وداعا لساعي البريد :رسائل الموبايل والانترنت حرمت جامعي الطوابع من هوايتهم

رسائل الموبايل والانترنت حرمت جامعي الطوابع من هوايتهم

عمان – دنيا الوطن - هشام عودة

هل نقول وداعا لساعي البريد .. وهل تشهد السنوات المقبلة الاستغناء عن وظيفة هذا الرجل , الذي حمل لنا فيما مضى , الاخبار الجميلة والسئية , على حد سواء . هذا الرجل الذي لا نعرفه , ومع ذلك فاننا نثق به , ونضع بين يديه اسرارنا واهاتنا وعذابتنا مرة واحدة , ونذهب بطواعية الى كتابة عبارة " شكرا لساعي البريد " على مغلفات رسائلنا , تقديرا لجهد ذلك الرجل الذي يعرف عناوين بيوتنا ومكاتبنا جيدا , وتعرفه الشوارع والحارات والازقة , بزيه المميز ودراجته المتواضعة , وحقيبته المليئة بالرسائل والاسرار القادمة من جهات الدنيا الاربع .

ساعي البريد ليس وحده من صار في نظر الاجيال الجديدة " دقة قديمة " او " موضة " تجاوزها الزمن , بل ان صناديق البريد التي حجزناها في هذه المنطقة او تلك , او هذه المدينة او تلك , تحولت هي الاخرى الى ما يشبه التراث , والى ما يتم التعامل معه في صفحات كتب التاريخ العتيقة .

ترى كيف ستكون ردة فعل شاب او فتاة , لو طلبنا منهما حجز صندوق بريد في اي مكتب من مكاتب البريد المنتشرة في ارجاء المدينة ؟ هل سيتقبلان الامر بسهولة .. وهل سيتحمسان لانجاز المهمة مثلما كان يتحمس اقرانهما قبل ربع قرن مثلا !

الانترنت وسيلة اتصال كسرت كل تقاليد الزمن الغابر , وصناديق البريد التي كنا نحجزها في مراكز البريد , تحولت اليوم الى مواقع على الانترنت , وصار الواحد منا يقرأ رسائله على الشاشة , وتحول البريد الالكتروني الى وسيلة اتصال مفضلة بين الاصدقاء والعشاق والاقارب ورجال الاعمال . تماما مثلما اختفت البرقيات والتكلسات , واصبح الجيل الجديد ينظر للمتعاملين مع هذه الوسائل ، نظرة الشفقة ، واعتبارهم يقفون خارج عتبة الزمن وخارج اللحظة التاريخية .

الشباب اليوم يستعملون نوعا ً جديدا ً من انواع الاتصال فيما بينهم ، وفرته لهم اجهزة الهواتف النقالة المتوفرة بينا ايدي الجميع وفي متناول كل الناس .

الرسائل القصيرة التي يتبادلهاالشباب عبر هواتفهم ، كسرت كل التقاليد المتبعة في مجال تبادل الرسائل ، فلم يعد الشاب او الفتاة معنيين بأختيار نوع الورق او شكله ، ولم يعودا مترددين في اختيار نوع الكلمات التي ستحمل اهاتهم وتعبر عن مشاعرهم ، حيث صارت اللهجةالدارجة هي وسيلة التخاطب بين الاصدقاء ، والعشاق على وجه التحديد ، الذين لم يعودوا خائفين على رسائلهم ان تقع بين يدي الاهل والعذال ، ولم تعد الفتاة مقهورة وحائرة , كما صورتها الافلام العربية القديمة ، وهي تطالب عشيقها الخائن بأعادة رسائلها، ولم تعد هذه الرسائل ايضا وسيلة ظغط بيد الشاب على حبيبته او على اهلها .

هي رسائل حررت الخائفين من خوفهم , ومنحتهم مزيدا من الطمأنينة وهم يعبرون فيها عن حريتهم وتحررهم في الوقت نفسه .

ومن وجهة نظر عدد كبير من الشباب الذين يتعاملون مع هذه الرسائل .. فأنها اقل كلفة في المال والجهد والوقت , فلم يعد احد مضطرا لتمزيق الرسالة عدة مرات واعادة كتابتها من جديد , وهو يبحث عن مفردة تليق بوصف حالته او التعبير عن مشاعره , ثم هي رسائل مضمونة الوصول الى من تعنيه , وسريعة في الوقت نفسه , ويمكن لها ان تجتاز الحدود بدون رقابة او تأخير او خوف عليها من الضياع . وان مرسلي هذا النوع من الرسائل ليسوا مضطرين لكتابة عبارة " شكرا ساعي البريد " بعد الان , فهذا الرجل قد فقد وظيفته نهائيا عند هذا النوع من العشاق الذين استثمروا وسائل التكنولوجيا للتعبير من خلالها عن مشاعرهم .

لكن الرافضين لمثل هذا النوع من الرسائل , وخاصة تلك التي يتبادلها العشاق يقولون ان هذا النوع من الرسائل لا روح فيه , انها رسائل تشبه البرقيات التي يمكن ان تتم قراءتها في اي مكان , بعكس تلك الرسائل التي يمكن ان تفرض على اصحابها اجواء خاصة , سواء في الكتابة او القراءة .

اجواء تتخللها الدموع والاهات والتنهدات وكل انواع الشجن , في الرسائل الهاتفية القصيرة تتوحد المشاعر بين الجميع , ولا يمكن ان تميزرسالة العاشق عن رسالة غيره , فقديما كانت رسائل العشاق عامرة بشعر الغزل والاغنيات العاطفية وغيرها من وسائل التعبير الذي لا تسطيع رسائل هذه الايام ان تحمله بين طياتها .

بعض الشباب المتعاملين مع وسائل الاتصال الحديثة ينحازون لها حتما , وهم يقولو ان باستطاعتهم ارسال الرسائل الى كل جهات الدنيا , وان تحمل هذه الرسائل ما يودون نشره او التعبير عنه في كل القضايا التي تهمهم , بدءا من بناء علاقات عاطفية واجتماعية مع الاخرين الى الحوار الثقافي والسياسي والعقائدي والاقتصادي وغير ذلك من انواع ووسائل الحوار بين الناس , وهذا ماوفرته لنا وسائل الاتصال الحديثة بين الناس , بفضل الكمبيوتر والانترنت والهواتف النقالة وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة , ويضيف هؤلاء ان الهاتف المرئي قد يكون وسيلة الاتصال القادمة بين الناس , لان رؤية تعبيرات الوجه , وقراءة ردة الفعل عند الشخص المقابل , هي حالة مهمة وضرورية من الناحية النفسية عند المتحاورين , وعليها يمكن بناء مواقف جديدة تسهم في تسيير خط واتجاه الحوار بين الناس .

المتحمسون لارسال واستقبال الرسائل عبر الانترنت والهواتف النقالة وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة , لا يخفون تعاطفهم مع شريحة من المواطنين تم تصنيفها فيما مضى . بهواة جمع الطوابع , فهؤلاء بدأوا يفتقدون وسيلة مهمة من وسائل اشباع هواياتهم , وصارت الطوابع التي تحملها الرسائل العادية , قليلة ونادرة التعامل , الا في حالات معدودة جدا , ولم يبق امام هؤلاء الهواة الا الاحتفاظ بما لديهم من طوابع , او مخاطبة مراكز البريد في العالم , ويمكن ان يتم ذلك عبر الانترنت , للحصول على الاصدارات الجديدة من الطوابع .

لكن وسائل الاتصال الحديثة , كما يراها المحافظون , ليست آمنة تماما , فيمكن ان تكتب رسالة الى شخص معين , ويستقبلها شخص اخر لا علاقة له بالموضوع , لمجرد حدوث خطأ صغير في رقم الهاتف او العنوان الالكتروني , تماما مثلما قد تكون انت عزيزي القارىء عرضة لاستلام رسالة لا تعنيك من شخص لا تعرفه .

التعليقات