صدام تعاون مع المحققين رغبة منه في صياغة تركته وأجرى مكالمتين فقط بعد 1990 خوفا من كشف مكانه
صدام تعاون مع المحققين رغبة منه في صياغة تركته وأجرى مكالمتين فقط بعد 1990 خوفا من كشف مكانه
غزة-دنيا الوطن
استبد القلق بالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين من احتمال ان ترصد الولايات المتحدة احدى مكالماته الهاتفية وتكشف مكانه، الى درجة انه لم يجر بعد عام 1990 سوى مكالمتين. ومع اقتراب حكمه من نهايته ازداد صدام عزلة وخوفا على حياته، واصبح يعتمد اكثر من اي وقت مضى على أفراد عشيرته في تكريت في حمايته.
ولكن حتى بعد ان شعر بأن القوة الأميركية تهدده، ظل صدام مولعا بالأفلام الاميركية والأدب الأميركي. ومن أحب الكتب اليه رواية «الشيخ والبحر» لأرنست همنغواي. وكان صدام يأمل في علاقات أفضل مع أميركا، وعلى مر السنين أرسل مقترحات عديدة عبر وسطاء لفتح حوار مع واشنطن.
هذه بعض اللمحات عن حياة الرئيس المخلوع، التي يكشف عنها تقرير رئيس مجموعة المفتشين في العراق تشارلز دولفر. واستمد دولفر هذه اللمحات من تفكير صدام وشخصيته ليس من استجواب العديد من مساعدي صدام السابقين بل من مقابلات مع الرئيس المخلوع نفسه. ويقول دولفر في تقريره ان مستجوبا واحدا تولى مقابلة صدام. ويقول التقرير ان الرئيس المخلوع لم يكن لديه اي حافز للتعاون سوى رغبته «في صياغة تركته». ويقول دولفر ان صدام يعتبر نفسه في مصاف قادة عراقيين كبار، مثل حمورابي ونبوخذ نصر وصلاح الدين الأيوبي.
ويؤكد تقرير دولفر الفكرة السائدة من ان صدام كان يتحكم في كل الأمور في العراق، ويتخذ القرارات الاستراتيجية. وكان يوزع المكافآت السخية على الموالين له وينزل العقاب السريع الصارم على غير الموالين، مستخدما الخوف والعنف لفرض خضوع الآخرين له. وكان يتسم بدرجة عالية من السرية في سلوكه بحيث يصعب على مساعديه معرفة ما يفكر به احيانا، فقد كان يفكر مليا في القرارات الخطيرة مثل غزو الكويت، ولكنه لا يتحدث في ذلك الا مع قلة من مستشاريه.
وقد نقل عن طارق عزيز نائب رئيس الوزراء السابق، تأكيده انه قبل غزو العام الماضي من جانب القوات الأميركية، كان القادة العسكريون يكذبون على صدام بشأن استعداد العراق، مما ادى به الى اساءة تقدير كبرى حول قدرة جيشه على ردع الهجوم. كما قلل مسؤولون عسكريون عراقيون سابقون آخرون من درجة استعدادهم القتالي ورغبتهم في خوض المعركة.
وتجدر الاشارة الى ان كلا من عزيز وسكرتير صدام حسين السابق عبد حمود، قالا للمحققين ان صدام كان يأمل في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، طبقا لما ذكره دولفر. وكان حسين قد اختبر مرارا، في التسعينات رغبة واشنطن في فتح حوار.
وكشف دولفر انه في الفترة ما بين 1994 و1998 تلقى هو ورولف اكيوس وهو كبير مفتشي اسلحة سابق تابع للامم المتحدة «اتصالات متكررة من مسؤولين عراقيين كبار تحتوي على رسالة، هي ان بغداد تريد اجراء حوار مع الولايات المتحدة وان العراق في موقع لكي يصبح افضل صديق لواشنطن في المنطقة على الاطلاق». ويتذكر دولفر «ان بغداد عرضت المرونة في عدد من القضايا، بما فيها عروض للمساعدة في النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني». والاكثر من ذلك، خلال مناقشات غير رسمية، اشار مسؤولون عراقيون الى انه اذا ما توصل العراق الى علاقات امنية مع الولايات المتحدة، فربما تفكر في التخلص من برنامج أسلحة الدمار الشامل او طموحاتها في هذا المجال.
وحسب تقرير دولفر فانه قبل فترة قصيرة من قصف وغزو الولايات المتحدة للعراق العام الماضي، جمع صدام كبار جنرالاته ليبلغهم بأنباء مذهلة: الأسلحة التي تشن الولايات المتحدة الحرب من أجل ازالتها غير موجودة. ووفقا لمسؤول استخباراتي اميركي كبير فانه كان هناك الكثير من الدهشة عندما قال صدام: «يؤسفني أيها الرجال أن ابلغكم بأننا لا نمتلك أية أسلحة دمار شامل لاستخدامها ضد القوات الغازية». وتناقض التقارير الجديدة الكثير من المزاعم الأميركية السابقة حول العلاقات بين صدام وكبار مساعديه وكذلك الآراء الأميركية السابقة حول ما يقوم به صدام وكيف كان ينظر الى العالم الخارجي قبل الحرب على العراق. وفي وقت سابق، على سبيل المثال، كان كثير من العاملين في الاستخبارات الأميركية يعتقدون بان جنرالات صدام المتملقين ابعدوه عن الحالة الحقيقية لبرامج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، أي انهم كانوا يضللونه ويبلغونه بما كان يريد سماعه.
وبينما يمكن أن تلقي تقارير التحقيقات أضواء جديدة على دور صدام، فانها تطرح سؤالا: اذا كان صدام يعرف أنه لم تكن لديه مخزونات من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أو النووية، فلماذا قيد نشاطات الأمم المتحدة داخل العراق وانتهك قرارات مجلس الأمن وتحدى العالم منذ نهاية حرب الخليج عام 1991 حتى سقوط نظامه عام 2003 ؟
واعتمادا على التحقيقات يبدو أن صدام قد قلل من أهمية جدية موقف الولايات المتحدة من قضية اسلحة الدمار الشامل، وكان يعتقد انه أمر حيوي بالنسبة لبقائه ان يظن العالم الخارجي أنه ما يزال يمتلك الأسلحة المحظورة. وابلغ دولفر أعضاء مجلس الشيوخ ان «التهديد الايراني كان محسوسا جدا بالنسبة له، ولم يكن يريد ان تكون ايران متفوقة عليه، بل كان يريد ان يردعها. ولذلك اراد خلق الانطباع بأنه كان يمتلك أكثر مما هو في الواقع».
وربما ارتكب صدام الذي عرف باساءة التقدير أفدح اخطائه الاستراتيجية برفضه التصديق بأن الرئيس بوش سيستغل التهديدات لازاحته عن السلطة. ووفقا لما ورد في التقرير فان صدام ابلغ المحققين بأن هناك تجربتين اقنعتاه، على وجه التحديد وهما: ان امتلاك العراق أو تظاهره بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، يضمنان بقاءه.
* لوس انجليس تايمز و واشنطن بوست
غزة-دنيا الوطن
استبد القلق بالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين من احتمال ان ترصد الولايات المتحدة احدى مكالماته الهاتفية وتكشف مكانه، الى درجة انه لم يجر بعد عام 1990 سوى مكالمتين. ومع اقتراب حكمه من نهايته ازداد صدام عزلة وخوفا على حياته، واصبح يعتمد اكثر من اي وقت مضى على أفراد عشيرته في تكريت في حمايته.
ولكن حتى بعد ان شعر بأن القوة الأميركية تهدده، ظل صدام مولعا بالأفلام الاميركية والأدب الأميركي. ومن أحب الكتب اليه رواية «الشيخ والبحر» لأرنست همنغواي. وكان صدام يأمل في علاقات أفضل مع أميركا، وعلى مر السنين أرسل مقترحات عديدة عبر وسطاء لفتح حوار مع واشنطن.
هذه بعض اللمحات عن حياة الرئيس المخلوع، التي يكشف عنها تقرير رئيس مجموعة المفتشين في العراق تشارلز دولفر. واستمد دولفر هذه اللمحات من تفكير صدام وشخصيته ليس من استجواب العديد من مساعدي صدام السابقين بل من مقابلات مع الرئيس المخلوع نفسه. ويقول دولفر في تقريره ان مستجوبا واحدا تولى مقابلة صدام. ويقول التقرير ان الرئيس المخلوع لم يكن لديه اي حافز للتعاون سوى رغبته «في صياغة تركته». ويقول دولفر ان صدام يعتبر نفسه في مصاف قادة عراقيين كبار، مثل حمورابي ونبوخذ نصر وصلاح الدين الأيوبي.
ويؤكد تقرير دولفر الفكرة السائدة من ان صدام كان يتحكم في كل الأمور في العراق، ويتخذ القرارات الاستراتيجية. وكان يوزع المكافآت السخية على الموالين له وينزل العقاب السريع الصارم على غير الموالين، مستخدما الخوف والعنف لفرض خضوع الآخرين له. وكان يتسم بدرجة عالية من السرية في سلوكه بحيث يصعب على مساعديه معرفة ما يفكر به احيانا، فقد كان يفكر مليا في القرارات الخطيرة مثل غزو الكويت، ولكنه لا يتحدث في ذلك الا مع قلة من مستشاريه.
وقد نقل عن طارق عزيز نائب رئيس الوزراء السابق، تأكيده انه قبل غزو العام الماضي من جانب القوات الأميركية، كان القادة العسكريون يكذبون على صدام بشأن استعداد العراق، مما ادى به الى اساءة تقدير كبرى حول قدرة جيشه على ردع الهجوم. كما قلل مسؤولون عسكريون عراقيون سابقون آخرون من درجة استعدادهم القتالي ورغبتهم في خوض المعركة.
وتجدر الاشارة الى ان كلا من عزيز وسكرتير صدام حسين السابق عبد حمود، قالا للمحققين ان صدام كان يأمل في تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، طبقا لما ذكره دولفر. وكان حسين قد اختبر مرارا، في التسعينات رغبة واشنطن في فتح حوار.
وكشف دولفر انه في الفترة ما بين 1994 و1998 تلقى هو ورولف اكيوس وهو كبير مفتشي اسلحة سابق تابع للامم المتحدة «اتصالات متكررة من مسؤولين عراقيين كبار تحتوي على رسالة، هي ان بغداد تريد اجراء حوار مع الولايات المتحدة وان العراق في موقع لكي يصبح افضل صديق لواشنطن في المنطقة على الاطلاق». ويتذكر دولفر «ان بغداد عرضت المرونة في عدد من القضايا، بما فيها عروض للمساعدة في النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني». والاكثر من ذلك، خلال مناقشات غير رسمية، اشار مسؤولون عراقيون الى انه اذا ما توصل العراق الى علاقات امنية مع الولايات المتحدة، فربما تفكر في التخلص من برنامج أسلحة الدمار الشامل او طموحاتها في هذا المجال.
وحسب تقرير دولفر فانه قبل فترة قصيرة من قصف وغزو الولايات المتحدة للعراق العام الماضي، جمع صدام كبار جنرالاته ليبلغهم بأنباء مذهلة: الأسلحة التي تشن الولايات المتحدة الحرب من أجل ازالتها غير موجودة. ووفقا لمسؤول استخباراتي اميركي كبير فانه كان هناك الكثير من الدهشة عندما قال صدام: «يؤسفني أيها الرجال أن ابلغكم بأننا لا نمتلك أية أسلحة دمار شامل لاستخدامها ضد القوات الغازية». وتناقض التقارير الجديدة الكثير من المزاعم الأميركية السابقة حول العلاقات بين صدام وكبار مساعديه وكذلك الآراء الأميركية السابقة حول ما يقوم به صدام وكيف كان ينظر الى العالم الخارجي قبل الحرب على العراق. وفي وقت سابق، على سبيل المثال، كان كثير من العاملين في الاستخبارات الأميركية يعتقدون بان جنرالات صدام المتملقين ابعدوه عن الحالة الحقيقية لبرامج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، أي انهم كانوا يضللونه ويبلغونه بما كان يريد سماعه.
وبينما يمكن أن تلقي تقارير التحقيقات أضواء جديدة على دور صدام، فانها تطرح سؤالا: اذا كان صدام يعرف أنه لم تكن لديه مخزونات من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية أو النووية، فلماذا قيد نشاطات الأمم المتحدة داخل العراق وانتهك قرارات مجلس الأمن وتحدى العالم منذ نهاية حرب الخليج عام 1991 حتى سقوط نظامه عام 2003 ؟
واعتمادا على التحقيقات يبدو أن صدام قد قلل من أهمية جدية موقف الولايات المتحدة من قضية اسلحة الدمار الشامل، وكان يعتقد انه أمر حيوي بالنسبة لبقائه ان يظن العالم الخارجي أنه ما يزال يمتلك الأسلحة المحظورة. وابلغ دولفر أعضاء مجلس الشيوخ ان «التهديد الايراني كان محسوسا جدا بالنسبة له، ولم يكن يريد ان تكون ايران متفوقة عليه، بل كان يريد ان يردعها. ولذلك اراد خلق الانطباع بأنه كان يمتلك أكثر مما هو في الواقع».
وربما ارتكب صدام الذي عرف باساءة التقدير أفدح اخطائه الاستراتيجية برفضه التصديق بأن الرئيس بوش سيستغل التهديدات لازاحته عن السلطة. ووفقا لما ورد في التقرير فان صدام ابلغ المحققين بأن هناك تجربتين اقنعتاه، على وجه التحديد وهما: ان امتلاك العراق أو تظاهره بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، يضمنان بقاءه.
* لوس انجليس تايمز و واشنطن بوست

التعليقات