في قطاع غزة:أطفال مهنتهم مرافق سائق

في قطاع غزة:أطفال مهنتهم مرافق سائق

غزة-دنيا الوطن

يخرج الطفل باسم من منزله صباح كل يوم، متوجهاً إلى عمله غير المألوف والمعروف في أية بقعة من بقاع الأرض، وبالقرب من شجرة جميز تجاوز عمرها سنوات عمره بكثير، يجلس باسم (13) عاماً، مسنداً ظهره إلى جذع الشجرة العجوز، المطلة على الطريق العمة التي تسلكها المركبات القادمة من شمال قطاع غزة إلى جنوبه. وتتراقص عينا باسم مثل عيون الصقر المحلق في السماء محاولاً اقتناص فريسته. و"الفريسة" بالنسبة لباسم لا تمثل سوى سيارة خالية من الركاب، عندها يقفز باسم منقضاً على السيارة الخالية كمن وقع على كنز ثمين، عارضاً خدماته مدفوعة الأجر، المتمثلة في مرافقة السائق مسافة لا تزيد عن كيلو مترين، يتوسطها حاجز عسكري إسرائيلي لا يسمح بمرور المركبات الفلسطينية إلاّ وبها شخصان على الأقل.

بسرعة معهودة، يفتح باسم باب السيارة المجاور للسائق، يلقي بنفسه على المقعد، بعد أن يتبادل مع السائق كلمات قصيرة.

هذا الوضع أصبح مألوفاً للمارين على الطريق الواصلة بين شمال وجنوب القطاع، بعد أن منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي سائقي السيارات على اختلاف أنواعها من اجتياز الحاجز العسكري الذي أقامته على مدخل الطريق المعروفة باسم "الحكر" جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع، إلاّ ومعه شخص واحد على الأقل، خشية أن يقوم مقاومون فلسطينيون من شن هجمات انتحارية ضدها.

ويقول باسم:" أنه يقضي جل يومه رابضاً على أرض الطريق مستظلاً بشجرة الجميز ينتظر رزقه القليل الذي لا يتجاوز في أحسن الأحوال تسعة شواقل أي ما يعادل تقريباً دولارين في اليوم الواحد، وغالباً ما تنحصر حصيلته اليومية في أربعة شواقل فقط".

وهذا العمل الغريب يلجأ إليه باسم في أوقات الإجازة من الدراسة وأيام العطل الأسبوعي والأعياد، نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها أسرته، ما يدفعه إلى تحمل ساعات الانتظار الطويلة التي يقضيها في انتظار سيارة ما. ويبدأ يوم عمل باسم منذ الساعات الأولى للصباح حتى وقن الغذاء ليعود إلى منزله ويتناول طعامه، ثم يعود ثانية بعد الظهر حتى ساعات المساء، حيث يعود إلى المنزل منهكاً، وهكذا دواليك دون أن يقضي وقتاً في اللعب أو القراءة التي لا يقدر على ثمنها، بل إنه حتى لا يجرؤ على شراء زجاجة مياه لو أحس بالعطش، أو نسى زجاجة المياه و"خبزة الزعتر" التي تزوده بها أمه قبل خروجه الصباحي، فقد يحل الشيقل مشكلة كبيرة لأحد أفراد أسرتي، أحياناً لا يستطيع أحدنا الذهاب إلى المدرسة لأنه لا يملك قلماً أو دفتراً بسبب عدم وجود النقود .

ويضيف باسم وهو أكبر اخوته:" وادي عاطل عن العمل منذ بدء الانتفاضة، ولدي خمسة أخوة، أربعة منهم في المدارس، حتى المساعدات الني نتلقاها لا تكفينا، لذا لجأت إلى هذا العمل بعد أن عرفت به من أحد زملاء المدرسة، ثم انضم إليّ أخي هاشم، الذي يصغرني بعام واحد، وكلانا يعمل في أوقات مغايرة للآخر.

ورغم معرفة باسم بخطورة العمل الذي يقوم به، والأسباب التي تدفع السائقين إلى أن يكون معهم مرافق، إلاّ أنه يجهل تماماً السبب الذي دفع قوات الاحتلال الإسرائيلي لفرض هذا الأمر على سكان قطاع غزة، فردأ على سؤال بهذا الخصوص، قال وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه:" لأن السائقين يخافون عبور الحاجز وحدهم، كون اليهود يهددونهم ولا يسمحون لهم بالمرور".

.إلاّ أن عبد الرحمن أبدى فهماً أكبر للموضوع، حسبما أتاحت له سنه الصغيرة(14) عاماً، قائلاً:" اليهود يخشون أن يقوم أحد من حماس أو الجهاد الإسلامي بعمليات استشهادية ضدهم.".عشرون طفلاً، تتراوح أعماره بين 8-16 عاماً، يعملون في هذه المهنة، يقطن جميعهم منطقة "أم ضهير" جنوب مدينة دير البلح ، على بعد نحو كيلو متر واحد غرب الحاجز العسكري الإسرائيلي.

ويقول عبد الرحمن:" أنه يدخر الأموال القليلة التي يجمعها بهدف شراء دراجة هوائية مستعملة تمكنه من الذهاب إلى مدرسته البعيدة نسبياً عن منطقته، ولشراء ملابس مدرسية جديدة.

أما ياسر الذي يتضح من هيئته أنه يعيش حرماناً وفقراً واضحاً، فينفق كل ما يجمعه يومياً في شراء الشيكولاتة والشيبسي، وزجاجات الكوكاكولا.

ويتوزع عشرات الأطفال على عدد من محاور الطرق والمناطق كي يتسنى لهم مرافقة السائقين في رحلة خطرة ، تترواح مدتها في حدها الأدنى نصف الساعة، وأربع ساعات في حدها الأقصى. حسب التعليمات التي يتلقاها جنود الاحتلال من مسؤوليهم السياسيين والعسكريين، إن كان ذلك بتشديد إجراءات الحصار الداخلي أو عزل المدن ، أو بتخفيفها، وفي غالب الأمر يتحكم مزاج الجنود الإسرائيليين في تسهيل أو تخفيف نوع العقاب وأساليب الإذلال اليومي التي لم يسلم منها مواطن فلسطيني، وأي تمرد على هذه السياسة، فمصيره الموت أو الاعتقال.

حين تقترب السيارة من الحاجز العسكري الإسرائيلي، رويداً، رويداً، تنتصب رؤوس الجنود الإسرائيليون في برج المراقبة العلوي، المحصن بمكعبات خرسانية، والمزود بإشارة ضوئية بضوءين فقط، أحدهما أحمر والآخر أخضر.

يشعل أحدهم الضوء الأحمر للفلسطينين، الذين عليهم الانتظار في صف طويل من السيارات يصل طوله أحياناً إلى أكثر من ثلاثة كيلو مترات إلى حين مرور قوافل المستوطنين .

ولأن الأطفال لهم ما يبرر خوفهم، فإنهم يرفضون غالباً العمل في ساعات الليل أو الفجر، بسبب خوفهم من جنود الاحتلال الذين باتوا يعرفونهم لكثرة مرورهم عبر الحاجز، أو بسبب منع ذويهم من العمل في مثل هذه الأوقات، ما يضطر السائقين أحياناً إلى استخدام أبنائهم كمرافقين في هذه الأوقات المتأخرة.

يقول سائق سيارة الأجرة حمدي (30) عاماً:" إنني أضطر إلى إيقاظ طفلي الصغير في الثانية فجراً كي آخذه كمرافق لي في طريق عودتي من حاجز من حاجز بيت حانون أو مدينة غزة إلى رفح، لأنه لا يوجد في مثل هذا الوقت ركاب أو أطفال يؤجرون خدماتهم للسائقين. وأضاف أنه أرغم مرات عديدة على وضع ابنه في صندوق السيارة الخلفي أثناء رحلة الذهاب، بسبب عدم وجود مقعد فارغ له في السيارة.

هكذا تحكم لقمة العيش المرير آلاف المواطنين الفلسطينيين الذين أصبح كثير منهم بلا عمل أو مأوى، ويضطرون إلى التحايل على ظروف الاحتلال بحيلتهم القليلة ونفوسهم الكبيرة. ولأن فيداخلهم ما يدفعهم على الاستمرار في العيش على هذه الأرض سيظلون يقاومون ويحلمون ويقاومون.

التعليقات