من اسماء الله الحسنى ( الحميد )..محمود فرحات
الحميد - جل جلاله -
الشاكر - جل جلاله - الشكور - جل جلاله -
هو من اتصف بكل صفات الحمد والشكر بحيث لايوجد على الإطلاق من يتصف بشىء من صفات الحمد الا هو 0 (" لهُ الملكُ وله الحمدُ وهو على كلًِ شىءٍ قديرٍ ") الثغابن .فالمحمود هو تعالى , والحميد من وهب الحامدين الحمدَ له - تعالى -
معنى إسمه تعالى الشاكر والشكور
يقول الخالق (" ومن تطوعَ خيراً فإنَّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ ") فالشاكر هو من أسماء الله الحسني , ولقد اقترن بإسم العليم اعلاماً لنا بأن اللهَ عليمٌ بالشاكرين. والشاكر هو من يجزي الإحسان بإحسان أكبـر. (" وسيجزي اللهُ الشاكرين ") ("أليسَ اللهُ بـأعلمَ بالشاكرين ") 35 الأنعام . (" إنَّ في ذلك لآياتٍ لكلِّ صَبَّارٍ شكورٍ ") 5 ابراهيم . (" ليوفيهم أجورَهم ويزيدَهم من فضله إنه غفورٌ شكور ")32 الشورى . فهو يغفر عن النقص في العمل ثم يجازي عليه وهذه هي صفة الشاكر ثم يزيد عليه من فضلـه وهـي صفـة الشَـكور ,
والشاكر والشكور هما إسمان حقيقيان لله تعالي (" فللهِ الأسماءُ الحسنى فادعوه بها")
يقول أبو حامد الغزالي في المقصد الأسنى ,,, الشكور : هو الذي يجازي بيسير الطاعات كثير الدرجات , ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعيماً في الآخرة غير محدود , ومن جارى الحسنة بأضعافها يُقالُ له إنه شكر تلك الحسنة , ومن أثنى على المحسن يُقال أنه شـكر , فـإن نظرت إلى معنى الزيادة في المُجازاة لم يكن الشكور المُطلق إلا الله - عز وجل - ,,,
معني الحمد وعلاقته بالتسبيح
قبل أن نجيب على هذا السؤال سنحاول أن نورد نماذج من الآيات نتأملها عسى اللهُ - تعالى - أن يُفَهِمنا إياها
1- آيات الحمد :
(" الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ") الفاتحة . وهو قولُ اللهِ الحميد حامداً نفسه بنفسه, وهي أول آية في سورة الفاتحة وبها الكون افتتح , وهو - تعالى - المحمود في ذاته وصفاته قبل أن يخلق الخلق وبعدَ الخلق فالحمد صفة للذات والصفات بدون وجود للخلق , أما وجود الخلق فهو دلالة الحمد لله رب العالمين , أما التسبيح يكون مع وجود شُبهة النقص فهو ضروري في حق الناقص , أما الخالق فهو يعلم أزلا بأن ليس كمثله شىء . (" وقُضيَ بينهم بالحقِ وقيلَ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ") الزمر . (" دَعوَاهم فيهـا سُـبحانك اللهـم وتحيتهم فيها سلامٌ وآخر دَعوَاهم أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ") 10 يونس . فإذا ما تأملنا جميع آيات الحمد وجدنا بأن هناك حمداً مباشرا من الله لنفسه وصفاته وفعله لأن شرط الحمد الإحاطة بصفات المحمود والمخلوقات لاتحيط بالخالق ولا يعلـم اللـه الا اللـه فلم يحمد الله الا الله بالحقيقة , أو أن الله تعالى يأمرنا بقول الحمد لله رب العالمين (" فقل الحمدُ للهِ الذى نجانا من القومِ الظالمين ")28 المؤمنون . (" الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدهِ الكتابَ ولم يجعل له عِوَجا ") 1 الكهف . (" قل الحمدُ للـهِ بـل أكثرُهم لايعقلون ")63العنكبوت . (" قل الحمدُ للهِ بل أكثرُهم لايعلمون ") 52 لقمان. فالحمدُ كُلُّه لله تعالى , وقولنا الحمد لله رب العالمين هو اقرار بأنَّ الحمدَ كلَّه لله رب العالمين . .فهذه اشارة الى مدح الأفعال
2- آيات التسبيح
وتأتي بعدة أنماط منها
أ - سَبَّحَ لله ِ
: وقد جاءت بثلات أيات وهي (" سَبَّحَ للهِ ما في السماوات والأرض ِ وهو العزيز الحكيم ") الحديد :1 ,, الصف: 1 ,, الحشر: 1 ,, وبنفس الصيغة الحرفية , والغريب أنه يفصل بين كل سورة وأخرى من لسور الثلاث سورة واحدة فقط . وأن كل آيـة هي أول آية في كل سورة . فالتسبيح هنا هو وصف لكل موجود , وكل موجود يشهد بوجوده على كمال نقصة وحاجته الى الخالق في وجوده , وهذه الشهادة هي تسبيحه وهي بالخلقة والصورة وبالكلام لمن أنطقه الله تعالى "الذى أنطق كلًَ شىءٍ " .
ب - صيغة " تُسبِّحُ"
جاءت في سورة واحده فقط هي ("تُسبِّحُ له السماوات والأرض ومن فيهن ") الإسراء : 44 .
ج - صيغة " يُسبًحُ " :
("ويسبحُ الرعدُ بحمده ") الرعد 13 . (" يسبحُ له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ") الحشر 24 .وهي صيغة وصف دائم للمُسبحين , وهو تعالى العزيز الذى ليس كمثله شىء وهو حكيم بإظهار عزته التي أوجـبت ظهـور وحدانيتـه بيـن خلقه فسَبَّحت الكائناتُ بحمده اعترافاً بعجزها عن إدراك الكمال الإلهي المطلق الذي تسبب في استحالة إدراك حقيقة الحمد لله ولا يدرك هذه الحقيقة إلا الله, ولم يكن حظ المخلوقات إلا العجز عن الإدراك , وهذا العجز هو حقيقة ألذات المحدودة الصفات , فهو تعـالى كمـا أثنى على نفسه , فتسبيح الحمد هو تنزيه الخالق عن أن تحيط به العقول إدراكا لذاته وصفاته وأفعاله وحقيقة حمده لنفسه , لأن شرط الحمد هو إدراك صفات المحمود
د - صيغة "يُسبِّحون "
وهي صيغة استخدمت فقط مع تسبيح الملائكة (" يُسبحون بحمد ربهم ") ثلاث مرات في سورة الزمر75 , غافر7 , الشورى 5 . وفي آية أخرى بلفظ يسبحون له (" فالذين عند ربك يُسبحون له بالليل والنهار ") 38 فصلـت .
.وهناك صيغة أخرى وهي (" يُسبحون الليل والنهار لا يفترون ")الأنبياء 79 . فكلمة يُسبحون هي وصف دائم والوصف الدائم لا يكون إلا لذاكر غير غافل عن الله - تعالى - والملائكة هذه صفتها فهي لا تأكل ولا تنام (" إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسـجدون ") 206
الأعراف . فصيغة يُسبِّحون وهي فعل جماعي جاءت فقط لوصف تسبيح الملائكة (" وإنا لنحنُ المُسبحون ") وتسبيح الملائكة هو التسبيح بالحمد على الحقيقة والكمال بالنسبة لعالم المخلوقات فهم المُسبحون حقاً ولذلك خُلقوا .فالتسبيح بـالحمد لا يكـون إلا لمـن لا يـرى إلا الله - تعالى - إيماناً وشهوداً دائماً , وهو لا يرى المخلوقات ولا يتعامل معها بنفسه بل من خلال شهوده للحق لأن الخلق هو فعل الحق .
ه - صيغة " سَبِّح ْ :
وهي صيغة أمر ولم تأتي إلا للمُكَلف الغافل , أما الملائكة فلا تشملها صيغة الأمر بالتسبيح لأنها في تسبيح دائم وهكذا خُلقت مُسبحَة (" وسَبِّح بالعشي والأبكار ")41 آل عمـران .(" فسـبح باسـم ربـك العظيـم ") 74 الواقعة . (" ومن الليل فسبحهُ وأدبار النجوم ")ق : 40 . (" وسبحوه بكرة وعشياً ") الأحزاب 42 ") .فهي صيغة أمر لمن ينسى , والإنسان أكثر من ينسى , بل هو في نسيانٍ دائم لله خالقه , والتسبيح بالاسم غير التسبيح بالحمد لأن التسبيح بالحمد هو لمن يشهد بـالقلب , والتسـبيح بالاسم لمـن ينسى فهو يردد سبحان ربي العظيم , عسى الله أن يُكرمه فينزه سره عن ملاحظة غير خالقه وحينها يكون في مقام التسبيح بالحمد ومقام التسبيح بالحمد يشمل كل مقامات التسبيح السابقة ,
و - صيغة " سُبحانَ " : وهس مثل كلمة الحمد لله , فإما أن يقولها القدوس - تعالى - أو يقول لنا قل (" سُبحانَ الذى اسرى بعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرام إلي المسجد الأقصا ") (" قل سُبحانَ ربي هل كنتُ إلا بشراً رسولاً ") 93 الأسراء
فسُبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ عما يصفون ") 22 الأنبياء . (" وسُبحانَ اللهِ عمَّايصفون ") المؤمنون : 91 . (" فسُبحانَ اللهِ حينَ تُمسون وحينَ تُصبحون ")الروم : 17 . وتشير الآية إلى المساء لتذكر الأنسان بأهم عناصر النقص فيه وهو النوم , ويُنزه الخالق نفسه عن مواصفات النوم , فخلق اللـه الخلقَ شاهداً على كماله في ذاته وصفاته وفعله , فكان الخلقُ مَظهراً لحقيقة"سُبحان اللهِ " فالموجودات تَظهرُ الى الوجود مظهرة كمال الخالق , فالتسبيح هو فعل المخلوق بأمر الخالق تكويناً وتشريعاً وإقراراً من العبد بعبوديته للرب , أما كلمة " سبحان الله" فهى وصف لله تكلم به الله - تعالى - ولا يعلم حقيقته إلا الله - تعالى - وهو من موجبات الحمد لله الذى حمد اللهُ به نفسه فهو وحده الذى يعلم سر وحدانيتة وسر بقائة وهو فقط يعلم سر الأول والآخر , وسر الظاهر والباطن , فهو الذى يستحيل على العقول والأرواح أن تحـيط به علماً (" سُبحان الله الذى خلق الأزواجَ كلَها مما تنبت الأرضُ,,, ") 36 يس . فهو خلق الأزواج والتزاوج وأعلمنا بأنه لايشبه خلقه , فصيغة سبحان الله يرددها الإنسان أمراً من الله, أما الإنسان فلا يستطيع أن يحيط بمعناها فهو عاجز عن التسبيح بحقيقتها وهي الإقرار بالعجر عن معرفة حقيقة الحمد
ز - صيغة " سُبحانَكَ "
وهي صادرة من العبد خطاباً للسيد المُطلق , وهي في حال الإدراك من الإنسان لربه ولنفسه, أو ما يُسمى عند القوم " بمقام التفريق " فهو يدرك نفسه وربه ,فالعبد يُدرك حقيقة نقصه ويُقر بقدرة خالقه عليه فهـذا حظـه في هذا المقام . (" قالواسُبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ") 32البقرة . وهذا القول صادر من الملائكة في حال شعورها بالنقص العظيم أمام العليم - تبارك وتعالى - , (" ربنا ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك فقناعذاب النار ") 191 أل عمران . فالتسبيح هو نفي الباطل عن فعل الله في الكون (" قال سُبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس بحق ") 611 المائدة . (" فلما أفاق قال سُبحانك تُبت إليك وأنا أول المؤمنين ") 341 الأعراف . (" فنادى في الظلمات أن لاإله إلا أنت سُبحانك إني كنتُ من الظالمين ") 87 الأنبياء (" فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يُبعثون ") 143: الصفات . (" قالوا سُبحانك أنت ولينا من دونهم ")41سبا.
ح - صيغة " سُبحانهُ"
وهي صيغة تكلم بها اللهُ فقط (" سُبحانهُ أن يكون لهُ ولد ") النساء : 171 . وهي التعبير عن الحق المُطلق الذى يدل على الوحدانية المطلقة لله الواحد القهار , ولقد جائت بصيغة الغياب ولو جائت بصيغة المتكلم " سـبحاني " لمـا تحـمل الكون صيغة الخطاب المباشر ولتهدمت السماوات والأرض , وهذا يُدل على أن كلًِ حرف في القرآن له أسراره وتجلياته (" وقالوا اتخذَ اللهُ ولداً * لقد جِئتم شيئاً إداً * تكادُ السماواتُ يَتَفطرنَّ منهُ وتنشقَ الأرضُ وتخرُّ الجبالُ هداً * أن دَعَوا للرحمنِ ولدا") مريم . فلولا تجليات إسم الرحمن على الكون لُدكت السماوات والأرض , ومن الآيات قوله - تعالى - (" لاإله إلا هو سُبحانهُ عما يُشركون ") 31 التوبة .
ي - صيغة التسبيح بالحمد
ومنها قوله - تعالى (" إن من شىءٍ إلا يُسبحُ بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم ") 44 الإسراء (" فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كات تواباً ") (" فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ") 98 الحجر .(" ونحن نُسبحُ بحـمدك ونقـدس لك ") البقرة 30 . فنلاحظ أن التسبيح بالحمد هو صفة للملائكة أما الأمر بالتسبيح بالحمد فهو امر مباشر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ومع صدور الأمر له بالتسبيح يرتفع مقامه مباشره إلى المقام الموازي للخطاب حتي تعدي كل الكائنات والمقامات على الإطلاق بقولـه "" لا أُثني ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ""
آيات الذكر
لم يوصف بالذكر إلا المُكلف القاصر أما التسبيح بالحمد فهو يختلف عن الذكر فهو للمخلوق الحاضر قلبهُ الغير غافل عن ربه طبيعة وفعلاً وسلوكاً وهذه صفة الملائكة والأنبياء , ولما كانت الأنبياء بشراً مكلفين قيل لهم " فسبح بحمد ربك " يقول المولى (" كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ")المدثر : 55. فالذكر هو مضادات النسيان للنعمة والمنعم ("اذكروني أذكركم ") ,,,فان نسيتموني نسيتكم قطعا ,,, (" الذين يذكرون اللهَ قياما وقعوداً وعلى جنوبهم ") 191 آل عمران فسمى الصلاة ذكراً لأنه وسيلة تذكر الإنسان باللـه فتجعلـة فـي حالـة
حضور وشهود للمعبود .(" واذكر ربك كثيراً ")41 :أل عمران . (" واذكر ربك إذا نسيت ") 24الكهف (" يابني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمتُ عليكم ") 221 البقرة .(" يا أيها الناسُ اذكروا نعمة الله عليكم ") 3 فاطر .(" فذكر بالقرآن من يخـافُ وعيـد ") (" ذلـك نتلـوه عليـك مـن الآيات والذكر الحكيم ") 58 آل عمران .(" ألا بذكر الله تطمئنُ القلوب ") 28 الرعد .(" إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ")45العنكبوت . فالصلاة لم تنه عن الفحشاء والمنكر بذاتها بل لأنها وسيلة تذكير بـالمعبود , والتذكـر يـؤدي إلـى الخشـية فتنتهي الأرواح والجوارح عن معصية خالقها , أما استمرار حالة الخوف والشهود لعظمة الله في الصلاة وغير الصلاة فهى حالة الذكر الدائم والشهود للمعبود وهي أكبر من الوسائل المُحدِثة لحالة الشهود , فالصلاة والصيام وقرائة القرآن والذكر اللساني الذي هو عبـارة عـن ترديد عبارات دالة على عظمة الله كقولنا سبحان الله والحمد لله ولاإله إلا الله والله أكبر فهي ألفاظ تنقلك إلى التيبيح بالقلب ثم الحضور الروحي الدائم فهي وسائل تُنقل العبد الى حضرة شهود الرب وهذه الحضرة هي حضرة الذكر الأكبر وهي الغاية بـلا خـلاف . (" إن هو إلا ذكر للعالمين ")87 ص . (" ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ") 36 الرخرف . (" استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله ") 19 المجادلة . (" فالتاليات ذكراً إن الهكم لواحد ")3 الصافات . وهي الملائكة تتنرل على الرسل بالذكر (" قدأنزلَ
اللهُ اليكم ذكراً ") 10 الطلاق . (" فالمُلقيات ذكراً عذرا أو نذراً ") 5 المرسلات . (" إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ") . فالذكر صفة انسانية لإن الإنسان ينسى * والذكر هو الوسائل التى توصل العبد الى درجـات "اُعبـد اللـه كـأنك تـراه" , وهـي حالـة الحـضور والشهود فُسميت الوسيلة ذكرا لأنها تجعل العبد يتدكر الله - تعالى - فيخشاه , * ولقد لاحظنا بوضوح الفرق بين الذكر والتسبيح , فالتسبيح بالحمد هو حالة حضور , والذكر هو وسيلة عبور الى الحضور ولأجل ذلك لاتوصف الملائكـة بأنهـا تذكـر بـل تُسـبح وهـذه حقيقـة يجـب ملاحطتها بدقة ,
آيات الشكر
فالشكر لم توصف به الملائكة لأن من شرطةوجود العلم والإرادة والقدرة والتكليف وهذه لم تُعط إلا للإنسان , فلذلك فهو فعل إنساني صفته الأستجابة لقول الحق - تعالى - بالطاعة .والإعتراف بالنعمة الإلهية على الإنسان يقول الحميد في كتابه المجيد (" ومن شكرَ فإنما يشكرُ لنفسه ")40 النمل (" ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ") 185 البقرة . (" كذلك يُبين اللهُ لكم آياته لعلكم تشكرون ") 89 المائدة . (" وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ") 78 النحـل (" ولكن أكثر الناس لا يشكرون ") 38 يوسف. (" واشكروا لي ولا تكفرون ")251 البقرة.
فالشكر إقرار بالنعمة وهو عمل قلبي ينتج عنه عمل مادي وهو التزام طاعة المُنعم وشكره بالقلب واللسان , والإنسان هو الذي حظيَ بالنعمة الكبري نعمة أفضلية في مرتبة الخَلق , ونعمة تسخير مافي السماوات وما في الأرض للإنسان , والنعمة الكبرى وهـى نعمـة الكمـال العقلي والروحي , فالشكر هو تكليف إلهي للإنسان فلذلك لم تؤمر الملائكة به وإن كانت شاكرة لله بتسبيحها بالحمد لله.
الخلاصة
تبين لنا من خلال تأملنا للأيات السابقة عدة حقائق منها :
1- الذكر صفة المخلوق الذي نسى العهد الأول , فمنَّ اللهُ علية بوسائل تعيده لتذكر ذلك العهد(" وإد أخذَ ربُّكَ من بني آدمَ من ظهورهم ذُريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هـذا غـافلين ")271 الأعـراف. ("
ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان ")06 يس . فالإنسان نسيَ العهد الأول فأنزل الله الذكر لكي يُعيده الى حالته الأولى لأن النسيان موت والذكر حياة .
2- الحمد هو :صفة دائمة للرب , فهو ثناء الرب على نفسه حسب علمه بذاته وصفاته وفعله وليس للعبد من فهم الحمد إلا مقام الشكر , أما قولنا الحمد لله فهو اقرار منا بأمر إلهى لنا بأن الله هو الذي يتصف بصفات الكمال فهو المحمود لذاته قطعاً .
3- وشرط الحمد هو إدراك صفات المحمود والمخلوقات عاجزة عن ذلك فهى لاتدرك حقيقة الحمد
4- التسبيح بالحمد لا يكون الا لمن كان في حالة الشهود لأنه لايرى إلا الله وهذا مطابق للحقيقة الوجودية وحالة الشهود تشمل المخلوق الواعي كالملائكة وحالة الموجود اللاواعي لأنه يشهد بوجوده على الوجود الدائم فهو يُسبح بحمد الله بشهادة وجودة وظهور نور كمال التجليات فيه فكل ذرة تشهد على كمال الخالق وهذه الشهادة هي شهادة الحمد, أما شهادتها على نفسها بالنقص فهي شهادة التسبيح فهى تسبح بحمد ربها , وحالتها تشهد بأن الحمد سابق على التسبيح لأن التسبيح نوع من الثناء ولكنه جاء بصيغة النفي , والإثبات هو الأسـاس لأن المنفي كان منفياً قبل الخلق وبعد الخلق , وهذا هو التفسير المنطقي لمن قال بأن لاإله إلا الله تحتوى على الحمد والتسبيح لكونها تُنفي وتثبت ,,, فـمن كان في مقام شهود نفسه فهو يرى النفي سابقاً على الإثبات فيقول بأن التسبيح هو السابق على الحمد ومـن كـان فـي مقام شهود ربه وهو المقام الحق لأنه مطابق للحقيقة الوجودية فهو لم ير إلا الله الحميد المجيد فيعلم أن الحمد سابق على التسبيح فهو لم يرَ المنفي ورأى الباقي ومن كان في مقام الكمال فلم ير إلا الله ولم يشهد نفسـه إلا مـن خـلال قـدرة اللـه فهـو يـدرك الحـمد والتسبيح ويعلم بأن التسبيح نوع من الثناء فهو جزء من الثناء على الله مصاحب لحالة رؤية العبد لنفسه في مقام التكليف الإلهي لذلك العبد ,
مقام الحمد والحب الألهي
من علم يقيناً أن الكمال والجمال هو للبديع الباقي ولم ير في الوجود غيره أدرك بأنه لايستحق الثناء إلا الله , والثناء الحقيقي لايصدر الا من محب , فيحب العبد مولاة لذاته وصفاته وكلما أنعم عليه الحبيب بنعمة إرداد حباً لمولاه وبالتالى إزداد ثنـاءً عـلى
حبيبة وكلما زاد ت النعمة زاد الحب والثناء حتى وصل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مقام العجر عن الثناء لإستحالة إدراك الذات والصفات على إطلاقها , فيكون العبد مصحوبا بنور الحميد لأن الشاكر واعٍ غير غافل ويكون حبه واعيـاً لأنـه مصحـوب بنـور الحـميد ,فنـور
الحميد يحمي الحبيب لنوره .
التقديم والتأخير في اقتران إسم الحميد بالأسماء الأخرى
1- الغني الحميد
يقول - تعالى - (" لهُ ما في السماوات والأرض وإنَّ اللهَ لهو الغني الحميد ")64 الحج") ,, (" للهِ ما في السماوات والأرض إنَّ اللهَ هو الغني الحميد ") 26 للقمان . (" وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فـإن اللـهَ لغنـي حـميد ") 8
ابراهيم . فجاء تقديم إسم الغني منسجماً سياق الآيات لأن مالك كل شىغير محتاج لشىء فهو الغني بالحقيقة , وذكر الحميد بعد الغني هو إشارة لأن مالك كلِّ شىء غني عن حمد المخلوقين المملوكين له جميعاً , فالحميد غني عن حمد الحامدين .
2- - العزير الحميد
يقول الرحمن (" لتخرجَ الناسَ من الظلمات الى النور بإذن ربهم الى طراط العزيز الحميد ") 1 إبراهيم .(" ويهدي الى صراط العزير الحميد ") 6 سبأ .فالغني يكون عزيزياً غير مهتم لقناعة المخلوقين به وهو يهديهم الى صراطه رحمة بهم لاعن حاجـة لـه
بهم فهو غني عن حمدهم فالعزة من موجبات الحمد والغِنى من موجبات الحمد
3- - الحميد المجيد :
يقول الرحمن (" رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ") 73 هود . وجاء تقديم إسم الحميد على إسم المجيد إنسجاما مع حقيقة الإنعام على آل ابراهيم - عليه الصلاة والسلام - فالمجيد هو المحمود المتصف بصفات العزة والعطمة .
4- الحكيم الحميد :
(" لايأتيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنريل من حكيم حميد ") 42 فصلت . فتقديم الحكيم جاء منسجماً مع حقيقة التحدي القرآني للبشر بأن يأتوا مثله فجاء الحفظ تحدياً على مر العصور , فالحكيم محمود عـلى حكمتـه فجـاء التقـديم منسـجماً مـع
الحقيقة في الآية
5- الولى الحميد :
(" وهو الذى يُنزلُ الغيث َ من بعد ما قنطوا وينشرُ رحمتهُ وهو الولى الحميد ") 28 الشورى . فالعناية الألهية بعباده هي التولى لهم فجاء التفديم مناسباً لحقيقة التولى وجاء ذكر الحميد لأن النعمة هي من الله وهو وحده الذى يُحمد على النعمة
, وكلُّ نعمةٍ هى منه ,فهو الحميد حقاً .
من كتاب اسماء الله الحسنى
الأسير الفلسطيني المحرر محمود فرحات
تم تأليف الكتاب عام 1987 ولم ينشر بعد حتى الان
الشاكر - جل جلاله - الشكور - جل جلاله -
هو من اتصف بكل صفات الحمد والشكر بحيث لايوجد على الإطلاق من يتصف بشىء من صفات الحمد الا هو 0 (" لهُ الملكُ وله الحمدُ وهو على كلًِ شىءٍ قديرٍ ") الثغابن .فالمحمود هو تعالى , والحميد من وهب الحامدين الحمدَ له - تعالى -
معنى إسمه تعالى الشاكر والشكور
يقول الخالق (" ومن تطوعَ خيراً فإنَّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ ") فالشاكر هو من أسماء الله الحسني , ولقد اقترن بإسم العليم اعلاماً لنا بأن اللهَ عليمٌ بالشاكرين. والشاكر هو من يجزي الإحسان بإحسان أكبـر. (" وسيجزي اللهُ الشاكرين ") ("أليسَ اللهُ بـأعلمَ بالشاكرين ") 35 الأنعام . (" إنَّ في ذلك لآياتٍ لكلِّ صَبَّارٍ شكورٍ ") 5 ابراهيم . (" ليوفيهم أجورَهم ويزيدَهم من فضله إنه غفورٌ شكور ")32 الشورى . فهو يغفر عن النقص في العمل ثم يجازي عليه وهذه هي صفة الشاكر ثم يزيد عليه من فضلـه وهـي صفـة الشَـكور ,
والشاكر والشكور هما إسمان حقيقيان لله تعالي (" فللهِ الأسماءُ الحسنى فادعوه بها")
يقول أبو حامد الغزالي في المقصد الأسنى ,,, الشكور : هو الذي يجازي بيسير الطاعات كثير الدرجات , ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعيماً في الآخرة غير محدود , ومن جارى الحسنة بأضعافها يُقالُ له إنه شكر تلك الحسنة , ومن أثنى على المحسن يُقال أنه شـكر , فـإن نظرت إلى معنى الزيادة في المُجازاة لم يكن الشكور المُطلق إلا الله - عز وجل - ,,,
معني الحمد وعلاقته بالتسبيح
قبل أن نجيب على هذا السؤال سنحاول أن نورد نماذج من الآيات نتأملها عسى اللهُ - تعالى - أن يُفَهِمنا إياها
1- آيات الحمد :
(" الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ") الفاتحة . وهو قولُ اللهِ الحميد حامداً نفسه بنفسه, وهي أول آية في سورة الفاتحة وبها الكون افتتح , وهو - تعالى - المحمود في ذاته وصفاته قبل أن يخلق الخلق وبعدَ الخلق فالحمد صفة للذات والصفات بدون وجود للخلق , أما وجود الخلق فهو دلالة الحمد لله رب العالمين , أما التسبيح يكون مع وجود شُبهة النقص فهو ضروري في حق الناقص , أما الخالق فهو يعلم أزلا بأن ليس كمثله شىء . (" وقُضيَ بينهم بالحقِ وقيلَ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ") الزمر . (" دَعوَاهم فيهـا سُـبحانك اللهـم وتحيتهم فيها سلامٌ وآخر دَعوَاهم أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ") 10 يونس . فإذا ما تأملنا جميع آيات الحمد وجدنا بأن هناك حمداً مباشرا من الله لنفسه وصفاته وفعله لأن شرط الحمد الإحاطة بصفات المحمود والمخلوقات لاتحيط بالخالق ولا يعلـم اللـه الا اللـه فلم يحمد الله الا الله بالحقيقة , أو أن الله تعالى يأمرنا بقول الحمد لله رب العالمين (" فقل الحمدُ للهِ الذى نجانا من القومِ الظالمين ")28 المؤمنون . (" الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدهِ الكتابَ ولم يجعل له عِوَجا ") 1 الكهف . (" قل الحمدُ للـهِ بـل أكثرُهم لايعقلون ")63العنكبوت . (" قل الحمدُ للهِ بل أكثرُهم لايعلمون ") 52 لقمان. فالحمدُ كُلُّه لله تعالى , وقولنا الحمد لله رب العالمين هو اقرار بأنَّ الحمدَ كلَّه لله رب العالمين . .فهذه اشارة الى مدح الأفعال
2- آيات التسبيح
وتأتي بعدة أنماط منها
أ - سَبَّحَ لله ِ
: وقد جاءت بثلات أيات وهي (" سَبَّحَ للهِ ما في السماوات والأرض ِ وهو العزيز الحكيم ") الحديد :1 ,, الصف: 1 ,, الحشر: 1 ,, وبنفس الصيغة الحرفية , والغريب أنه يفصل بين كل سورة وأخرى من لسور الثلاث سورة واحدة فقط . وأن كل آيـة هي أول آية في كل سورة . فالتسبيح هنا هو وصف لكل موجود , وكل موجود يشهد بوجوده على كمال نقصة وحاجته الى الخالق في وجوده , وهذه الشهادة هي تسبيحه وهي بالخلقة والصورة وبالكلام لمن أنطقه الله تعالى "الذى أنطق كلًَ شىءٍ " .
ب - صيغة " تُسبِّحُ"
جاءت في سورة واحده فقط هي ("تُسبِّحُ له السماوات والأرض ومن فيهن ") الإسراء : 44 .
ج - صيغة " يُسبًحُ " :
("ويسبحُ الرعدُ بحمده ") الرعد 13 . (" يسبحُ له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ") الحشر 24 .وهي صيغة وصف دائم للمُسبحين , وهو تعالى العزيز الذى ليس كمثله شىء وهو حكيم بإظهار عزته التي أوجـبت ظهـور وحدانيتـه بيـن خلقه فسَبَّحت الكائناتُ بحمده اعترافاً بعجزها عن إدراك الكمال الإلهي المطلق الذي تسبب في استحالة إدراك حقيقة الحمد لله ولا يدرك هذه الحقيقة إلا الله, ولم يكن حظ المخلوقات إلا العجز عن الإدراك , وهذا العجز هو حقيقة ألذات المحدودة الصفات , فهو تعـالى كمـا أثنى على نفسه , فتسبيح الحمد هو تنزيه الخالق عن أن تحيط به العقول إدراكا لذاته وصفاته وأفعاله وحقيقة حمده لنفسه , لأن شرط الحمد هو إدراك صفات المحمود
د - صيغة "يُسبِّحون "
وهي صيغة استخدمت فقط مع تسبيح الملائكة (" يُسبحون بحمد ربهم ") ثلاث مرات في سورة الزمر75 , غافر7 , الشورى 5 . وفي آية أخرى بلفظ يسبحون له (" فالذين عند ربك يُسبحون له بالليل والنهار ") 38 فصلـت .
.وهناك صيغة أخرى وهي (" يُسبحون الليل والنهار لا يفترون ")الأنبياء 79 . فكلمة يُسبحون هي وصف دائم والوصف الدائم لا يكون إلا لذاكر غير غافل عن الله - تعالى - والملائكة هذه صفتها فهي لا تأكل ولا تنام (" إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسـجدون ") 206
الأعراف . فصيغة يُسبِّحون وهي فعل جماعي جاءت فقط لوصف تسبيح الملائكة (" وإنا لنحنُ المُسبحون ") وتسبيح الملائكة هو التسبيح بالحمد على الحقيقة والكمال بالنسبة لعالم المخلوقات فهم المُسبحون حقاً ولذلك خُلقوا .فالتسبيح بـالحمد لا يكـون إلا لمـن لا يـرى إلا الله - تعالى - إيماناً وشهوداً دائماً , وهو لا يرى المخلوقات ولا يتعامل معها بنفسه بل من خلال شهوده للحق لأن الخلق هو فعل الحق .
ه - صيغة " سَبِّح ْ :
وهي صيغة أمر ولم تأتي إلا للمُكَلف الغافل , أما الملائكة فلا تشملها صيغة الأمر بالتسبيح لأنها في تسبيح دائم وهكذا خُلقت مُسبحَة (" وسَبِّح بالعشي والأبكار ")41 آل عمـران .(" فسـبح باسـم ربـك العظيـم ") 74 الواقعة . (" ومن الليل فسبحهُ وأدبار النجوم ")ق : 40 . (" وسبحوه بكرة وعشياً ") الأحزاب 42 ") .فهي صيغة أمر لمن ينسى , والإنسان أكثر من ينسى , بل هو في نسيانٍ دائم لله خالقه , والتسبيح بالاسم غير التسبيح بالحمد لأن التسبيح بالحمد هو لمن يشهد بـالقلب , والتسـبيح بالاسم لمـن ينسى فهو يردد سبحان ربي العظيم , عسى الله أن يُكرمه فينزه سره عن ملاحظة غير خالقه وحينها يكون في مقام التسبيح بالحمد ومقام التسبيح بالحمد يشمل كل مقامات التسبيح السابقة ,
و - صيغة " سُبحانَ " : وهس مثل كلمة الحمد لله , فإما أن يقولها القدوس - تعالى - أو يقول لنا قل (" سُبحانَ الذى اسرى بعبدهِ ليلاً من المسجدِ الحرام إلي المسجد الأقصا ") (" قل سُبحانَ ربي هل كنتُ إلا بشراً رسولاً ") 93 الأسراء
فسُبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ عما يصفون ") 22 الأنبياء . (" وسُبحانَ اللهِ عمَّايصفون ") المؤمنون : 91 . (" فسُبحانَ اللهِ حينَ تُمسون وحينَ تُصبحون ")الروم : 17 . وتشير الآية إلى المساء لتذكر الأنسان بأهم عناصر النقص فيه وهو النوم , ويُنزه الخالق نفسه عن مواصفات النوم , فخلق اللـه الخلقَ شاهداً على كماله في ذاته وصفاته وفعله , فكان الخلقُ مَظهراً لحقيقة"سُبحان اللهِ " فالموجودات تَظهرُ الى الوجود مظهرة كمال الخالق , فالتسبيح هو فعل المخلوق بأمر الخالق تكويناً وتشريعاً وإقراراً من العبد بعبوديته للرب , أما كلمة " سبحان الله" فهى وصف لله تكلم به الله - تعالى - ولا يعلم حقيقته إلا الله - تعالى - وهو من موجبات الحمد لله الذى حمد اللهُ به نفسه فهو وحده الذى يعلم سر وحدانيتة وسر بقائة وهو فقط يعلم سر الأول والآخر , وسر الظاهر والباطن , فهو الذى يستحيل على العقول والأرواح أن تحـيط به علماً (" سُبحان الله الذى خلق الأزواجَ كلَها مما تنبت الأرضُ,,, ") 36 يس . فهو خلق الأزواج والتزاوج وأعلمنا بأنه لايشبه خلقه , فصيغة سبحان الله يرددها الإنسان أمراً من الله, أما الإنسان فلا يستطيع أن يحيط بمعناها فهو عاجز عن التسبيح بحقيقتها وهي الإقرار بالعجر عن معرفة حقيقة الحمد
ز - صيغة " سُبحانَكَ "
وهي صادرة من العبد خطاباً للسيد المُطلق , وهي في حال الإدراك من الإنسان لربه ولنفسه, أو ما يُسمى عند القوم " بمقام التفريق " فهو يدرك نفسه وربه ,فالعبد يُدرك حقيقة نقصه ويُقر بقدرة خالقه عليه فهـذا حظـه في هذا المقام . (" قالواسُبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ") 32البقرة . وهذا القول صادر من الملائكة في حال شعورها بالنقص العظيم أمام العليم - تبارك وتعالى - , (" ربنا ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك فقناعذاب النار ") 191 أل عمران . فالتسبيح هو نفي الباطل عن فعل الله في الكون (" قال سُبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس بحق ") 611 المائدة . (" فلما أفاق قال سُبحانك تُبت إليك وأنا أول المؤمنين ") 341 الأعراف . (" فنادى في الظلمات أن لاإله إلا أنت سُبحانك إني كنتُ من الظالمين ") 87 الأنبياء (" فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يُبعثون ") 143: الصفات . (" قالوا سُبحانك أنت ولينا من دونهم ")41سبا.
ح - صيغة " سُبحانهُ"
وهي صيغة تكلم بها اللهُ فقط (" سُبحانهُ أن يكون لهُ ولد ") النساء : 171 . وهي التعبير عن الحق المُطلق الذى يدل على الوحدانية المطلقة لله الواحد القهار , ولقد جائت بصيغة الغياب ولو جائت بصيغة المتكلم " سـبحاني " لمـا تحـمل الكون صيغة الخطاب المباشر ولتهدمت السماوات والأرض , وهذا يُدل على أن كلًِ حرف في القرآن له أسراره وتجلياته (" وقالوا اتخذَ اللهُ ولداً * لقد جِئتم شيئاً إداً * تكادُ السماواتُ يَتَفطرنَّ منهُ وتنشقَ الأرضُ وتخرُّ الجبالُ هداً * أن دَعَوا للرحمنِ ولدا") مريم . فلولا تجليات إسم الرحمن على الكون لُدكت السماوات والأرض , ومن الآيات قوله - تعالى - (" لاإله إلا هو سُبحانهُ عما يُشركون ") 31 التوبة .
ي - صيغة التسبيح بالحمد
ومنها قوله - تعالى (" إن من شىءٍ إلا يُسبحُ بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم ") 44 الإسراء (" فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كات تواباً ") (" فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ") 98 الحجر .(" ونحن نُسبحُ بحـمدك ونقـدس لك ") البقرة 30 . فنلاحظ أن التسبيح بالحمد هو صفة للملائكة أما الأمر بالتسبيح بالحمد فهو امر مباشر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ومع صدور الأمر له بالتسبيح يرتفع مقامه مباشره إلى المقام الموازي للخطاب حتي تعدي كل الكائنات والمقامات على الإطلاق بقولـه "" لا أُثني ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ""
آيات الذكر
لم يوصف بالذكر إلا المُكلف القاصر أما التسبيح بالحمد فهو يختلف عن الذكر فهو للمخلوق الحاضر قلبهُ الغير غافل عن ربه طبيعة وفعلاً وسلوكاً وهذه صفة الملائكة والأنبياء , ولما كانت الأنبياء بشراً مكلفين قيل لهم " فسبح بحمد ربك " يقول المولى (" كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ")المدثر : 55. فالذكر هو مضادات النسيان للنعمة والمنعم ("اذكروني أذكركم ") ,,,فان نسيتموني نسيتكم قطعا ,,, (" الذين يذكرون اللهَ قياما وقعوداً وعلى جنوبهم ") 191 آل عمران فسمى الصلاة ذكراً لأنه وسيلة تذكر الإنسان باللـه فتجعلـة فـي حالـة
حضور وشهود للمعبود .(" واذكر ربك كثيراً ")41 :أل عمران . (" واذكر ربك إذا نسيت ") 24الكهف (" يابني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمتُ عليكم ") 221 البقرة .(" يا أيها الناسُ اذكروا نعمة الله عليكم ") 3 فاطر .(" فذكر بالقرآن من يخـافُ وعيـد ") (" ذلـك نتلـوه عليـك مـن الآيات والذكر الحكيم ") 58 آل عمران .(" ألا بذكر الله تطمئنُ القلوب ") 28 الرعد .(" إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ")45العنكبوت . فالصلاة لم تنه عن الفحشاء والمنكر بذاتها بل لأنها وسيلة تذكير بـالمعبود , والتذكـر يـؤدي إلـى الخشـية فتنتهي الأرواح والجوارح عن معصية خالقها , أما استمرار حالة الخوف والشهود لعظمة الله في الصلاة وغير الصلاة فهى حالة الذكر الدائم والشهود للمعبود وهي أكبر من الوسائل المُحدِثة لحالة الشهود , فالصلاة والصيام وقرائة القرآن والذكر اللساني الذي هو عبـارة عـن ترديد عبارات دالة على عظمة الله كقولنا سبحان الله والحمد لله ولاإله إلا الله والله أكبر فهي ألفاظ تنقلك إلى التيبيح بالقلب ثم الحضور الروحي الدائم فهي وسائل تُنقل العبد الى حضرة شهود الرب وهذه الحضرة هي حضرة الذكر الأكبر وهي الغاية بـلا خـلاف . (" إن هو إلا ذكر للعالمين ")87 ص . (" ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ") 36 الرخرف . (" استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله ") 19 المجادلة . (" فالتاليات ذكراً إن الهكم لواحد ")3 الصافات . وهي الملائكة تتنرل على الرسل بالذكر (" قدأنزلَ
اللهُ اليكم ذكراً ") 10 الطلاق . (" فالمُلقيات ذكراً عذرا أو نذراً ") 5 المرسلات . (" إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ") . فالذكر صفة انسانية لإن الإنسان ينسى * والذكر هو الوسائل التى توصل العبد الى درجـات "اُعبـد اللـه كـأنك تـراه" , وهـي حالـة الحـضور والشهود فُسميت الوسيلة ذكرا لأنها تجعل العبد يتدكر الله - تعالى - فيخشاه , * ولقد لاحظنا بوضوح الفرق بين الذكر والتسبيح , فالتسبيح بالحمد هو حالة حضور , والذكر هو وسيلة عبور الى الحضور ولأجل ذلك لاتوصف الملائكـة بأنهـا تذكـر بـل تُسـبح وهـذه حقيقـة يجـب ملاحطتها بدقة ,
آيات الشكر
فالشكر لم توصف به الملائكة لأن من شرطةوجود العلم والإرادة والقدرة والتكليف وهذه لم تُعط إلا للإنسان , فلذلك فهو فعل إنساني صفته الأستجابة لقول الحق - تعالى - بالطاعة .والإعتراف بالنعمة الإلهية على الإنسان يقول الحميد في كتابه المجيد (" ومن شكرَ فإنما يشكرُ لنفسه ")40 النمل (" ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ") 185 البقرة . (" كذلك يُبين اللهُ لكم آياته لعلكم تشكرون ") 89 المائدة . (" وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ") 78 النحـل (" ولكن أكثر الناس لا يشكرون ") 38 يوسف. (" واشكروا لي ولا تكفرون ")251 البقرة.
فالشكر إقرار بالنعمة وهو عمل قلبي ينتج عنه عمل مادي وهو التزام طاعة المُنعم وشكره بالقلب واللسان , والإنسان هو الذي حظيَ بالنعمة الكبري نعمة أفضلية في مرتبة الخَلق , ونعمة تسخير مافي السماوات وما في الأرض للإنسان , والنعمة الكبرى وهـى نعمـة الكمـال العقلي والروحي , فالشكر هو تكليف إلهي للإنسان فلذلك لم تؤمر الملائكة به وإن كانت شاكرة لله بتسبيحها بالحمد لله.
الخلاصة
تبين لنا من خلال تأملنا للأيات السابقة عدة حقائق منها :
1- الذكر صفة المخلوق الذي نسى العهد الأول , فمنَّ اللهُ علية بوسائل تعيده لتذكر ذلك العهد(" وإد أخذَ ربُّكَ من بني آدمَ من ظهورهم ذُريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هـذا غـافلين ")271 الأعـراف. ("
ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان ")06 يس . فالإنسان نسيَ العهد الأول فأنزل الله الذكر لكي يُعيده الى حالته الأولى لأن النسيان موت والذكر حياة .
2- الحمد هو :صفة دائمة للرب , فهو ثناء الرب على نفسه حسب علمه بذاته وصفاته وفعله وليس للعبد من فهم الحمد إلا مقام الشكر , أما قولنا الحمد لله فهو اقرار منا بأمر إلهى لنا بأن الله هو الذي يتصف بصفات الكمال فهو المحمود لذاته قطعاً .
3- وشرط الحمد هو إدراك صفات المحمود والمخلوقات عاجزة عن ذلك فهى لاتدرك حقيقة الحمد
4- التسبيح بالحمد لا يكون الا لمن كان في حالة الشهود لأنه لايرى إلا الله وهذا مطابق للحقيقة الوجودية وحالة الشهود تشمل المخلوق الواعي كالملائكة وحالة الموجود اللاواعي لأنه يشهد بوجوده على الوجود الدائم فهو يُسبح بحمد الله بشهادة وجودة وظهور نور كمال التجليات فيه فكل ذرة تشهد على كمال الخالق وهذه الشهادة هي شهادة الحمد, أما شهادتها على نفسها بالنقص فهي شهادة التسبيح فهى تسبح بحمد ربها , وحالتها تشهد بأن الحمد سابق على التسبيح لأن التسبيح نوع من الثناء ولكنه جاء بصيغة النفي , والإثبات هو الأسـاس لأن المنفي كان منفياً قبل الخلق وبعد الخلق , وهذا هو التفسير المنطقي لمن قال بأن لاإله إلا الله تحتوى على الحمد والتسبيح لكونها تُنفي وتثبت ,,, فـمن كان في مقام شهود نفسه فهو يرى النفي سابقاً على الإثبات فيقول بأن التسبيح هو السابق على الحمد ومـن كـان فـي مقام شهود ربه وهو المقام الحق لأنه مطابق للحقيقة الوجودية فهو لم ير إلا الله الحميد المجيد فيعلم أن الحمد سابق على التسبيح فهو لم يرَ المنفي ورأى الباقي ومن كان في مقام الكمال فلم ير إلا الله ولم يشهد نفسـه إلا مـن خـلال قـدرة اللـه فهـو يـدرك الحـمد والتسبيح ويعلم بأن التسبيح نوع من الثناء فهو جزء من الثناء على الله مصاحب لحالة رؤية العبد لنفسه في مقام التكليف الإلهي لذلك العبد ,
مقام الحمد والحب الألهي
من علم يقيناً أن الكمال والجمال هو للبديع الباقي ولم ير في الوجود غيره أدرك بأنه لايستحق الثناء إلا الله , والثناء الحقيقي لايصدر الا من محب , فيحب العبد مولاة لذاته وصفاته وكلما أنعم عليه الحبيب بنعمة إرداد حباً لمولاه وبالتالى إزداد ثنـاءً عـلى
حبيبة وكلما زاد ت النعمة زاد الحب والثناء حتى وصل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مقام العجر عن الثناء لإستحالة إدراك الذات والصفات على إطلاقها , فيكون العبد مصحوبا بنور الحميد لأن الشاكر واعٍ غير غافل ويكون حبه واعيـاً لأنـه مصحـوب بنـور الحـميد ,فنـور
الحميد يحمي الحبيب لنوره .
التقديم والتأخير في اقتران إسم الحميد بالأسماء الأخرى
1- الغني الحميد
يقول - تعالى - (" لهُ ما في السماوات والأرض وإنَّ اللهَ لهو الغني الحميد ")64 الحج") ,, (" للهِ ما في السماوات والأرض إنَّ اللهَ هو الغني الحميد ") 26 للقمان . (" وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فـإن اللـهَ لغنـي حـميد ") 8
ابراهيم . فجاء تقديم إسم الغني منسجماً سياق الآيات لأن مالك كل شىغير محتاج لشىء فهو الغني بالحقيقة , وذكر الحميد بعد الغني هو إشارة لأن مالك كلِّ شىء غني عن حمد المخلوقين المملوكين له جميعاً , فالحميد غني عن حمد الحامدين .
2- - العزير الحميد
يقول الرحمن (" لتخرجَ الناسَ من الظلمات الى النور بإذن ربهم الى طراط العزيز الحميد ") 1 إبراهيم .(" ويهدي الى صراط العزير الحميد ") 6 سبأ .فالغني يكون عزيزياً غير مهتم لقناعة المخلوقين به وهو يهديهم الى صراطه رحمة بهم لاعن حاجـة لـه
بهم فهو غني عن حمدهم فالعزة من موجبات الحمد والغِنى من موجبات الحمد
3- - الحميد المجيد :
يقول الرحمن (" رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ") 73 هود . وجاء تقديم إسم الحميد على إسم المجيد إنسجاما مع حقيقة الإنعام على آل ابراهيم - عليه الصلاة والسلام - فالمجيد هو المحمود المتصف بصفات العزة والعطمة .
4- الحكيم الحميد :
(" لايأتيهِ الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنريل من حكيم حميد ") 42 فصلت . فتقديم الحكيم جاء منسجماً مع حقيقة التحدي القرآني للبشر بأن يأتوا مثله فجاء الحفظ تحدياً على مر العصور , فالحكيم محمود عـلى حكمتـه فجـاء التقـديم منسـجماً مـع
الحقيقة في الآية
5- الولى الحميد :
(" وهو الذى يُنزلُ الغيث َ من بعد ما قنطوا وينشرُ رحمتهُ وهو الولى الحميد ") 28 الشورى . فالعناية الألهية بعباده هي التولى لهم فجاء التفديم مناسباً لحقيقة التولى وجاء ذكر الحميد لأن النعمة هي من الله وهو وحده الذى يُحمد على النعمة
, وكلُّ نعمةٍ هى منه ,فهو الحميد حقاً .
من كتاب اسماء الله الحسنى
الأسير الفلسطيني المحرر محمود فرحات
تم تأليف الكتاب عام 1987 ولم ينشر بعد حتى الان

التعليقات