المجذوب يدعو الحكومة إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للحصول على استشارة قضائية حول القرار 1559

المجذوب يدعو الحكومة إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية

للحصول على استشارة قضائية حول القرار 1559

بيروت-دنيا الوطن

دعا د. محمد المجذوب رئيس المنتدى القومي العربي في لبنان، والرئيس السابق للجامعة اللبنانية، والنائب السابق لرئيس المجلس الدستوري في لبنان، والأستاذ المحاضر في القانون الدولي في عدد من الجامعات اللبنانية والعربية.

الحكومة اللبنانية إلى اللجوء لطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول تجاوز مجلس الأمن حدود صلاحياته في القرار 1559 على غرار ما جرى بالنسبة لجدار الفصل العنصري الصهيوني .

وفيما يلي نص المطالعة القانونية التي اعدها د. مجذوب وفنّد فيها المخالفات التي ينطوي عليها القرار 1559 بحق ميثاق الامم المتحدة وصلاحيات مجلس الامن والقانون الدولي : في 2/9/2004، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1559. وهذا القرار يشكل سابقة يتعين على الدول العربية التنبه إلى خلفياتها وأبعادها السياسية وعقد العزم على مواجهة أخطارها وتداعياتها.

صحيح أن القرار يشوبه، من حيث الشكل ، شيء من الضعف:

أ- لأنه صدر بأغلبية تسعة من خمسة عشر، وهي الحد الأدنى المطلوب لصدور أي قرار عن مجلس الأمن، في مسألة إجرائية أو موضوعية.

ب- لان دولتين من الأعضاء الخمسة الدائمين (روسيا والصين) امتنعتا عن التصويت والامتناع يعني غالبا عدم الاقتناع والرضى.

ج- لان الولايات المتحدة وفرنسا، وهما صاحبتا مشروع القرار، اضطرتا إلى إدخال تعديلات عديدة على مشروعهما قبل التصويت عليه بغية ضمان الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لإصدار القرار. ومن هذه التعديلات إسقاط الفقرة التي كانت تنص على "اتخاذ إجراءات إضافية" في حال عدم تنفيذ القرار، والاستغناء عن الجملة التي كانت تطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان دون تأخير، والاستعاضة عنها بجملة "انسحاب كل القوى الأجنبية من لبنان"، والمفروض أن يشمل هذا التعبير قوات العدو الإسرائيلي التي ما زالت تحتل مزارع شبعا في لبنان.

د- لان القرار ينطوي على تناقضات أو مغالطات فادحة تجسد حالة الإرباك أو الارتباك التي عمّت وسادت قبيل اتخاذ القرار، وتفضح النيات المبيتّة والمقاصد غير البريئة التي كانت الدافع إلى التعجيل في إصدار القرار.

فالقرار يشير إلى قراراته السابقة بشأن الحالة في لبنان، ولكنه يتنصل من الإقرار بأن هذه القرارات لم تنفذ بسبب تخاذله أو تقصيره في أداء وظيفته الأساسية، وهي السهر على الأمن والسلام في العالم والدفاع عن حقوق الشعوب وحرياتها، والتدخل لمنع أي اعتداء أو عدوان على الدول الأعضاء في المنظمة العالمية.

والقرار يؤكد مجددا دعمه القوي لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية، ولكنه يرفض الإقرار بان دعمه القوي بقي وهما وسرابا إزاء احتلال إسرائيل لجزء من الأراضي اللبنانية، وإزاء استباحة إسرائيل للأجواء اللبنانية، وإزاء المعتقلين في السجون الإسرائيلية منذ عقود.

والقرار يعلن مجددا احترامه التام لسيادة لبنان واستقلاله، ولكنه في الوقت ذاته يتدخل في شؤونه الداخلية.

والقرار يحمل توقيع تسع دول تعترف بسيادة لبنان واستقلاله، وبشرعية الحكم القائم فيه، كما تعترف بشرعية مؤسساته الدستورية، وفي طليعتها مجلس النواب، ولكنها تتغاضى عن مضامين هذا الاعتراف، والالتزامات التي تترتب عليه، والآثار التي يعززها على صعيد العلاقات الدولية . فالانتخابات النيابية أو الرئاسية، في أي بلد، هي عمل من أعمال السيادة. وفي حال تعرض هذه الانتخابات للتزوير الداخلي أو التدخل الخارجي ، فالشعب، ممثلا بنوابه، هو وحده الذي يتحمل مسؤولية ذلك ونشير إلى أن الرئيس بوش فاز على منافسه في انتخابات العام 2000 بعدد محدود من الأصوات، وفي ظل ملابسات وشكوك لم تعهدها الولايات المتحدة من قبل. ومع ذلك لم نسمع أي اعتراض ولم نلمس أي ذهول أو تعجب من جانب أية دولة من الدول التسع.

ورغم مظاهر الضعف التي تغشى القرار، فان مخاطره تكمن في تصميم الإدارة الأمريكية وأنصارها على استخدام مجلس الأمن مطية لتحقيق أهدافها الرامية إلى الابتزاز والهيمنة، وتجنيد طاقاتها الدبلوماسية المغلفة بالمصالح والمآرب، لعقد صفقات سياسية مع بعض الدول الكبرى والحصول على دعمها مقابل إغراءات أو وعود مادية.

ولعل الجانب الأشد خطورة وأهمية في القرار يتجلى في تجاوز مجلس الأمن حدود صلاحياته والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

فالمادة الثانية من الميثاق تحدد المبادئ التي تساعد هذه المنظمة على تحقيق مقاصدها المنصوص عليها في المادة الأولى. والفقرة السابعة من المادة الثانية تؤكد انه ليس في الميثاق ما يسّوغ للأمم المتحدة "التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدول ما، وليس فيه ما يلزم الأعضاء بإخضاع مسائل من هذا النوع لأصول تسوية، طبقا لأحكام الميثاق ، على أن لا يخل هذا المبدأ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع".

وهذا يعني أن مجلس الأمن لا يستطيع فحص شأن داخلي لدولة ما إلا إذا كان الأمر يتعلق بنزاع أو موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعا. وبعد عملية الفحص والتدقيق يستطيع المجلس أن يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه تعريض السلم والأمن الدوليين للخطر.

والقرار 1559 يخلو من هذا الشرط المهم والكفيل بتحريك مجلس الأمن وتدخله. فلم تقدم أي شكوى إلى المجلس تتهم سوريا ولبنان بتهديد السلم والأمن الدوليين.

والقرار ذاته لم يتطرق إلى مسألة النزاع أو الموقف في لبنان، التي من شأنها تهديد السلم والأمن في العالم، والتي تسمح للمجلس بالإسراع في فحصها ومعالجتها.

وعندما تحدث القرار عن أهمية أجراء انتخابات حرة وعادلة، وفقا للقواعد الدستورية اللبنانية، ودون تدخل أو تأثير خارجي، لم يشر مطلقا إلى أن هذا الأمر يعرض السلم والأمن للخطر، ثم أن المجلس لم يتلق طلبا من أية حكومة خارجية يتهم لبنان أو سوريا بتعريض السلم والأمن للخطر.

صحيح أن المادة 35 من الميثاق أجازت لكل عضو في الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن أو الجمعية العامة إلى أي نزاع أو موقف قد يثير احتكاما دوليا أو قد يكون طرفا فيه، وان يطالب مجلس الأمن بفحص هذا النزاع أو الموقف، إلا أن ذلك مشروط بان يكون من شأن الاستمرار في ذلك تعريض حفظ الأمن والسلام الدوليين للخطر. وهذا الشرط غير متوافر في مضمون القرار 1559. وبعض الأعضاء في مجلس الأمن أشار، لدى مناقشة مشروع القرار، إلى هذا الجانب. وعلى هذا الأساس فضل الامتناع عن التصويت.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت، في مؤتمر سان فرنسيسكو للعام 1945، ولدى تدبيج ميثاق الأمم المتحدة، من اشد أنصار مبدأ عدم تدخل الأمم المتحدة في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. ولهذا جرى الحديث دائما عن القطاع المحجوز للدولة في ممارسة سلطانها الداخلي.

* * *

هناك وسائل متعددة لمواجهة القرار واثبات تجاوزه الحدود التي رسمها الميثاق ألأممي لمجلس الأمن في نطاق ممارسة صلاحياته. ولعل أفضل هذه الوسائل في هذا الظرف الذي تتسارع فيه الأحداث، هو اللجوء إلى الجمعية العامة والطلب إليها، على غرار ما جرى بالنسبة إلى جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة، استشارة محكمة العدل الدولية حول مسألة التدخل في السلطان الداخلي لكل من سوريا ولبنان من قبل مجلس الأمن.

أن للمحكمة، بالإضافة إلى الصلاحية القضائية (أي إصدار الأحكام) صلاحية استشارية (أي إصدار الفتاوى أو الآراء الاستشارية). وطلب الرأي الاستشاري ليس مباحا للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، انه محصور بالجمعية العامة ومجلس الأمن، ويحق لجميع أجهزة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة طلب الرأي الاستشاري إذا أذنت لها بذلك الجمعية العامة. وطلب الاستشارة يتطلب قرارا من الجمعية يتخذ بالأكثرية العادية. وهذا ما حصل في 8/12/2003، عندما طلبت الجمعية رأيا استشاريا بشأن الآثار القانونية المترتبة على قيام إسرائيل، بصفتها السلطة المحتلة، ببناء جدار الفصل العنصري.

قد يعترض البعض ويتذرع بالصفة القانونية غير الإلزامية للآراء الاستشارية الصادرة عن المحكمة الدولية. ولكن لو راجعنا الفقه أو الاجتهاد الدولي في هذا الصدد لوجدناه يحيل إلى اعتبار الأحكام والفتاوى التي تصدر عن تلك المحكمة أمورا تتصف بالطابع ألإلزامي، وخصوصا عندما تصدر بأكثرية ساحقة تشبه الإجماع.

أن الطبيعة القانونية للآراء الاستشارية تختلف عن الطبيعة القانونية للأحكام. والبعض يرى أنها تتفوق عليها من حيث الإلزام والالتزام. فالأحكام القضائية للمحكمة تصدر غالبا لتسوية نزاع بين دولتين. وهي لا تلزم إلا الإطراف المتنازعة. أما الآراء الاستشارية فتعالج مسائل تطرحها الجمعية العامة أو مجلس الأمن وتهم الدول جميعا. ثم أن الأحكام القضائية تصدر بناء على طلب مرفوع من دولتين، في حين أن الآراء الاستشارية تصدر بناء على طلب (أو قرار) من هيئة دولية تمثل الإرادة أو الأسرة الدولية وتتصل بقضايا تربك المجتمع الدولي. وهذا يعني أن الحكم ملزم لأطراف النزاع فقط. أما الآراء الاستشارية فملزمة لجميع دول العالم.

وفي مقدورنا التأكيد بأن جميع الآراء الاستشارية التي صدرت عن المحكمة منذ إنشائها حظيت بالتقدير والاحترام والتنفيذ.

لــــذلــك

فإننا نقترح على الحكومة اللبنانية أن تلجأ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وتطلب أليها استشارة محكمة العدل الدولي حول مسألة التدخل في السلطان الداخلي لكل من سوريا ولبنان من قبل مجلس الأمن.

التعليقات