من يقود القاعدة.. بن لادن والظواهري أم الهواة؟
من يقود القاعدة.. بن لادن والظواهري أم الهواة؟
غزة-دنيا الوطن
أكد خبراء في شئون الحركات الإسلامية لـ"العربية.نت" أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كانت آخر النشاط التنظيمي لأسامة بن لادن بوصفه زعيما لتنظيم القاعدة مؤكدين أنه برز منذ ذلك الوقت قيادات جديدة "أشد عنفا" من القيادات التاريخية وأقل تنظيما، وهي قيادات تميل إلى ردود الفعل المتعجلة والعمليات غير المدروسة.
ودعمت الآراء المتباينة للخبراء والدارسين والقريبين من الحركات الإسلامية المتطرفة حول حقيقة من يقود تنظيم القاعدة حاليا، حالة الحيرة التي كشف عنها استطلاع للرأي أجراه موقع "العربية.نت" بين قرائه حول هذه المسألة، حيث كشف عن أن 34.06% من زوار الموقع لا يؤمنون أن أسامة بن لادن يقود "القاعدة" حاليا وإنما "قادة لا علاقة بينهم"، ورجح 32.77% من الشريحة البالغة 2023 مستطلعا قيادة بن لادن للتنظيم، في حين قال 16.46% إنهم لا يمكنهم معرفة الجواب، وأظهر 16.77% من الزوار عدم مبالاتهم بمن يقود التنظيم الذي تسبب بتغييرات كبيرة في العالم بعد 11سبتمبر/أيلول 2001.
ورأى هؤلاء الخبراء أن النتائج المتباينة التي أفرزها الاستطلاع حول قيادة القاعدة أمر طبيعي لكون أسامة بن لادن يقود هذه المجموعات بوصفه "مرشدا روحيا" بعد أن نفذ آخر عملياته الكبيرة في واشنطن ونيويورك في 11سبتمبر/أيلول 2001 باشراف مباشر منه وما عاد بعدها يستطيع توجيه أتباعه بشكل مباشر إلا في حدود رسم السياسات العامة من خلال "أشرطة" يتم تسريبها بواسطة عناصر أفغانية وباكستانية على الأرجح.
وقالوا إن جيلا جديدا من القيادات "العنيفة جدا" أفرزته حربي أفغانستان والعراق يختلف عن جيل "شيوخ القاعدة" في ردود الفعل المتعجلة والعمليات السريعة والمحدودة بعكس العمليات التي كان يقودها بن لادن بنفسه واتسمت برسم استراتيجيات ووضعت أهدافا "كبيرة". وأضافوا أنهم لا يلاحظون بين الجيل الجديد وبين أسامة بن لادن وأيمن الظواهري رابطا تنظيميا مباشرا، غير أنهم أوضحوا أن هذا الجيل الجديد سيبث رعبا أكبر وسيعمد إلى عمليات كثيفة في داخل الدول العربية والإسلامية.
جيل جديد متمركز في أفغانستان والعراق
وقد أكد الدكتور هاني السباعي -وهو متطرف مصري لاجئ إلى لندن ويدير مركز المقريزي للدراسات الذي يهتم بنقل رسائل بعض هذه الجماعات ويدافع عن الإسلاميين- أن هناك احلالا وتجديدا حدث في قيادة القاعدة أسفر عن صعود جيل جديد بعد أن تعذرت حركة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري علاوة على فقد التنظيم عدد كبير من كوادره القيادية إما بالقتل أو الاعتقال. وأضاف السباعي لـ"العربية.نت" أن وجود القاعدة يتركز حاليا في أفغانستان والعراق، أما في بقية الدول فلا يتعدى وجودها دائرة التأثير المعنوي على مجموعات كبيرة من الشباب الذين تشحنهم "القاعدة" بزوادة روحية.
ورجح السباعي انقطاع الاتصالات تماما بين بن لادن وغالبية أشياعه، موضحا أنه يعتقد بوجود آلية اتصال خاصة من خلال "أشرطة الفيديو" يتوجه خلالها بن لادن والظواهري لأتباعهما بخطاب تحريضي روحي يرسم استراتيجيات القاعدة ويوضح الخطط والسياسات العامة للتنظيم بحيث تتكيف معها المجموعات والخلايا المرتبطة بالقاعدة المنتشرة في عدد كبيرة من البلدان.
وقال السباعي إن الأردني أبومصعب الزرقاوي على سبيل المثال والذي يشاع أنه يتزعم ذراع "القاعدة" في العراق كان على صلة مباشرة ببن لادن والظواهري ودعاهما لتأييد سياسته المنددة بشيعة العراق إذ يعتبرهم "خونة وعملاء"، وكان ينتظر منهما دعما معنويا ومباركة لهذا الاتجاه لكي يبايعهما، لكن الرجلين لم يصدر عنهما ما يؤيد اتجاه الزرقاوي لفتح جبهة ضد شيعة العراق.
الزرقاوي دعا بن لادن لتخوين شيعة العراق
وأوضح أن بن لادن والظواهري في هذا الخصوص لا يميلان في خطابهما للتعامل مع ما وصفه "بالقضايا الداخلية" كقضايا السنة والشيعة، مما جعل الزرقاوي يقود مجموعة تنتسب للقاعدة، لكنها بعيدة نسبيا عن أفكار "الشيوخ"، الأمر الذي يكشف وجود اتجاهات "مستقلة" لدى الجيل الجديد والقيادات الجديدة.
واتهم السباعي الولايات المتحدة بالترويج للقاعدة بطريقة غير مباشرة طوال الأعوام الثلاثة الماضية مما دفع لتكوين خلايا ومجموعات جديدة تحت لواءها إنما من دون "ارتباط عضوي" يجعلها تحت إمرة بن لادن المباشرة. وأشار إلى أن أسامة بن لادن كان رسم بنفسه لعمليات كبيرة اتسمت بالتخطيط الهاديء والبعد الاستراتيجي المتمثل في دقة الأهداف وضخامتها مثل عمليات دار السلام ونيروبي ثم عملية المدمرة "كول" وأخيرا عمليات 11سبتمبر/أيلول.
وبعكس العمليات التي أشرف عليها بن لادن –يقول السباعي-، تتسم العمليات التي تنفذ بإشراف جيل جديد من القيادات حاليا في عدد من البلدان حول العالم بنوع من التعجل وردود الفعل الوقتية على الأفعال الأمريكية والغربية، فضلا عن شناعتها وشراستها لكنها "أقل تأثيرا" من عمليات بن لادن. وأضاف أن هذا الجيل "أكثر توحشا" لأن قادته يرون ضرورة المعاملة بالمثل مع الولايات المتحدة، ويعتبرون "الذبح" مثلا رادعا قويا على الرغم من أنهم يستخدمون وسائل بسيطة كالسكاكين مثلا. وألقى السباعي باللائمة على الأمريكيين لكونهم "بعنفهم أوجدوا لهؤلاء مبررات".
ولاحظ في هذا الصدد أن الجيل الجديد لم يذهب في الغالب لأفغانستان ولم يلتق ببن لادن أو الظواهري، لكنه جيل مشحون بأفكارهما التحريضية، ومحب لبن لادن على وجه الخصوص وينطلق من مقولاته وخطاباته إضافة لاستناد هذا الجيل على النصوص الشرعية ذاتها التي يستند عليها بن لادن.
وقال السباعي إنه يلاحظ تحولا آخرا لدى الجيل الجديد يتمثل باستهدافه مصالح في الدول العربية والإسلامية علاوة على مهاجمته عربا ومسلمين في العراق والسعودية على سيبل المثال، موضحا أن بن لادن لم يقدم على نقل عملياته إلى الداخل، وهي نقطة تكشف عن فوارق في التفكير بينهم وبينه. وأفاد أنه يتوقع أن يتسبب الجيل الجديد في مشكلات أكبر من التي تسبب بها بن لادن نتيجة الانقطاع بين هذا الجيل ومرجعياته الأساس المتجسدة في بن لادن والظواهري.
القاعدة هيجت الرأي العام من خلال "التحريض الروحي"
ويعتقد محامي الجماعات الإسلامية في مصر منتصر الزيات أن نتائج استطلاع "العربية.نت" معبرة عن الواقع، مشيرا إلى أن تأثير تنظيم "القاعدة" أضحى متمثلا في تهييج الرأي العام وتحريكه ضد الولايات المتحدة. وقال الزيات –الملم بشخصية أيمن الظواهري الساعد الأيمن لزعيم القاعدة- لـ"العربية.نت" إن هذا الدور التحريضي للتنظيم أحدث امتدادات لفكرته وأنتج تنظيمات متوازية أو متقاطعة مما يفسر العمليات التي تلت 11سبتمبر/أيلول في عدد من الدول، لكن القاعدة كتنظيم لم تعد موجودة.
وأشار إلى أن القاعدة فقدت كل فرصها الحركية بعد سقوط نظام طالبان في أفغانستان لأنها افتقرت للأرض والحكومة الداعمة وسهولة تحريك الأموال، موضحا أن العناصر التي كانت لها قدرة على المناورة والحركة كرمزي بن الشيبة وخالد شيخ محمد تم اعتقالها. أما أسامة بن لادن وأيمن الظواهري –والحديث للزيات- فما عاد بإمكانهما الحركة أو الاتصال نظرا للظرف الأمني الضاغط.
وبخصوص الجيل الجديد من القيادات في القاعدة، قال الزيات إنهم متشابهون مع شيوخ القاعدة، إلا أن هناك اختلافات جذرية فالقاعدة –بحسبه- كان لها قضية أساسية وجهاز إعلامي يصوغ هذه القضية. وتابع أن المجموعات الجديدة ليست لها مثل هذه القضية، علاوة على أن العمليات تسودها عشوائية واضحة للعيان.
ورد السبب في هذه العشوائية للقدرات الفائقة التي يتمتع بها الظواهري في جانب التخطيط. وضرب مثلا أن الظواهري قاد بدهاء عمليات ناجحة ضد سفارتي واشنطن في دار السلام ونيروبي في أعقاب إعلان القاعدة حربها ضد الولايات المتحدة بعيدا عن سفاراتها التي تعززت حمايتها في العالم العربي. وعندما وضعت سفارات واشنطن في إفريقيا تحت حماية مشددة –يقول الزيات- خطط الظواهري لضربة كبرى في الولايات المتحدة نفسها.
الجيل الجديد.. هواة يفتقرون إلى الخبرة
ويجزم الزيات أن الجيل الجديد من القيادات الذي يصفه بـ"جيل الهواة" يتسم بالافتقار للخبرة وقلة الدراية بالتخطيط والتكتيك. ويرى كذلك أن تعاطي أسامة بن لادن على وجه الخصوص مع الاعلام كان ناضجا مما أكسبه حضورا مميزا على عكس الجيل الجديد الذي لم يحسن استخدام ما توفر له من آليات إعلامية، وحصر خطابه الاعلامي في الاعلان عن العمليات بشكل قاصر.
وأوضح أنه شخصيا تسنى له حضور تحقيقات كانت أجرتها السلطات المصرية مع 34 شابا (هم جماعة جند الله) كانوا يخططون قبل عام أو يزيد لتفجير السفارة الأمريكية في القاهرة، مضيفا أن هذه التحقيقات أسفرت أنهم ليسوا على ارتباط عضوي بالقاعدة إلا أنهم متأثرين بأفكارها.
وزاد أن هذا النمط قد يفسر إلى حد كبير العمليات التي ضربت إندونيسيا واليمن ومدريد والكويت، متابعا أن المجموعات التي كانت تعمل في السعودية واتخذت أسماء مختلفة مثل (كتائب الحرمين) لم تكن ذات تنظيم حركي واحد، وليس بينها ارتباط على الأرجح. وأشار إلى أن "القاعدة" نجحت في صناعة رأي عام ضاغط في الأمتين العربية والإسلامية يصوغ أفكارها ومواقفها الحركية الصدامية.
من ناحيته يرى الباحث السعودي في شؤون الحركات الإسلامية عبدالله بن بجاد العتيبي أنه لا جدال في أن بن لادن يتزعم التنظيم، لكنه أوضح لـ"العربية.نت" أن شكل القيادة وطبيعة التنظيم تؤشر في اتجاه ترجيح ما أكده 33% من المستطلعين أن "قادة لا علاقة بينهم" يقودون القاعدة. وفسر العتيبي رأيه أن هناك مجموعة خلايا لا رابط بينها تعمل في عدد من البلدان.
غير أنه رجح وجود علاقات على مستوى قيادات هذه المجموعات من ناحية، وبينهم وبين بن لادن من ناحية ثانية غير أن طبيعة هذه العلاقة الأخيرة "تظل غامضة". وقال إن التحقيقات بشأن أحداث سبتمبر/أيلول كشفت أن بن لادن كان قد نسق كل الخطوات.
أذرع تنظيمية مرتبطة على مستوى القيادات
وأشار العتيبي إلى أنه يعتقد بوجود إجراءات معقدة تحيط تنظيم الخلايا في كل بلد، مضيفا أن القيادات المحلية للقاعدة في كل بلد تم تدريبها سابقا على أن تتولى الأمور بنفسها. وبخصوص الصلة بين هؤلاء وبين بن لادن، أوضح أنه لا يعتقد أن الأشرطة التي يظهر من خلالها بن لادن أو الظواهري تحوي رسائل "مشفرة" للقيادات المحلية، بقدرما يبعث الرجلان عبرها توجيهاتهما العامة وأولوية التحركات في هذا النطاق أو ذاك.
وضرب مثلا أن خطف الصحفيين الفرنسيين في العراق بواسطة المجموعة التي يقودها أبومصعب الزرقاوي تم بعد حديث الظواهري عن الحجاب في فرنسا، لكونها كانت القضية الأهم في أولويات القاعدة في ذلك التوقيت. وتابع أن الزرقاوي مثلا كان على علاقة وثيقة بالقاعدة فيما مضى إلا أنه يقود تنظيما "شبه مستقل" حاليا بعكس عبدالعزيز المقرن الذي قاد التنظيم في السعودية وكان عضوا منظما في القاعدة وشارك سابقا في عملياتها في بلدان أخرى.
وقال العتيبي أن الفروق الأساسية بين بن لادن والظواهري وبين القيادات الجديدة التي أفرزتها أجواء العنف لتقود مجموعات عنفية جديدة تتجسد في إفتقار هؤلاء الشباب للوعي بالأولويات لذلك يتم تحديدها في الغالب بواسطة بن لادن والظواهري. وزاد أن التشدد البالغ الذي ينتظم هؤلاء الشباب لم يكن موجودا لدى شيوخهم، كما أنهم –أي الشباب- أقل خبرة في شؤون التنظيم السري والتجنيد والعمل العسكري واستقطاب الدعم المالي.
ولم يغفل كذلك عن الإشارة إلى أن الأهداف بذاتها اختلفت حيث توجه الشباب بطاقاتهم لمهاجمة أهداف أصغر وبتركيز أكبر على "معارضيهم ومخالفيهم في الرأي". وأشار في هذا الخصوص لاغتيال عضوين في هيئة علماء المسلمين في العراق، موضحا أن مثل هذه العمليات تؤكد اتجاها جديدا لتصفية الخصوم الفكريين إلى جانب تأكيدها أيضا على عجز هذه المجموعات عن الوصول لأهداف كبيرة.
وعلى عكس منتصر الزيات، يلاحظ العتيبي أن الجيل الجديد استفاد إلى حد كبير من الإعلام خصوصا في السعودية إذ طوعوه لصالح بياناتهم السريعة والتفصيلية. وأشار إلى أن خلية إعلامية كانت تقوم فيما مضى بتغطية عمليات التنظيم في السعودية بالصوت والصورة والمؤثرات إلا أن العمليات الأخيرة المتمثلة بقتل فرنسي وبريطاني لم تتم تغطيتها على تلك الشاكلة مما يعني يرجح فرضية ضربها من قبل الأجهزة الأمنية هناك.
غزة-دنيا الوطن
أكد خبراء في شئون الحركات الإسلامية لـ"العربية.نت" أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كانت آخر النشاط التنظيمي لأسامة بن لادن بوصفه زعيما لتنظيم القاعدة مؤكدين أنه برز منذ ذلك الوقت قيادات جديدة "أشد عنفا" من القيادات التاريخية وأقل تنظيما، وهي قيادات تميل إلى ردود الفعل المتعجلة والعمليات غير المدروسة.
ودعمت الآراء المتباينة للخبراء والدارسين والقريبين من الحركات الإسلامية المتطرفة حول حقيقة من يقود تنظيم القاعدة حاليا، حالة الحيرة التي كشف عنها استطلاع للرأي أجراه موقع "العربية.نت" بين قرائه حول هذه المسألة، حيث كشف عن أن 34.06% من زوار الموقع لا يؤمنون أن أسامة بن لادن يقود "القاعدة" حاليا وإنما "قادة لا علاقة بينهم"، ورجح 32.77% من الشريحة البالغة 2023 مستطلعا قيادة بن لادن للتنظيم، في حين قال 16.46% إنهم لا يمكنهم معرفة الجواب، وأظهر 16.77% من الزوار عدم مبالاتهم بمن يقود التنظيم الذي تسبب بتغييرات كبيرة في العالم بعد 11سبتمبر/أيلول 2001.
ورأى هؤلاء الخبراء أن النتائج المتباينة التي أفرزها الاستطلاع حول قيادة القاعدة أمر طبيعي لكون أسامة بن لادن يقود هذه المجموعات بوصفه "مرشدا روحيا" بعد أن نفذ آخر عملياته الكبيرة في واشنطن ونيويورك في 11سبتمبر/أيلول 2001 باشراف مباشر منه وما عاد بعدها يستطيع توجيه أتباعه بشكل مباشر إلا في حدود رسم السياسات العامة من خلال "أشرطة" يتم تسريبها بواسطة عناصر أفغانية وباكستانية على الأرجح.
وقالوا إن جيلا جديدا من القيادات "العنيفة جدا" أفرزته حربي أفغانستان والعراق يختلف عن جيل "شيوخ القاعدة" في ردود الفعل المتعجلة والعمليات السريعة والمحدودة بعكس العمليات التي كان يقودها بن لادن بنفسه واتسمت برسم استراتيجيات ووضعت أهدافا "كبيرة". وأضافوا أنهم لا يلاحظون بين الجيل الجديد وبين أسامة بن لادن وأيمن الظواهري رابطا تنظيميا مباشرا، غير أنهم أوضحوا أن هذا الجيل الجديد سيبث رعبا أكبر وسيعمد إلى عمليات كثيفة في داخل الدول العربية والإسلامية.
جيل جديد متمركز في أفغانستان والعراق
وقد أكد الدكتور هاني السباعي -وهو متطرف مصري لاجئ إلى لندن ويدير مركز المقريزي للدراسات الذي يهتم بنقل رسائل بعض هذه الجماعات ويدافع عن الإسلاميين- أن هناك احلالا وتجديدا حدث في قيادة القاعدة أسفر عن صعود جيل جديد بعد أن تعذرت حركة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري علاوة على فقد التنظيم عدد كبير من كوادره القيادية إما بالقتل أو الاعتقال. وأضاف السباعي لـ"العربية.نت" أن وجود القاعدة يتركز حاليا في أفغانستان والعراق، أما في بقية الدول فلا يتعدى وجودها دائرة التأثير المعنوي على مجموعات كبيرة من الشباب الذين تشحنهم "القاعدة" بزوادة روحية.
ورجح السباعي انقطاع الاتصالات تماما بين بن لادن وغالبية أشياعه، موضحا أنه يعتقد بوجود آلية اتصال خاصة من خلال "أشرطة الفيديو" يتوجه خلالها بن لادن والظواهري لأتباعهما بخطاب تحريضي روحي يرسم استراتيجيات القاعدة ويوضح الخطط والسياسات العامة للتنظيم بحيث تتكيف معها المجموعات والخلايا المرتبطة بالقاعدة المنتشرة في عدد كبيرة من البلدان.
وقال السباعي إن الأردني أبومصعب الزرقاوي على سبيل المثال والذي يشاع أنه يتزعم ذراع "القاعدة" في العراق كان على صلة مباشرة ببن لادن والظواهري ودعاهما لتأييد سياسته المنددة بشيعة العراق إذ يعتبرهم "خونة وعملاء"، وكان ينتظر منهما دعما معنويا ومباركة لهذا الاتجاه لكي يبايعهما، لكن الرجلين لم يصدر عنهما ما يؤيد اتجاه الزرقاوي لفتح جبهة ضد شيعة العراق.
الزرقاوي دعا بن لادن لتخوين شيعة العراق
وأوضح أن بن لادن والظواهري في هذا الخصوص لا يميلان في خطابهما للتعامل مع ما وصفه "بالقضايا الداخلية" كقضايا السنة والشيعة، مما جعل الزرقاوي يقود مجموعة تنتسب للقاعدة، لكنها بعيدة نسبيا عن أفكار "الشيوخ"، الأمر الذي يكشف وجود اتجاهات "مستقلة" لدى الجيل الجديد والقيادات الجديدة.
واتهم السباعي الولايات المتحدة بالترويج للقاعدة بطريقة غير مباشرة طوال الأعوام الثلاثة الماضية مما دفع لتكوين خلايا ومجموعات جديدة تحت لواءها إنما من دون "ارتباط عضوي" يجعلها تحت إمرة بن لادن المباشرة. وأشار إلى أن أسامة بن لادن كان رسم بنفسه لعمليات كبيرة اتسمت بالتخطيط الهاديء والبعد الاستراتيجي المتمثل في دقة الأهداف وضخامتها مثل عمليات دار السلام ونيروبي ثم عملية المدمرة "كول" وأخيرا عمليات 11سبتمبر/أيلول.
وبعكس العمليات التي أشرف عليها بن لادن –يقول السباعي-، تتسم العمليات التي تنفذ بإشراف جيل جديد من القيادات حاليا في عدد من البلدان حول العالم بنوع من التعجل وردود الفعل الوقتية على الأفعال الأمريكية والغربية، فضلا عن شناعتها وشراستها لكنها "أقل تأثيرا" من عمليات بن لادن. وأضاف أن هذا الجيل "أكثر توحشا" لأن قادته يرون ضرورة المعاملة بالمثل مع الولايات المتحدة، ويعتبرون "الذبح" مثلا رادعا قويا على الرغم من أنهم يستخدمون وسائل بسيطة كالسكاكين مثلا. وألقى السباعي باللائمة على الأمريكيين لكونهم "بعنفهم أوجدوا لهؤلاء مبررات".
ولاحظ في هذا الصدد أن الجيل الجديد لم يذهب في الغالب لأفغانستان ولم يلتق ببن لادن أو الظواهري، لكنه جيل مشحون بأفكارهما التحريضية، ومحب لبن لادن على وجه الخصوص وينطلق من مقولاته وخطاباته إضافة لاستناد هذا الجيل على النصوص الشرعية ذاتها التي يستند عليها بن لادن.
وقال السباعي إنه يلاحظ تحولا آخرا لدى الجيل الجديد يتمثل باستهدافه مصالح في الدول العربية والإسلامية علاوة على مهاجمته عربا ومسلمين في العراق والسعودية على سيبل المثال، موضحا أن بن لادن لم يقدم على نقل عملياته إلى الداخل، وهي نقطة تكشف عن فوارق في التفكير بينهم وبينه. وأفاد أنه يتوقع أن يتسبب الجيل الجديد في مشكلات أكبر من التي تسبب بها بن لادن نتيجة الانقطاع بين هذا الجيل ومرجعياته الأساس المتجسدة في بن لادن والظواهري.
القاعدة هيجت الرأي العام من خلال "التحريض الروحي"
ويعتقد محامي الجماعات الإسلامية في مصر منتصر الزيات أن نتائج استطلاع "العربية.نت" معبرة عن الواقع، مشيرا إلى أن تأثير تنظيم "القاعدة" أضحى متمثلا في تهييج الرأي العام وتحريكه ضد الولايات المتحدة. وقال الزيات –الملم بشخصية أيمن الظواهري الساعد الأيمن لزعيم القاعدة- لـ"العربية.نت" إن هذا الدور التحريضي للتنظيم أحدث امتدادات لفكرته وأنتج تنظيمات متوازية أو متقاطعة مما يفسر العمليات التي تلت 11سبتمبر/أيلول في عدد من الدول، لكن القاعدة كتنظيم لم تعد موجودة.
وأشار إلى أن القاعدة فقدت كل فرصها الحركية بعد سقوط نظام طالبان في أفغانستان لأنها افتقرت للأرض والحكومة الداعمة وسهولة تحريك الأموال، موضحا أن العناصر التي كانت لها قدرة على المناورة والحركة كرمزي بن الشيبة وخالد شيخ محمد تم اعتقالها. أما أسامة بن لادن وأيمن الظواهري –والحديث للزيات- فما عاد بإمكانهما الحركة أو الاتصال نظرا للظرف الأمني الضاغط.
وبخصوص الجيل الجديد من القيادات في القاعدة، قال الزيات إنهم متشابهون مع شيوخ القاعدة، إلا أن هناك اختلافات جذرية فالقاعدة –بحسبه- كان لها قضية أساسية وجهاز إعلامي يصوغ هذه القضية. وتابع أن المجموعات الجديدة ليست لها مثل هذه القضية، علاوة على أن العمليات تسودها عشوائية واضحة للعيان.
ورد السبب في هذه العشوائية للقدرات الفائقة التي يتمتع بها الظواهري في جانب التخطيط. وضرب مثلا أن الظواهري قاد بدهاء عمليات ناجحة ضد سفارتي واشنطن في دار السلام ونيروبي في أعقاب إعلان القاعدة حربها ضد الولايات المتحدة بعيدا عن سفاراتها التي تعززت حمايتها في العالم العربي. وعندما وضعت سفارات واشنطن في إفريقيا تحت حماية مشددة –يقول الزيات- خطط الظواهري لضربة كبرى في الولايات المتحدة نفسها.
الجيل الجديد.. هواة يفتقرون إلى الخبرة
ويجزم الزيات أن الجيل الجديد من القيادات الذي يصفه بـ"جيل الهواة" يتسم بالافتقار للخبرة وقلة الدراية بالتخطيط والتكتيك. ويرى كذلك أن تعاطي أسامة بن لادن على وجه الخصوص مع الاعلام كان ناضجا مما أكسبه حضورا مميزا على عكس الجيل الجديد الذي لم يحسن استخدام ما توفر له من آليات إعلامية، وحصر خطابه الاعلامي في الاعلان عن العمليات بشكل قاصر.
وأوضح أنه شخصيا تسنى له حضور تحقيقات كانت أجرتها السلطات المصرية مع 34 شابا (هم جماعة جند الله) كانوا يخططون قبل عام أو يزيد لتفجير السفارة الأمريكية في القاهرة، مضيفا أن هذه التحقيقات أسفرت أنهم ليسوا على ارتباط عضوي بالقاعدة إلا أنهم متأثرين بأفكارها.
وزاد أن هذا النمط قد يفسر إلى حد كبير العمليات التي ضربت إندونيسيا واليمن ومدريد والكويت، متابعا أن المجموعات التي كانت تعمل في السعودية واتخذت أسماء مختلفة مثل (كتائب الحرمين) لم تكن ذات تنظيم حركي واحد، وليس بينها ارتباط على الأرجح. وأشار إلى أن "القاعدة" نجحت في صناعة رأي عام ضاغط في الأمتين العربية والإسلامية يصوغ أفكارها ومواقفها الحركية الصدامية.
من ناحيته يرى الباحث السعودي في شؤون الحركات الإسلامية عبدالله بن بجاد العتيبي أنه لا جدال في أن بن لادن يتزعم التنظيم، لكنه أوضح لـ"العربية.نت" أن شكل القيادة وطبيعة التنظيم تؤشر في اتجاه ترجيح ما أكده 33% من المستطلعين أن "قادة لا علاقة بينهم" يقودون القاعدة. وفسر العتيبي رأيه أن هناك مجموعة خلايا لا رابط بينها تعمل في عدد من البلدان.
غير أنه رجح وجود علاقات على مستوى قيادات هذه المجموعات من ناحية، وبينهم وبين بن لادن من ناحية ثانية غير أن طبيعة هذه العلاقة الأخيرة "تظل غامضة". وقال إن التحقيقات بشأن أحداث سبتمبر/أيلول كشفت أن بن لادن كان قد نسق كل الخطوات.
أذرع تنظيمية مرتبطة على مستوى القيادات
وأشار العتيبي إلى أنه يعتقد بوجود إجراءات معقدة تحيط تنظيم الخلايا في كل بلد، مضيفا أن القيادات المحلية للقاعدة في كل بلد تم تدريبها سابقا على أن تتولى الأمور بنفسها. وبخصوص الصلة بين هؤلاء وبين بن لادن، أوضح أنه لا يعتقد أن الأشرطة التي يظهر من خلالها بن لادن أو الظواهري تحوي رسائل "مشفرة" للقيادات المحلية، بقدرما يبعث الرجلان عبرها توجيهاتهما العامة وأولوية التحركات في هذا النطاق أو ذاك.
وضرب مثلا أن خطف الصحفيين الفرنسيين في العراق بواسطة المجموعة التي يقودها أبومصعب الزرقاوي تم بعد حديث الظواهري عن الحجاب في فرنسا، لكونها كانت القضية الأهم في أولويات القاعدة في ذلك التوقيت. وتابع أن الزرقاوي مثلا كان على علاقة وثيقة بالقاعدة فيما مضى إلا أنه يقود تنظيما "شبه مستقل" حاليا بعكس عبدالعزيز المقرن الذي قاد التنظيم في السعودية وكان عضوا منظما في القاعدة وشارك سابقا في عملياتها في بلدان أخرى.
وقال العتيبي أن الفروق الأساسية بين بن لادن والظواهري وبين القيادات الجديدة التي أفرزتها أجواء العنف لتقود مجموعات عنفية جديدة تتجسد في إفتقار هؤلاء الشباب للوعي بالأولويات لذلك يتم تحديدها في الغالب بواسطة بن لادن والظواهري. وزاد أن التشدد البالغ الذي ينتظم هؤلاء الشباب لم يكن موجودا لدى شيوخهم، كما أنهم –أي الشباب- أقل خبرة في شؤون التنظيم السري والتجنيد والعمل العسكري واستقطاب الدعم المالي.
ولم يغفل كذلك عن الإشارة إلى أن الأهداف بذاتها اختلفت حيث توجه الشباب بطاقاتهم لمهاجمة أهداف أصغر وبتركيز أكبر على "معارضيهم ومخالفيهم في الرأي". وأشار في هذا الخصوص لاغتيال عضوين في هيئة علماء المسلمين في العراق، موضحا أن مثل هذه العمليات تؤكد اتجاها جديدا لتصفية الخصوم الفكريين إلى جانب تأكيدها أيضا على عجز هذه المجموعات عن الوصول لأهداف كبيرة.
وعلى عكس منتصر الزيات، يلاحظ العتيبي أن الجيل الجديد استفاد إلى حد كبير من الإعلام خصوصا في السعودية إذ طوعوه لصالح بياناتهم السريعة والتفصيلية. وأشار إلى أن خلية إعلامية كانت تقوم فيما مضى بتغطية عمليات التنظيم في السعودية بالصوت والصورة والمؤثرات إلا أن العمليات الأخيرة المتمثلة بقتل فرنسي وبريطاني لم تتم تغطيتها على تلك الشاكلة مما يعني يرجح فرضية ضربها من قبل الأجهزة الأمنية هناك.

التعليقات