الجنرال والنعناع.. وايمان بقلم:د.احمد الطيبي
الجنرال والنعناع.. وايمان
بقلم : د. أحمد الطيبي
عندما وصلت إلى خانيونس في 8/5/2001 جئت لأحمل بين يدي ذلك الجثمان , كتلة اللحم الصغيرة للطفلة الشهيدة إيمان حجو ابنة الأربعة اشهر التي مزقت قذائف الاحتلال ظهرها وجعلت منه اشلاءاً . سجيتها في القبر وكأنني اسجي ابنتي . حملت ريشة بين يدي ولكنني شعرت بانني احمل ثقل الألم والظلم والمعاناة الفلسطينية التي تجمعت كلها في عيون طفلة أبى وحش الاحتلال الا ان يقطع عليها طريق الحياة ....
وقبل أيام شيع الآلاف في جنازة غاضبة جثمان إيمان الهمص ابنة الثالثة عشرة التي مزقت 22 رصاصة جسمها الطاهر وهي في طريقها إلى المدرسة في محور صلاح الدين في رفح . كانت تلك رصاصات قناصة رأوها من بعيد تحمل حقيبتها وتلبس زيها المدرسي .. راقبوها في عدستهم فطلبوا الإذن : إنني أرى طفلة تحمل حقيبة .. اشعر بخوف..انها تتقدم..ويأتي الرد الحاسم ل"محاربة الارهاب" بالموافقة فتنطلق رصاصات قاتلة من ثلاثة مصادر للنيران.. قناصين لتنغرز في جسد إيمان ابنة الثالثة عشر تماما كما انغرزت شظايا القذيفة في جسد إيمان ابنة الأشهر الأربعة..
ثم ينطلق "صوت إسرائيل" ليقولوا إنهم قتلوا "مخربة" ومنعوا "عملية" وأحبطوا "تفجيرا", فقد كانت إيمان بزيها المدرسي تحمل حقيبة ! .. سقطت لأنها تحمل حقيبة وهي في طريقها إلى المدرسة...
طلابنا يحملون الحقائب فماذا يحملون طلابكم ؟؟ الا يحملون حقائبهم ويسيرون؟!
لقد جربوا عدساتهم وبنادقهم..شاهدوها...دققوا فيها.. رأوا أنها طفلة وأطلقوا النار.. لانها تحمل حقيبة..
قالوا بعد ذلك : خطأ! كما يقولون دائما..فالاحتلال لا يقتل الأطفال الا "خطأ"ً . ومنذ بدأ الانتفاضة حتى الآن "اخطئوا 815 مرة .. 815 طفلا .. قد يخطئ بني البشر مرة أو مرتين أو عشرة ولكن هل يخطئ 815 مرة ويبقى "يخطأ" فقط؟ لقد تعود هؤلاء الذين أطلقوا النار ومن أصدر لهم الأمر بان مجتمعهم (الإسرائيلي)
غفور رحيم .. انهم "الأبناء الأعزاء يدافعون عن البيت".. حتى لو كان في رفح وجباليا وبيت حانون ونابلس وجنين... يقتلون حتى الأطفال ليجلبوا الحياة لمن هم "الأفضل"... اولئك الذين لوحدهم يستحقون الحياة .من يتجرا على القول ان طفلا من "شدوروت" يستدعي حربا شعواء على مئات آلاف المدنيين في المخيمات واما موت إيمان 2001 أو إيمان 2004 لا يستدعي سوى الحديث عن"خطأ".
لا يا سادة... ان هذا الدم هو دم طفلة لها أم ولها أب.. لها أخوة وأخوات.. إذا ذبحتوها ستتألم وأن قتلتوها سنغضب وسيغضب معها شعب بأكمله اقسم الا يخضع أو يركع حتى ان مزقتم أشلاء أبنائه وبناته.
فهي تقاسيم حزينة اهداها لنا أطفال تتفتت أجسادهم ، اهدوها إلى كل جرح نازف يذود عن هذه الارض وهذا الوطن.
أراد شارون وصحبه أن يجنوا الثمر من الفلسطينيين في "غزة" جراء صواريخ القسام في شدروت.. نعم لقد جنوا ثمنا باهظا : 26 طفلا..! من بينهم إيمان. انهم يستهدفون " الأيمان" لشعب لا يريد ان يموت ولكنه يسال باعلى صوته كيف نقاوم الدبابة والصاروخ ..كيف نواجه الرصاص؟ وهل تكفي أكاليل الورود ردا على قذائف الدبابات ؟ وهل يسمع صوتنا الصارخ وحيدا أمام صمت امة العرب ؟ ام أننا لا نسمع سوى صدى صرخات الموت تقول :" لماذا تركتم الفلسطيني وحيدا ؟؟.
انهم يستهدفون العقيدة والصمود .. إنهم يستهدفون الرواية والذاكرة..
انهم يستهدفون فلسطين.
تحول الموت إلى مفردة يومية في شرفات البيت وفي المدرسة .. في الملعب وفي المشفى .. يموت الشهداء ليعيش الأهل في فلسطين.. لا ليعيش العدو في "نفيه دكاليم" .. يقولون في جباليا.
تذكرت صديقي الكاتب الرائع خيري منصور عندما سقطت إيمان الثانية لأننا كنا على موعد عندما سقطت إيمان الأولى.. وكتب مقالا رائعا انذاك شارك بواسطته في جنازتها الحزينة. تذكرته ونحن نستذكر ما كتبه " مالبرته" الإيطالي أثناء الاحتلال ألالماني لايطاليا.
فقد قتلوا طفلة جميلة وتركوها على عتبة البيت . جاء الأب الثاكل ومددها في إناء وغمر جسدها المدمي بالنعناع ودعا الجنرالات إلى وليمة وهو يقول لهم :" هذا هو عشاؤكم المتبل الأخير ..".
الفلسطينيون لم يغمروا "إيمانهم " بالنعناع ولا حتى بأوراق الأسى والصفصاف والدموع.
لقد شهروا مهدها الصغير في وجه عالم فظ ، غارق في اللامبالاة حتى اذنيه، ان كان له اذان يسمع.
سوف يسقط الجنرال لأنه الآن في خريفه تثقل خطاه من تخمة الأطفال ودم الأبرياء.
إن زمن تطارد فيه الصواريخ والقناصة عصفورا أو حمامة لهو خاتمة الأزمنة كلها.
يا ابنتنا التي لحقت اخواتها وأبقت زجاجة حليبها أمانة في أعناقنا نقول :
أنت موعودة بتلاوة نشيد الاستقلال ذات فجر فلسطيني .
تبت يدا من صمت..
وتبت يدا من خنع..
يا جسر الأحزان أسميناك جسر العودة.
بقلم : د. أحمد الطيبي
عندما وصلت إلى خانيونس في 8/5/2001 جئت لأحمل بين يدي ذلك الجثمان , كتلة اللحم الصغيرة للطفلة الشهيدة إيمان حجو ابنة الأربعة اشهر التي مزقت قذائف الاحتلال ظهرها وجعلت منه اشلاءاً . سجيتها في القبر وكأنني اسجي ابنتي . حملت ريشة بين يدي ولكنني شعرت بانني احمل ثقل الألم والظلم والمعاناة الفلسطينية التي تجمعت كلها في عيون طفلة أبى وحش الاحتلال الا ان يقطع عليها طريق الحياة ....
وقبل أيام شيع الآلاف في جنازة غاضبة جثمان إيمان الهمص ابنة الثالثة عشرة التي مزقت 22 رصاصة جسمها الطاهر وهي في طريقها إلى المدرسة في محور صلاح الدين في رفح . كانت تلك رصاصات قناصة رأوها من بعيد تحمل حقيبتها وتلبس زيها المدرسي .. راقبوها في عدستهم فطلبوا الإذن : إنني أرى طفلة تحمل حقيبة .. اشعر بخوف..انها تتقدم..ويأتي الرد الحاسم ل"محاربة الارهاب" بالموافقة فتنطلق رصاصات قاتلة من ثلاثة مصادر للنيران.. قناصين لتنغرز في جسد إيمان ابنة الثالثة عشر تماما كما انغرزت شظايا القذيفة في جسد إيمان ابنة الأشهر الأربعة..
ثم ينطلق "صوت إسرائيل" ليقولوا إنهم قتلوا "مخربة" ومنعوا "عملية" وأحبطوا "تفجيرا", فقد كانت إيمان بزيها المدرسي تحمل حقيبة ! .. سقطت لأنها تحمل حقيبة وهي في طريقها إلى المدرسة...
طلابنا يحملون الحقائب فماذا يحملون طلابكم ؟؟ الا يحملون حقائبهم ويسيرون؟!
لقد جربوا عدساتهم وبنادقهم..شاهدوها...دققوا فيها.. رأوا أنها طفلة وأطلقوا النار.. لانها تحمل حقيبة..
قالوا بعد ذلك : خطأ! كما يقولون دائما..فالاحتلال لا يقتل الأطفال الا "خطأ"ً . ومنذ بدأ الانتفاضة حتى الآن "اخطئوا 815 مرة .. 815 طفلا .. قد يخطئ بني البشر مرة أو مرتين أو عشرة ولكن هل يخطئ 815 مرة ويبقى "يخطأ" فقط؟ لقد تعود هؤلاء الذين أطلقوا النار ومن أصدر لهم الأمر بان مجتمعهم (الإسرائيلي)
غفور رحيم .. انهم "الأبناء الأعزاء يدافعون عن البيت".. حتى لو كان في رفح وجباليا وبيت حانون ونابلس وجنين... يقتلون حتى الأطفال ليجلبوا الحياة لمن هم "الأفضل"... اولئك الذين لوحدهم يستحقون الحياة .من يتجرا على القول ان طفلا من "شدوروت" يستدعي حربا شعواء على مئات آلاف المدنيين في المخيمات واما موت إيمان 2001 أو إيمان 2004 لا يستدعي سوى الحديث عن"خطأ".
لا يا سادة... ان هذا الدم هو دم طفلة لها أم ولها أب.. لها أخوة وأخوات.. إذا ذبحتوها ستتألم وأن قتلتوها سنغضب وسيغضب معها شعب بأكمله اقسم الا يخضع أو يركع حتى ان مزقتم أشلاء أبنائه وبناته.
فهي تقاسيم حزينة اهداها لنا أطفال تتفتت أجسادهم ، اهدوها إلى كل جرح نازف يذود عن هذه الارض وهذا الوطن.
أراد شارون وصحبه أن يجنوا الثمر من الفلسطينيين في "غزة" جراء صواريخ القسام في شدروت.. نعم لقد جنوا ثمنا باهظا : 26 طفلا..! من بينهم إيمان. انهم يستهدفون " الأيمان" لشعب لا يريد ان يموت ولكنه يسال باعلى صوته كيف نقاوم الدبابة والصاروخ ..كيف نواجه الرصاص؟ وهل تكفي أكاليل الورود ردا على قذائف الدبابات ؟ وهل يسمع صوتنا الصارخ وحيدا أمام صمت امة العرب ؟ ام أننا لا نسمع سوى صدى صرخات الموت تقول :" لماذا تركتم الفلسطيني وحيدا ؟؟.
انهم يستهدفون العقيدة والصمود .. إنهم يستهدفون الرواية والذاكرة..
انهم يستهدفون فلسطين.
تحول الموت إلى مفردة يومية في شرفات البيت وفي المدرسة .. في الملعب وفي المشفى .. يموت الشهداء ليعيش الأهل في فلسطين.. لا ليعيش العدو في "نفيه دكاليم" .. يقولون في جباليا.
تذكرت صديقي الكاتب الرائع خيري منصور عندما سقطت إيمان الثانية لأننا كنا على موعد عندما سقطت إيمان الأولى.. وكتب مقالا رائعا انذاك شارك بواسطته في جنازتها الحزينة. تذكرته ونحن نستذكر ما كتبه " مالبرته" الإيطالي أثناء الاحتلال ألالماني لايطاليا.
فقد قتلوا طفلة جميلة وتركوها على عتبة البيت . جاء الأب الثاكل ومددها في إناء وغمر جسدها المدمي بالنعناع ودعا الجنرالات إلى وليمة وهو يقول لهم :" هذا هو عشاؤكم المتبل الأخير ..".
الفلسطينيون لم يغمروا "إيمانهم " بالنعناع ولا حتى بأوراق الأسى والصفصاف والدموع.
لقد شهروا مهدها الصغير في وجه عالم فظ ، غارق في اللامبالاة حتى اذنيه، ان كان له اذان يسمع.
سوف يسقط الجنرال لأنه الآن في خريفه تثقل خطاه من تخمة الأطفال ودم الأبرياء.
إن زمن تطارد فيه الصواريخ والقناصة عصفورا أو حمامة لهو خاتمة الأزمنة كلها.
يا ابنتنا التي لحقت اخواتها وأبقت زجاجة حليبها أمانة في أعناقنا نقول :
أنت موعودة بتلاوة نشيد الاستقلال ذات فجر فلسطيني .
تبت يدا من صمت..
وتبت يدا من خنع..
يا جسر الأحزان أسميناك جسر العودة.

التعليقات