مقاهي عمان التي كانت واحات لمعارضي صدام اصبحت مقرات رموز النظام العراقي السابق

مقاهي عمان التي كانت واحات لمعارضي صدام اصبحت مقرات رموز النظام العراقي السابق



وسط العاصمة الاردنية امتلأ بالأجانب.. وخصوم حكومة بغداد القديمة أصبحوا ضيوفا علي الفنادق الكبيرة

غزة-دنيا الوطن

زيارة وسط العاصمة الأردنية عمان هذه الأيام ليست كأي زيارة سابقة لها. فوسط المدينة أصيب بما أسماه احد الصحافيين الساخرين صلع المقاهي ، فأشهر المقاهي الشعبية في المكان إما اختفت او تعرضت لتغيير كبير في شكلها وملامحها.

وبعد ان كانت مقاهي وسط العاصمة تعج بالمثقفين العراقيين (المعارضين سابقا لنظام الرئيس صدام حسين) أصبحت تمتلئ اليوم بنظرائهم الذين كانوا حكاما وأصبحوا الآن خارج جنة ورحمة العراق الجديد . والمفارقة قوية جدا، فمن كان معارضا لصدام او ناقما علي حزب البعث او مطرودا من رحمته كان يجلس لساعات طويلة في أحد مقهيين في العاصمة الأردنية هما مقهي السنترال ومقهي الجامعة .

واليوم تبدلت الأحوال. فخصوم صدام في الماضي من رواد المقاهي الشعبية الأردنية عادوا لبغــــداد وأغلبهم تـــــسلم مواقع قيادية في صفوف حركة الوفاق الحاكمة.

وهؤلاء يعودون لعمان بين الحين والآخر كضــــيوف او كمسؤولين او كمبشرين بالعهد الجديد لكنهم متأنقــون الآن ويرتادون الفنادق الفخمة ولا ينزلون لوسط البلد.

ومكان هؤلاء في مقاعد المقاهي نفسها جلس خصومهم في الماضي والحاضر فمن هرب من جحيم الأمريكيين والحكومة المؤقتة ومن خرج من أيام العز من المثقفين العراقيين يجد مكانه وحيدا في نفس المقاهي وسط عمان وفي نفس المقاعد والمجالسون هنا رفقاء وكتاب ومبدعون مستقلون لم يكن لهم حظوة لا عند صدام حسين في الماضي ولا عند معارضيه الحكام حاليا.

والمسألة لا تقف عند حدود العلاقة بين العراق ومثقفيه والمقاهي الشعبية وسط عمان. فالمقاهي نفسها تعاني فعلا من الصلع ، فشرفة مقهي السنترال وهو الأشهر بتاريخ عمان شعبيا لم تعد موجودة بعد أن ازالتها البلدية بحجة عدم الترخيص، وهي نفسها الشــــرفة التي شهدت دوما سهرات وسجالات ساخنـــــة بين رمـــــوز فــــي الثقافة العربية والحركة النضالية الفلسطينية.

والمقهي الثاني الشهير وسط عمان وهو الجامعة لم يعد قائما، فقد ثارت في الأردن ضجة واسعة ووجهت انتقادات لاذعة للحكومة لانها سمحت لصاحب البناية التي يوجد فيها المقهي بردمها لبناء مجمع تجاري حديث، علمنا بانها واحدة من أقدم بنايات وسط العاصمة وحصلت ضجة بعد صدور قرار الردم وكتبت مقالات تناشد الحكومة التدخل وتدخلت البلدية لدي المالك لتغيير قناعاته لكن الأخير رفض كل العروض وقام بالردم فعلا املا في أن يتمكن من تشييد أسواق الـ مول التجارية علي النمط الغربي الحديث.

وبهذه الحالة غاب عن أنظار الأردنيين وضيوف عمان من أحبابها واحد من أعرق المقاهي وهو مقهي كانت شرفته الزجاجية تطل علي المؤمنين في باحة المسجد الحسيني أقدم مساجد المملكة كما غابت الي الأبد شرفة مقهي السنترال الذي دخل الأدب العربي من أوسع أبوابه بعد ان ورد في الكثير من المراسلات الثقافية والابداعات الأدبية.

وفي الواقع يعني الآن التجول في عمان وفي عمقها الشعبي الاسترسال في متعة مشاهدة تلك التغيرات التي يفضل الجميع عدم التحدث عنها والتي طالت المكان والناس في قاع المدينة حصريا حيث شهدت هذه المنطقة التي كانت دوما قلب العاصمة النابض ومحور الانطلاق منها الي أي مكان ليس في المملكة فقط انما في المنطقة برمتها تبديلات غيرت كل شيء تقريبا.

واهل عمان الأصليون غادروها تماما الي المناطق المجاورة، ووسطها الذي كان دوما أعرق وأقدم الأسواق لم يعد كذلك بسبب انتشار ظاهرة الأسواق الشعبية علي الأرصفة ورواج ثقافة التسوق في المولات التجارية، لكن لوسط عمان الآن أصحابه من الوافدين، فالأرصفة المحاذية للساحة الهاشمية والمدرج الروماني تتحدث باللهجة العراقية ، والأغلبية في مجمع رغدان الذي تم ترحيله ايضا تتكلم باللهجة المصرية، وبين الأزقة والأروقة تسمع كلمات هندية وباكستانية وأحيانا صينية، واصبح اهل عمان هم الأقلية في وسطها.

وحتي مجمع رغدان الذي كان بؤرة النقل والتنقل للفقراء في المملكة من العاصمة الي أي مكان لم يعد موجودا، فقد تمت ازالته لنقله الي مكان أبعد بحجة الازدحام. ويبدو واضحا ان المثقفين والأدباء الذين اعتادوا الكتابة والاستغراق في التأمل الابداعي وسط المدينة يشكون الآن من مستوي الضجر الذي يتزايد في المكان، حيث تلاشت تماما ظاهرة المثقفين العراقيين البارزين الذين زرع تواجدهم في مقاهي وســــط المدينة نكهة عراقية في الأرجاء مشكلين عنصر استقطاب لزملائهم الأردنيين.

ويعاني قاع المدينة من كساد تجاري واقتصادي غير مسبوق، فالعرايس لم يعدن يفضلن سوق الذهب القديم لشراء الحلي والمجوهرات وبعض أصحاب محلات الذهب اضطر للاغلاق في وسط العاصمة والانتقال لمكان أفضل من الأسواق الحديثة والموضة السائدة حاليا هي التجول والتسوق في المراكز التجارية العملاقة في عمان الغربية، مما قلص الي أبعد حد عدد المتجولين في أسواق القاع التي تركت للضيوف والغرباء والعمال الوافدين حاليا.

*القدس العربي

التعليقات