جنود بريطانيون: خصومنا هواة قتال وأفضل من فيهم متدرب على المنهج السوفياتي

جنود بريطانيون: خصومنا هواة قتال وأفضل من فيهم متدرب على المنهج السوفياتي

غزة-دنيا الوطن

تترك الحرب آثارها على كل الأطراف سواء كانوا بين الخاسرين الذين خضعت بلادهم للاحتلال أو في عداد الجنود الظافرين الآتين من بعيد لغزو دولة أجنبية. لكل معاناته وألمه وإن كانت الدرجة تتفاوت كثيراًُ أو قليلاً. وفي نهاية المطاف الجندي الأجنبي ليس صاحب القرار في شن الغزو، بل منفذ لهذا القرار لا يقوى على عصيانه. والمفارقة أن العسكري الأجنبي يشاطرنا احياناً شكوانا من الإعلام الغربي الذي دأبنا نحن العرب على الإشارة الى تحيزه وتحامله علينا. السارجنت البريطاني ديفيد بيرفيكيت، أحد ضحايا الحرب التي زجته منذ حوالي ستة اشهر في لجة العمارة، بعيداً عن زوجته وبناتهما الثلاث اللواتي يسكن في مقاطعة كنت بجنوب انجلترا. ففي المدينة العراقية الجنوبية خاض ابن الثانية والثلاثين معارك ضاريةً طوال 16 اسبوعاً فقد خلالها بعض رفاقه. وكأن هذا لم يكن كافياً، حتى جاءه في «كامب أبو ناجي» قبل أسابيع، مراسلان لصحيفتين بريطانيتين إحداهما شعبية واسعة الانتشار، دبجا تقارير عن معارك طاحنة بين جنود بلادهما وأنصار الزعيم الشيعي المتشدد مقتدى الصدر.

قال بيرفيكيت، الذي تعني كنيته بالانجليزية «الكامل الذي لا عيب فيه»، ويقسم ان هذا هو اسم عائلته الحقيقي، إن تقرير الصحيفة الشعبية كان مؤذياً. وأضاف «جعل المراسل المعركة تبدو وكأنها وقعت بالامس مع أن أسابيع عدة كانت قد مرت عليها». وزاد «بذلك تسبب لي بمشكلة مع زوجتي التي لم تعد تصدق ما أقوله لانني كنت قد أكدت لها قبل نشر التقرير أن الوضع كان هادئاً قبل ايام». وأشار في تذمر واضح الى انه «مضطر للتخفيف من حدة الوضع الصعب غالباً حين اتحدث مع زوجتي كي لا اقلقها هي وبناتنا الثلاث، لا سيما انهن لم يروني منذ 6 أشهر». لكن الصحافي الفهلوي طلع بتقريره الذي يفتقر للدقة فبات من الصعب على السارجنت ان يوحي لعائلته بأن الاحوال أفضل بكثير مما هي عليه في الحقيقة. واستفسرنا عن تواصله بالعائلة وكم مرة يهاتفهم لهم في الاسبوع، فقال: «هذا يعتمد على الحالة هنا، لكنني أسعى للاتصال بهم مرتين». وأضاف «الوزارة (الدفاع البريطانية) تمنحنا بطاقة مجانية لاجراء مكالمة لعشرين دقيقة اسبوعياً». ولمعت عيناه فجأة ببريق الفرح حين ذكر «لن احتاج إلى الهاتف في الاسبوعين القادمين، فأنا ذاهب غداً في اجازتي الاولى». وزاد «سأناقش مع العائلة موضوع ابنتي الوسطى، 17 عاماً، التي ترغب في الالتحاق بالقوات البرية، وأنا افضل لها الانتساب الى سلاح الجو الملكي، إلا اننا لم نحسم الامر بعد». وتابع «زوجتي اقترحت ان نقضي بضعة ايام في اسبانيا، واعتقد انها منهمكة حالياً في حجز تذاكر السفر وغيرها في اللحظة الاخيرة».

وما هو مدى شراسة المقاومة التي يواجهها في شوارع العمارة؟ قال بيرفيكت إن معظم خصومه «كانوا من الاولاد هواة القتال وليس من محترفيه». وأردف «إلا ان بعضهم قد خضع بالتأكيد للتدريب العسكري وفق المنهج السوفياتي». وأضاف «لو كنت أرفع برتبة لما اضطررت الى كل هذا ولكنت مسؤولاً عن العتاد واللوزام الأخرى كالبطانيات». وهل تحدث احياناً الى مؤيدي الصدر الذين تحافظ القوات البريطانية على اتصالات معهم مما ساهم في نزع فتيل مواجهة محتملة؟ أجاب بيرفيكت «لا أراهم الا في ميدان القتال». وأضاف «من يجرون الاتصالات بهم ضباط، أما أنا فرتبتي أقل بكثير من ان تخولني التحدث اليهم». وذكر انه التحق بالجيش قبل 16 عاما حارب خلالها في كوسوفو وايرلندا الشمالية. وأشار الى ان معظم أفراد كتيبته من الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 18 و22 سنة.

استوضحناه عما إذا كان مقتنعاً بأنه يقوم بعمل مشرف لجهة مساعدة العراقيين على الوقوف على اقدامهم، مما يجعل المهمة جديرة بالثمن الذي يدفعه في العمارة؟ رد السارجنت البريطاني بعفويته البالغة قائلاً إنه كان يظن ذلك قبل اشهر، لكنه لم يعد متأكداً من ذلك ولا يعرف ماذا يريده العراقيون. وأوضح «آمل أن ما افعله هو هنا يكون خدمة جيدة للعراقيين، لكن من الصعب التحقق حالياً من ان ما أقوم به يساعدهم». غير انه سرعان ما لفت الى دور وحدته في اعمال إعادة الإعمار وتوفير مياه الشرب وحماية المرافق النفطية.ومواجهة الموت والغربة لا تقتصر طبعاً على الجنود المتمركزين في العمارة، مع ان حصتها من اعمال العنف هي الأكبر على الأرجح بين مناطق الجنوب. في موقع بالبصرة زرناه مع الجنرال مايكل جاكسون، كان لانس كوربورال شون لوبسون بين الجنود الذي عرضوا عليه معدات تحمل آثار المعارك مع منفذي اعمال العنف. سألنا الشاب الذي تقطن عائلته ايضاً في جنوب انجلترا، عما إذا كان قد تحدث الى الجنرال سابقاً، فأجاب «نعم لقد رأيته في كوسوفو». ولما بدا علينا الاستغراب لأن سنه لا توحي بأنه شارك في تلك المعارك، ابتسم قائلاً «أنا في الثالثة والعشرين»، وكأن هذا عمراً كبيراً! وأوضح انه في البصرة منذ 4 اشهر لم يحصل فيها على اجازة، بيد ان كتيبته عائدة الى إلمانيا بعد أربعة أسابيع. وذكر أنه شارك في معارك حامية في أوائل أغسطس (آب) الماضي وسط البصرة «دامت إحداها 3 ساعات، وسعينا فيها بنجاح الى فك الحصار عن مجموعة من رفاقنا». والدته قلقة عليه بطبيعة الحال «لكنني لا انقل لها دائماً صورة الأوضاع كما هي، واتصل هاتفياً بانتظام، كما أوجه لها رسائل عبر البريد الالكتروني حين تسنح الفرصة».

التعليقات