بين الحصار..والشوق: المسجد الأقصى ينتظر آلاف المصلين والصائمين في شهر رمضان

بين الحصار..والشوق

المسجد الأقصى ينتظر آلاف المصلين والصائمين في شهر رمضان

نابلس-دنيا الوطن- سامر خويرة

نظرات حزينة وعيون احتبست الدموع في مآقيها، هو حال أهل القدس الشريف وهم يتحدثون عن واقع المسجد الأقصى، الذي يشتد الحصار عليه يوماً بعد يوم، حزنهم من حزنه وألمهم من آلمه، ولكنهّم أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس من ثبات المسجد الأقصى وصموده في وجه العاتيات يستمدون ثباتهم، من كبريائه على المعتدين وقيود الظالمين يشحذون هممهم ويصرون على الرباط في المسجد الأقصى المبارك، من شوقه وحبه للأهل المصلين والصائمين يجددون العزم لإحيائه في شهر رمضان صلاة، صياماً، ركوعا سجودا، اعتكافا، سحورا وإفطارا، أي وكأنهم يقولون له بلسان حالهم، إننا نبادلك الشوق بالشوق والحب بالحب، فلن نتركك وحيدا أيها المسجد الأقصى المبارك.

حواجز.. منع وتفتيش

وفي حديث له قال الدكتور يعقوب بدرية -صاحب مطعم النصر في البلدة القديمة-: "وضع المسجد الأقصى حزين بسبب الحواجز والعزل الذي يفرضه اليهود على إخواننا في الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف تهويد القدس العربية كلها وبالذات البلدة القديمة والمقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، إن الشرطة الإسرائيلية تقوم بإغلاق مدينة القدس يوم الجمعة وتمنع من هُم دون سنة 45 من دخول المسجد الأقصى حتى نحن أهل القدس منعنا أكثر من مرة من الوصول إلى المسجد الأقصى لتأدية الصلاة".

ويصف الحاج رشدي صادق –من معمّري أهل القدس والمواظبين على الصلاة في المسجد الأقصى-: "وضع أهل القدس حرج فهم تحت المكبس، فأهل البلدة القديمة محاصرون من الخارج والداخل، محاصرون من الحواجز العسكرية الكثيرة المنصوبة على مداخل القدس والقرى والمدن المجاورة في العزيرية، رام الله، أبو ديس وبيت لحم، ولكي يصل أحد سكان هذه البلاد إلى القدس والأقصى -هذا إن سمح لهم بذلك - فهو بحاجة إلى 3-4 ساعات، هذا بالإضافة إلى الحصار الداخلي حول المسجد الأقصى فترى الحواجز والتواجد الشرطي حول جميع أبواب المسجد الأقصى المبارك، والذين يقومون بإعاقة الداخلين إلى المسجد الأقصى، وتفتيشهم والتدقيق في بطاقاتهم وحاجاتهم الشخصية".

ومن بين أساليب الشرطة الإسرائيلية في تضييق الحصار ومنع الدخول إلى المسجد الأقصى، أسلوب المراوغة والتزوير يقول الحاج عصام زغير –مقدسي صاحب محل للعطور والأشرطة الإسلامية-: "إن أفراد الشرطة الإسرائيلية يمهد أحدهم للآخر في سبيل التضييق ومنع الشباب من دخول إلى المسجد الأقصى، ويقومون بأساليب خسيسة، ففي هذا المضمار، فقد يوقف أحد أفراد الشرطة شاب من الشباب ويأخذ هويته الشخصية ويقوم بتمزيق جزء منها ومن ثم يعرضها على شرطي آخر يقف بجانبه ليقول هذا الشرطي للشاب أن هذه الهوية مزورة، وهذا ما حدث مع أحد أبنائي قبل فترة وبهذه الحجة قاموا باعتقاله لمدة 48 ساعة وتم منعه من الدخول إلى المسجد الأقصى المبارك".

ويصور لنا الشيخ كمال خطيب –نائب رئيس الحركة الإسلامية– حقيقة الحصار الإسرائيلي عل المسجد الأقصى بقوله: "كيف لنا لا نتصور حقيقة هذا الحصار وهذا الوجه الأغبر الكالح للشرطي الإسرائيلي هو أول من يلقاك على بوابة المسجد الأقصى، ويطلب منك أن تثبت هويتك ومن تكون !! هذا لمن تسنىّ له الوصول إلى البوابات، فكيف يكون حال من يردون عن الحواجز وهم يبعدون كيلومترات من القدس، حتى من يدخلون إلى المسجد الأقصى من المسلمين معرّضون أن يوقفهم رجال الشرطة والمخابرات داخل المسجد الأقصى المبارك".

ويعتبر الشيخ محمد حسين –مدير وخطيب المسجد الأقصى– إن الاحتلال هو أكبر ما يضايق المسجد الأقصى المبارك: "المسجد الأقصى مضايق وهو في ظل الاحتلال، فمنذ أن احتل المسجد الأقصى عام 1967 حتى يومنا هذا فهو في ضيق وحصار، الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى تشكل مضايقة أخرى على المسجد الأقصى المبارك، الاعتداءات والاقتحامات المتكررة على المسجد الأقصى تشكل هي الأخرى مضايقة كبيرة للمسجد الأقصى، ولا ننسى حريق المسجد الأقصى عام 1969".

حتى كبار السن والمعاقين منهم لا يسلمون من مضايقات الشرطة الإسرائيلية وكما يحدثنا الحاج أسعد الأطرش –مقدسي مسنّ ومعاق جسديا-: "كثيرا ما يعترضني أفراد الشرطة وأنا متوجه للمسجد الأقصى ويقومون بطلب الهوية رغم كبر سني وحالتي الصحية، أحيانا يطلبون منا إبراز الهوية حتى داخل باحات المسجد الأقصى المبارك وهذه المضايقات تزداد في رمضان خاصة لجيل الشباب".

ولا يختلف حال كبار السن والمعاقين عن حال الصغار وطلاب المدارس والمعلمين، فيحدثا الأستاذ إسماعيل ترك -مدرس في مدرسة الأيتام الشرعية الملاصقة للمسجد الأقصى-: "قامت الشرطة الإسرائيلية أكثر من مرة بتفتيش طلاب المدرسة ومنعتهم من دخول المسجد الأقصى أو إعاقتهم بل قاموا مرة بتفتيش الكتب التي أحملها ومنعوني من إدخالها إلى المسجد الأقصى، ناهيك عن نصب الحواجز داخل أزقة القدس القديمة والتي بسببها نتأخر عن الدوام الدراسي وكذلك الطلاب، أقول بصراحة الهدف من هذا هو حصار الحرم القدسي وتجهيل الشعب الفلسطيني ومنعه من الصلاة في المسجد الأقصى".

ويتساءل الحاج فواز من الخليل والذي بعد ساعات طوال من السفر ووصوله إلى أحد أبواب المسجد الأقصى ومنعه من الدخول لأنه يحمل هوية الضفة الغربية يتساءل وهو يهز رأيه ويمسك بلحيته البيضاء:" أي ديانة هذه وأي حكومة التي تمنع الصلاة في بيت الله ومسرى رسول الله r " ويقف طويلا أمام الحاجز الشرطي ولم يشفع له كبر سنه بالدخول إلى المسجد الأقصى ليضطر أخيرا للصلاة في زقاق من أزقة القدس الشريف.

وحال النساء ومعاناتها وهي متوجهة إلى الأقصى لا يقل عن حال الرجال فهذه الحاجة كاملة من الجليل –وقد تجاوز عمرها الستين- منعوها من الدخول إلى المسجد الأقصى عن طريق باب الأسباط فتسير مئات الأمتار لتحاول الدخول من باب آخر.

أما الحاجة فاطمة من المثلث الجنوبي فقد سمحوا لها بالدخول ومنعوا ابنها بحجة أن عمره صغير فتقول: "إلى أين أذهب الآن وماذا أفعل بعد أن منعوا ابني من الصلاة في المسجد الأقصى".

مرابطون رغم القيود

هذه القيود وهذا الحصار لم ينل من عزيمة المقدسين وأهل الداخل الفلسطيني وإصرارهم وتوجههم المستمر لشد الرحال للمسجد الأقصى المبارك.

يقول الحاج أحمد فتحي – مقدسي وبائع حلوى – "المسجد الأقصى بالنسبة لنا عقيدة، ولن يرحل أحد منّا من هنا، هذه بلاد مقدسة، فالرحمة تتجول في العالم وتستقر في بيت المقدس، والنائم في بيت المقدس كالعابد في غيره، مهما ضُيق علينا فسنظل نرابط في القدس وفي المسجد الأقصى المبارك، ولن نتركه أبدا مهما حصل".

ويعتبر الحاج المقدسي سليمان أبو منذر الحفاظ على المسجد الأقصى المبارك واجب كل مسلم ويقول:" مهما وضعوا من حواجز وضايقوا المصلين وهم خارجين أو داخلين فلن نتخلى عن المسجد الأقصى ولن نتخلى عن حبنا له وسنواصل رباطنا في رحابه، ونحن والحمد لله والكثير من المقدسين نصلي الأوقات الخمس فيه".

أما الحاج عبد الجبار القواسمي فترى في عينيه وتلمس في قلبه عزيمة قوية وهو يحدثك عن رباطه وتمسكه بالقدس والأقصى رغم ما يلاقيه بشكل دائم من أفراد الشرطة الإسرائيلية: "عزيمتنا قوية وإرادتنا قوية وسنظل المدافعين والمنافحين عن حمى المسجد الأقصى المبارك".

المرواني.. ورمضان

ما زالت المؤسسة الإسرائيلية تحاول التقليل من رواد المسجد الأقصى في شهر رمضان من خلال حملة تخويف بأن هناك خطر انهيار في المصلى المرواني بسبب اكتظاظ المصلين خلال شهر رمضان المبارك، والحديث عن تقارير إسرائيلية مزعومة بهذا الشأن، الأمر الذي ترفضه دائرة الأوقاف الإسلامية ومؤسسة الأقصى، واللتان أكدتا أكثر من مرة أن الوضع الإنشائي في المصلى المرواني والمسجد الأقصى مستقر، حسب كل التقارير التي أجراها مهندسون مختصون.

واعتبرت التصريحات الإسرائيلية بأنها خطوة للتدخل في شؤون المسجد الأقصى ومحاولة وضع قدم أولى وسيطرة تدريجية على المصلى المرواني، ومحاولة تقسيمه، ولعل حديث قائد شرطة القدس الأسبوع الماضي – خلال اقتحامه وأفراد من الشرطة الإسرائيلية للمصلى المرواني – بأنه "يقترح" إغلاق نصف المرواني يشير إلى حقيقة المخططات الإسرائيلية.

مؤسسة الأقصى ودائرة الأوقاف طمأنت جمهور المسلمين وأعلنت أن المصلى المرواني سيبقى مفتوحا أمام المصلين في شهر رمضان ودعت المسلمين إلى الصلاة فيه وفي المسجد الأقصى بل وتكثيف شد الرحال إليه خلال شهر رمضان المبارك.

" البيارق "- القلب النابض للقدس والأقصى

يقول الحاج عصام زغير: "الأقصى حزين، ورمضان حزين في القدس، فقد كنا سابقا نجهز الأشرطة، الملابس، الحلوى والأنوار لاستقبال شهر رمضان في القدس والأقصى، أما اليوم فالكثير من هذه الظواهر اختفت، ولكن والحمد لله جاء من يكفكف الدمع ويمسح الحزن عن الأقصى ألا وهم أهلنا من الداخل الفلسطيني الذين يأتون بآلافهم كل يوم بالحافلات المحملة بالمصلين لدعم أهل القدس وإحياء المسجد الأقصى بالمصلين عبر ما يسمى "مسيرة البيارق" وهذه الأعداد تزداد كثيرا في شهر رمضان".

يقول الحاج سليمان أبو منذر: "مسيرة البيارق بارك الله في كل شخص يشارك بها، فنحن نعتز ونفتخر بها وبالقائمين عليها، فمسيرة البيارق هي القلب النابض للمسلمين في القدس وكذلك للمسجد الأقصى المبارك".

التعليقات