التلفزيون مبهر، يقول أحمد منصور المذيع بقناة الجزيرة، صاحب برنامجي بلا حدود وشاهد علي العصر، ويضيف لقد أصبح اليوم صعبا علي التلفزيون والمشاهد أن ينضبطا في مكان محدد، إنه فضاء مفتوح علي العالم من كل زواياه، الأبرع فيه هو من يجعلك تتوقف عن الضغط علي أزرار الريموت كنترول لتبديل المحطات التلفزيونية.
تخرج أحمد منصور في كلية الآداب بجامعة المنصورة، واشتغل في نشر الكتب حيث عمل في دار الوفاء للطباعة والنشر، ثم انتقل للعمل مراسلا صحفيا، فقام بمتابعة أحداث أفغانستان، وأصدر فيها عدة كتب منها: مستقبل كابول، مستقبل أفغانستان، جذور الصراع بين المجاهدين الأفغان.
في الكويت عمل مديرا لتحرير مجلة المجتمع. قام بمتابعة الحرب البوسنية وعاش حصار سراييفو وأصدر كتاب: تحت وابل النار في سراييفو، وفي عام 1997 انتقل الي قناة الجزيرة، وهو يعمل فيها الي الآن منتجا ومعدا ومذيعا تلفزيونيا.
الحوار مع أحمد منصور يتسم بالحنكة، فتجربة الرجل مع دهاة السياسة العربية في برنامجيه، أمدته بخبراتهم في المراوغة، حين التقيته لمحاورته، قلت له بالحرف الواحد: كما تفعل بمحاوريك، تستنزفهم، تخرج منهم قدر ما تستطيع من إجابات هم لا يريدون البوح بها، سأحاول معك هنا، ولكن كيف كانت محاولتي؟ عملت في الصحافة المكتوبة، سابقا، والآن أنت في واحدة من أهم قنوات الإعلام العربي المرئي، أين تجد نفسك؟
أنا ابن الصحافة المكتوبة، وأعتبر نفسي دخيلاً علي التلفزيون، ربما كنت الوحيد الذي تقول قناة الجزيرة أنها أنتجته من الصحافة المكتوبة حتي الآن، وهذا يشرفني، ورغم السنوات الثماني حتي الآن التي عملتها في التلفزيون فالصحافة المكتوبة هي بيتي الأول والأخير، والكلمة المكتوبة أمضي وأبقي من المسموعة أو المشاهدة، صحيح أن الكلمة المسموعة اكثر انتشارا وتأثيرا، ولكن المكتوبة تبقي هي المرجعية الأساسية لنا، ربما تغير الوضع الآن بالنسبة للجزيرة وأصبحت كل برامجنا علي الإنترنت، أما بالنسبة لي فقد حولت جزءا من برامجي الي كتب مقروءة، أنجزت فيها بعض الأشياء، أنني ما زلت أري أن العمق هو في المكتوب، فالتلفزيون وسيلة تسلية، يمكن أن تكون مسطحة وتافهة أو وسيلة تسلية معلوماتية وهذا الجانب هو ما تحاول الجزيرة القيام به، ومن يعتبر التلفزيون وسيلة معلومات لن يتثقف ولن يتعلم إلا أشياء سطحية.
ربما حاولت بسبب مجيئي من الصحافة المكتوبة الي المرئية، المزج بين عمق الكلمة وسطحية الصورة قدر ما أستطيع، ومن هنا أحاول في برامجي أن أقدم شيئا من العمق.
لكن المستقبل هو لوسائل الاتصال الحديثة، وليس التقليدية؟
قبل سنوات تحدثوا عن أن الصحافة الإلكترونية، ستدحر المقروءة، لم تندثر الصحافة المقروءة بل توسعت، ولم ينقص توزيع الصحف حتي في الدول الغربية الأكثر تعاملا مع الوسائل الاتصالية الحديثة كالانترنت، تبقي للقراءة متعة خاصة، ناهيك عن ديمومة المكتوب.
هل تغير شكل علاقتك مع العالم، بعد أن انتقلت من العمل في مجلة لا توزع سوي بضعة آلاف من النسخ الي العمل في قناة، يشاهدها الملايين؟
أنا لا أعيش وهم النجومية، ففي يوم وليلة قد أترك العمل في التلفزيون، لقد كتبت مقالا عن ذلك، تحدثت فيه عن النجم الذي يمكنه أن يعيش وهم الصورة التي يظهر فيها علي التلفزيون، وليس حقيقته التي يعيشها بين نفسه وأهله، كإنسان عادي، من هنا أري أن النجومية يمكنها أن تدمر الإنسان. أنني أعيش حقيقة ذاتي التي حملتها في أي مكان عملت فيه، سواء كنت صحافيا بسيطا أو مدير تحرير أو مذيعا تليفزيونيا.
تباغت من تحاورهم، تقطع الخط عليهم، تفتح النار، لماذا لا تعطيهم الفرصة ليقولوا كل ما عندهم دون مباغتة أو قطع منك؟
إنني في النهاية أجري حوارا، برنامجي شاهد علي العصر نوع من التحقيق، ولكن ليس تحقيقا أمنيا أو جنائيا، بينه وبين التحقيق الجنائي شعرة، إنه تحقيق مع شاهد، يجب ألا يترك علي سجيته لأننا نريد من الشاهد معلومات محددة في قضية محددة، وبالتالي لا بد أن تدرس القضية جيدا، وألا يترك للشاهد المجال ليحكي ما يريد، ولكن خذ منه أنت ما تريد، وهذا الفرق الرئيسي ما بين الذين يجلسون لكتابة مذكراتهم أو بين بعض من جلسوا ونشروها في كتب، ومن حاورتهم في البرنامج، استخرجت منهم معلومات لم يذكروها في مذكراتهم، معلومات ربما لم يريدوا البوح بها، ومن هنا لا أترك المجال للشاهد كي يسهب في قول الأشياء التي ربما أري من خلال دراستي لملف الموضوع أو للفترة التاريخية أو الزمنية التي يتحدث عنها، أنه من السهولة بمكان أن يحصل الناس علي معلومات عنها، ولكنني أريد ما هو خفي، مخبوء.
متي تجد أنك بحاجة الي أن تجري هذه الحالة من التحقيق مع الذين تحاورهم؟
حينما يكون من أحاوره مراوغا، أو لا يريد ذكر الحقيقة، أو يكون جاء للبرنامج ليقول أشياء لا أريدها، وأيضا حينما يكذب.
هل هناك من وجدته يكذب أثناء محاورتك له؟
هناك شخص كتب مذكراته، ولا داعي لذكر اسمه، كنت أسأله عن بعض الأشياء فينفي وحينما أواجهه بالنص من مذكراته، كان يجد مبررا لكل أقواله، لا أستطيع أن اقول أن الإنسان يمكنه قول الحقيقة المطلقة، كما إنني لا اتهم أياً من ضيوفي بالكذب، ولكني أري أنه لا يقول الحقيقة بنسبة كبيرة، وكل منا يقول الحقيقة بنسبة معينة، هناك أشخاص يستطيع المشاهد نفسه أن يتعرف الي كمية الحقيقة عندهم، ويبقي دوري هو إخراجها للناس بقدر ما أستطيع.
كيف تختار ضيوفك؟
سر المهنة (يضحك ).
نعرف أنه سر، ولكن...
أريد أن أفرق لك بين برنامجي، شاهد علي العصر، يستضيف صناع القرار السابقين من رؤساء الدول أو رؤساء الأحزاب أو رؤساء الوزارات أو وزراء السيادة أو زعماء الحركات السياسية، لا بد أن يكون ضيف هذا البرنامج قد لعب دورا في صناعة الأحداث في فترة تاريخية معينة، خلال الخمسين سنة الماضية، أما برنامج بلا حدود فإنه يستضيف صناع القرار سواء كانوا رؤساء دول أيضا أو رؤساء أحزاب أو وزراء أو رؤساء منظمات أو هيئات معينة أو خبراء في مجالات متخصصة يكونون متميزين في تخصصاتهم.
في برنامجيك، قلما تستضيف النساء، لماذا؟
صحيح، لأنه لا يوجد نساء لعبن دورا رئيسيا في حياتنا السياسية، سوي جيهان السادات مثلا.
هذا في مصر، وليس في الوطن العربي؟
ولكن ليس بمثل الدور البارز الذي لعبته جيهان السادات، ولو يتيسر لي امرأة برزت، فإنني سأستضيفها، في برنامج بلا حدود، يجب أن تكون المرأة التي سأستضيفها في وضع مسؤولية معينة، من خلال الشرائح التي قلتها، وهذا قليل، ولا أجد سوي خبيرات، التقيت زوجة أنور إبراهيم، وكان زوجها في السجن، وهي رئيسة حزب مثلا، وكذلك ميرفت التلاوي التقيتها لأنها ترأس إحدي الهيئات التابعة للأمم المتحدة، وعندما أجد امرأة في موقع مسؤولية وقيادة، فإنني سأستضيفها.
يقال أن أي وجه سواء كان صحافيا أو إذاعيا، ويظهر علي قناة الجزيرة، فإنه سينجح بالتأكيد؟
المحطة التلفزيونية تلعب دورا مهما في تقديم الوجوه، لكنها بحسب ما أعتقد، لا تلعب الدور الرئيسي في ذلك، بل الشخص نفسه، ففي الجزيرة ثلاثون أو أربعون مذيعا، ليسوا جميعا بمستوي واحد من الحضور والشهرة أو النجاح ، وليس هذا في الجزيرة فقط، إنه في كل تليفزيونات العالم، حتي في السي إن إن الأشهر، والبي بي سي.
تقاطع من يتصلون بك من الجمهور وتمنعهم من تكملة تساؤلاتهم أو تعليقاتهم؟
انتقد كثيرا لذلك، ومع أني أعتبر أن المشاهد له الحق الرئيسي، فأنا لست منبر الجزيرة، والمشاهد للأسف أحيانا يتصل ليقدم خطبة كاملة، فبرنامج منبر الجزيرة مفتوح للمشاهدين ليتصلوا أو يكتبوا له، ويعبروا عن آرائهم ووجهات نظرهم، ويتكلموا فيه لأربع أو خمس دقائق براحتهم، إن وقت المداخلة في برامج التوك شو في كل العالم لا يزيد علي ثلاثين ثانية، أحاول أن أبين للمشاهد ذلك، وقد نجحت بنسبة كبيرة، في علم التلفزيون يقال إن الإنسان يستطيع أن يتكلم باللغة العربية مئة وعشرين كلمة في الدقيقة، فإذا منحت المتكلم ثلاث دقائق فأنا أعطيه ما مساحته ثلاث ومئة وستين كلمة، بما يعادل مقالة في إحدي الصحف، فإذا لم يستطع أن يعبر عما يريد في هذه المساحة من الوقت والكلمات، فإنه لن يستطيع أن يعبر بما مساحته ألف كلمة، هناك من يمسك الميكروفون ولا يريد أن يتوقف، لكن هناك أيضا من يلتزم.
ألا تعتقد أن مثل هذه النوع من البرامج يحتاج لأن يتعود عليه الجمهور العربي، خاصة وأنه يفتقد لمثلها في تلفزيونه الرسمي؟
نعم، نحن نحتاج لها، وبعد أن قطعنا شوطا عمره أكثر من سبع سنين في تقديم هذه النوعية من البرامج علي قناة الجزيرة، بدأت ألحظ أن هناك تطورا أيضا في استيعاب ما نقوم به، والتعود علي نماذجه، فقد كنت أعاني في البداية بشكل كبير جدا، لكن المشاهد، خاصة المشاهد الملتزم، بدأ ينتبه ويقول ما لديه في كلمة ونصف.
هل يحدث اتفاق مسبق بينك وبين ضيوفك علي ماهية الأسئلة؟
ليس علي الأسئلة، وإنما علي المحاور، هناك فرق، الأسئلة لا يعلم عنها أحد حتي رؤساء الدول، فحين أستضيف أحداً منهم ويطلب مساعدوه الاطلاع علي الأسئلة، أرفض رفضا كاملا، أما المحاور فأطلع ضيوفي عليها إذا طلبوها، وأذكر أن وزيرا عربيا أعددت لحوار معه، فطلب مشاهدة الأسئلة قبل الحلقة بنصف ساعة، لكني رفضت، وأخبرني بأنه لن يخرج معي، فقلت له أنت الخاسر، وجمعت أوراقي، وقلت له قبل أن أمضي، سأخرج الآن لأظهر علي شاشة الجزيرة، وأقول انك رفضت الظهور، فلحقني مساعده وبدأ يساومني علي الأسئلة، فأكدت له أنني أعطيته محاور الحلقة، أما الأسئلة فهي لي ولن يعرفها إلا في الحوار.
كما أشرت، في محاوراتك أنت أقرب للمحقق البوليسي منه الي المحقق الصحافي؟
كما قلت لك، هناك شعرة تفصل بين التحقيق الصحافي والبوليسي.
لكن الإحساس ببولسيتك أثناء المحاورة عال؟
لو تابع المشاهد حواراتي في كل مرة، لاكتشف أنني أحاول في كل واحدة منها أن أكون مختلفا، أنا مثل اللاعب المحترف، الذي ينزل الي أرض الملعب، ثم يحدد طريقة اللعب بناء علي طريقة لعب الجهة الأخري، إذ أحدد أسلوب الحوار بناء علي أسلوب الضيف الجالس أمامي، فإذا كان مراوغا فإني أتبع طريقة تناسب مراوغته، وإذا كان علي غير ذلك، فلن أكون إلا بمستواه، أذكر أن أحد المتصلين في حلقة من حلقات شاهد علي العصر مع الفريق سعد الدين الشاذلي سألني، لماذا أنا مختلف في محاورتي للفريق الشاذلي عن الآخرين، فرد عليه الشاذلي نفسه، وقال: الآخرون يراوغون، أنا لا أراوغ، قدمت كل ما عندي وقلته، من هنا، فإنك حين تحاور شخصا ويقدم لك كل ما تريده، لن تحتاج لأن تحقق معه أكثر مما هو مطلوب، فأساليب الحوار تختلف من شخص لآخر.
يتصور من يتابعونك بشكل جيد، أنك تميل الي محاورة الإسلاميين والوطنيين العرب علي الأغلب، وقليلا ما تحاور من هم بعيدون عن خط توجهاتك الفكرية؟
هذا كلام لا يرد عليه، لأنني أقدم أكبر شريحة متنوعة من حملة الأفكار والرؤي في برنامجي، لكن المشكلة أنه ليس كل من أطلب محاورته يوافق، خاصة المسؤولين، فتقريبا معظم المسؤولين في العالم العربي قاموا بوضع فيتو للظهور في برامجي، أذكر أنني اتصلت بأحد الوزراء وقلت له إنني احمد منصور، وتبادر لي أن سماعة الهاتف وقعت من يده حين سمع باسمي، ولم يرد علي، للأسف، لا أدري لماذا، مع أن هناك مسؤولين لديهم الجرأة والقدرة علي الحوار، وأنا أحييهم علي شجاعتهم، لكن الأغلبية ليس لديهم استعداد للمواجهة، حتي أن بعضهم يوافق في البداية، وحين أعود لأؤكد عليه يعتذر عن أي حوار، بالعكس، أنا أسعي للجميع، والمشكلة في الآخرين وليست عندي أنا.
ما هي أهم المحاورات التي قمت بإجرائها؟
أعتقد أن كل ما قمت به يعتبر شيئاً مميزا.
ولكن الأبرز من ببينها؟
أترك ذلك للمشاهد، ليحدد هو، ولا أستطيع أن أحدد أفضلية حلقة أو شخصية علي آخر، لكن المشاهدين لهم رأي آخر مختلف عني، فالتقييم الأول والأخير لهم فيما أقدمه.
تمتدح قناة الجزيرة في لقاءاتك وأحاديثك، هل لأنك تعمل بها ام أنها قناعتك، رغم ما يروجه بعض المنتقدين من أن هذه القناة تسهم في شق الصف العربي، ومن ضمنها برامجك؟
الجزيرة شأنها شأن أي وسيلة إعلامية، لها حسناتها وأخطاؤها، لكن حجم أخطاؤها قليل مقارنة بما تقدمه محطات أخري غيرها، نحن نجتهد، والمجتهد قد يصيب أو يخطئ، أجل هناك ملاحظات علي الجزيرة، ولكن مقارنة بالآخرين، فقد استطاعت أن تضع أسسا مهنية راقية لوســــائل الإعلام العربية، وأن تنافس الإعلام العالمي، وأن تضع الإعلام العربي وللمـــرة الأولي في منافسة مع الإعلام الغربي، لقد أنجزت وحققت الكثير، الذي نستطيع أن نفخر به جميعا كعرب، أما اتهامها بأنها تشق الصف أو لا تشقه، فالصف العربي مشقوق من البداية، نحن لم نفعل شيئا حتي يلتئم صفنا، وقل لي، منذ ثماني سنوات وحتي الآن والجزيرة تبث برامج يقال إنها تحريضية، لكنها لم تقم بإخراج مظاهرة من خمسة أفراد في أي شارع عربي، علينا أن نعترف أن الجزيرة تبث الوعي والثقافة للناس، أين هي النتائج العملية للتحريض الذي تقوم به الجزيرة، بالعكس، فالاستبداد كما هو في الأنظمة المستبدة، والانفراد في الحكم العربي كما هو في الأنظمة المنفردة، لم يتغير شيء، ما تغير هو أن الإنسان العربي بدأ يشعر باتساع مساحة الوعي عنده، وأنه لا بد وأن يواكب غيره، وفتحت الدنيا أمامه بشكل أو بآخر، وبدأ هناك بناء لعقله ونفسه، والجزيرة أسهمت به.
برأيك من الذي يبحث دائما عن انتقاد الجزيرة تحديدا، وهي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم العربي، التي استطاعت أن تحقق التنافس مع الإعلام الغربي؟
كل الحكومات العربية ووسائل إعلامها المتأخر بعضها مئة سنة عن الإعلام المعاصر، وربما العادي، وحينما جاءت الجزيرة وسيطرت علي الإعلام العربي وعجز هؤلاء عن أن يواكبوها، شعروا بأنها سرقت منهم الناس.
صدقني أنني أتمني أن أري مئة جزيرة في العالم العربي، وأن تكون هناك قناة في كل دولة عربية أفضل من الجزيرة، لأن ذلك، يصب في وعينا، الذين يقفون ضد الوعي وضد العقل وضد معرفة الناس للحقيقة ونقلها اليهم، هم الذين يقفون ضد الجزيرة ويروجون لمقولات تحرص علي إظهارهم بأنهم مع مصلحة شعوبهم، ولكن الأمور الآن سبقت، وأصبحت هذه الترويجات ممجوجة لأن الناس امتلكت الوعي والإدراك في معرفة ما لها وما عليها، ويستطيعون تقييم ما يرونه، سأسأل لماذا النسبة الأكبر من المشاهدين علي مستوي العالم العربي تشاهد الجزيرة، لماذا تترك تليفزيوناتها الرسمية وتشاهد الجزيرة.
الي أي مدي يمكننا أن ننظر لقناة الجزيرة علي أنها ممثلة لكافة التناقضات الفكرية في الوطن العربي، ففيها الإسلامي والليبرالي واليميني واليساري وما الي ذلك من اتجاهات فكرية، سواء من الذين يعملون فيها أو من الذين يظهرون علي شاشتها؟
هذا إفراز للمجتمع العربي، فالجزيرة وضعت ضوابط مهنية، فكل من يتقدم للعمل من جانب مهني، فإن الجزيرة لا تنظر الي دينه ولا إلي فكره، كل الملل والنحل ولأعراق العربية موجودة في الجزيرة.
لماذا يقال أن الجزيرة فلسطينية أو عراقية؟
إذا أنصتنا للاتهامات لن نتفرغ لعملنا، ومعيارنا فيما نقدمه هو المهنة، ومدي النجاح ، أما أن يقال أن الجزيرة هواها عراقي أو فلسطيني، فهذا لا يستحق الرد، والنجاح يثير من حوله الحاقدين.
*القدس العربي

التعليقات