المفكر الفرنسي مايلا:أمريكا أججت الطائفية في العراق
المفكر الفرنسي مايلا:
أمريكا أججت الطائفية في العراق
غزة-دنيا الوطن
جوزيف مايلا فيلسوف و مفكر فرنسي لبناني الأصل، و متخصص في القضايا الجيوسياسية وعميد لكلية العلوم الاجتماعية والاقتصادية بالمعهد الكاثوليكي في باريس حول وضع المسيحيين في العراق و كان لنا معه هذا الحوار :-
*أي نظرة تحملها أنت الفيلسوف المسيحي اللبناني الأصل حول أعمال العنف الأخيرة تجاه المسيحيين في العراق؟
- أعمال العنف هذه التي يتعرض لها المسيحيون في العراق أعمال تنبثق عن الوضع الأمني العام غير أنه لا يمكن حصرها في إطار المسألة الأمنية وحدها، فهذه الأحداث تطرح من جديد اشكالية تواجد الأقليات المسيحية التي تعيش في الشرق منذ ألفي عام، لذلك يجب تحليل هذه الأعمال الخطيرة على الصعيدين السياسي والتاريخي فعلى الصعيد السياسي لا مفر من أن نلاحظ أن عملية دمقرطة العراق التي قادها التحالف، بدلاً من أن تحقق أهدافها ما لبثت أن ساهمت في تجذير وترسيخ الإسلام العراقي و في اضفاء الطابع الإسلامي على الحياة السياسية في هذا البلد، فتصاعد الجماعات الأصولية والقيادات الدينية تضاعف بتكرس الطائفية في الحياة اليومية أما على الصعيد التاريخي فإن هذه الأحداث الدموية تسهم في إضعاف و تهشيش طائفة معزولة سياسياً وصار شبابها لا يفكرون إلا في الهجرة الى الغرب.
*انت إذن تشكك في مبدأ التمثيل الطائفي المتربط أساساً بمبدأ الديمقراطية؟
- لا! فالولايات المتحدة حين أرادت أن تطبق مبدأ التمثيل الطائفي قامت بإقصاء كل نوع من أنواع التمثيل السياسي المرتبط بحساسيات الرأي المتنوعة فالحياة السياسية التي كان يستحوذ عليها حزب البعث صارت اليوم مقصورة على تمثيل طائفي واحد ليس الأمر أمر اتهام الولايات المتحدة بتخريب الحياة السياسية في العراق لأن الأهم هو تسجيل المخاطر المرتبطة بنوع واحد من التمثيل والحكم.
لا سيما وأنه ليس من السهل الانتقال من عهد ما بعد الدكتاتورية الى عصر الديمقراطية دون عقاب.
*هل جاء الخطأ نتيجة الخلط ما بين عراق صدام حسين وما بين تشيكوسلوفاكيا فاكلان هافيل؟
- أجل! ثمة خلط ما بين هذين الوضعيتين اللتين لا تتشابهان بأي حال من الأحوال، فبلدان شرق أوروبا بلدان لها تقاليدها الديمقراطية فضلاً عن أنها تشارك الغرب نفس الثقافة وتقاسم الأوروبيين الطموحات نفسها، لكن العراق موقعه في الشرق الأوسط وليس في الغرب ! فالعراق لا يملك تقاليد ديمقراطية وقد وجد العراقيون أنفسهم على غرار الشعوب العربية الأخرى في مواجهة قاسية مع الغرب، ولا شك ان خطأ أمريكا اعتقادها ان الحروب لا تكسب إلا على الصعيد العسكري وحده في حين أن التصورات و الرهانات الثقافية هي التي تحدد بقوة الذهنيات والسلوكات.
فقد أدى إنشاء نظام تمثيلي الى اثارة سخط الطوائف الى تأجيج الانقسامات في صفوف الجماعات ولا شك أن مفارقة المشروع الأمريكي المشؤوم اعتماده على منح سلة متزايدة لرجال الدين و عرقلته لنظام سياسي "دنيوي " ظل يتعثر في ظل الديكتاتورية ويمكننا أن نلمس بقوة هذه النزعة الراديكالية بقراءتنا للأحداث الأخيرة في العراق من خلال ابطالها الدينيين ومطالبها الدينية ويصبح هذا الوضع أكثر مأساوية حين نعلم أن العراق لم يكن بلداً ثيوقراطياً في تاريخه ولا بد من الرجوع الى العشرينات من القرن العشرين حتى نعثر على بقايا لتعبئة دينية ألا وهي تعبئة الطائفة الشيعية في مواجهتها للقمع البريطاني .
*كيف تفسر "ثقالة الكراهية" التي صارت تحرك الأصوليين الإسلاميين تجاه كل عمل أو كل نمط فكري مرتبط بالغرب؟
- أمريكا تمثل بالنسبة لسكان هذه المنطة من العالم قوة مهيمنة تسعى لفرض أفكارها وللدفاع عن مصالحها بكثير من الحزم والإصرار فالغرب الذي يتمثله الولايات المتحدة يرتبط في أذهان الكثير من الإسلاميين بالحضارة المسيحية لذلك تميل الظاهرة الإسلامية الى تفسير الصراعات السياسية والاقتصادية بمصطلحات دينية، ويزداد هذا التفسير فعالية وحدة لا سيما وانه يتغذى من الصور ومن التصورات المرتبطة بعصر الاستعمار.
*هذه التشنجات الحربية لا تترجم في رأيك أي شيء آخر غير خوف هذا الشرق "المسمَر في عصر الحروب الصليبية"؟
- أجل بشكل من الأشكال على مستوى الخيال! السبب الرئيسي للقطيعة التواصلية ما بين الشرق و الغرب يكمن في الخلافات العميقة في مجال "تصور العالم" فالشرق يشتبه في الغرب طموحه في الهيمنة ويترجم هذا الاشتباه الى مصطلحات دينية لا جورج بوش و لا توني بلير استطاعا أن يفهما أن التصور الثقافي للأحداث في الشرق الأوسط يقوم على قاعدة من القراءات المشبعة بالتاريخ وذكرياته الأليمة فكونهما قد نجحا في اسقاط دكتاتورية دموية دليل قاطع على إرادة الغرب في وضع اليد على ثروات المنطقة أكثر منه دليل على تحرير حقيقي لها، فلنحذر كل الحذر تقليص الحروب الى مجرد ظواهر عسكرية لأن الظواهر العسكرية تظل محددة بدوافع تضافرية يحكمها سياق ثقافي محدد!
يبدو وأن الغرب قد فقد المفاتيح الضرورية لفهم عالم ما زال المعيار الأساسي الذي يحكمه هو الدين فالذاكرة الغربية ذاكرة تطورية، بينما الذاكرة الشرقية صفحة تفك رموزها عبر مدلولات تضاف على مدلولات قبلها و تتاقض مع الحداثة أحياناً .
*هل يمكن لمسيحيي الشرق في رأيك أن يساهموا في تحديث الإسلام؟
- ينبغي أن نتفادى الوقع في الخلط و الالتباس فالإسلام متعدد ، وهو يتأثر بتيارات يتميز الكثير منها بالتفتح وبقدر هائل من التسامح فالإسلام هو وحده القادر على أن يطور نفسه حتى يتكيف مع العالم المعاصر وقد بدأ هذا العمل بالفعل وعلى نطاق واسع، أما المسيحيون فرسالتهم هي الحوار والانفتاح وينبغي ان يقوم نشاطهم على المشاركة في الحياة السياسية للعالم العربي الإسلامي.
و من هذا المنظور يمكنهم العمل من اجل انفتاح الإسلام على التعددية وعلى بناء فضاء عام من الحوار و التبادل وينبغي لانفتاحهم على الغير بأن يكون متواصلاً ومتفاعلاً ومطمئناً وغير رافض لثقافته وعلى استعداد للتحاور مع كل من يأتي من الخارج.
*هل تريد القول أن الغرب يفكر في منطق العقل و أن الشرق يفكر بمنطق الروح أي الدين ؟
- في الواقع الأمور أعقد من ذلك، فالغرب يظل مهووساً بالعقلنة أو التبرير القائم على الهيمنة.
لست أقصد بهذا أن الشرق لا يملك المنطق العقلاني فالمسيحيون في الشرق يشتركون من وجهة النظر هذه في ثقافتين .
فهم ينتمون الى الثقافة العربية التي تمثل تراثهم النوعي بل و لقد ساهموا كثيراً في تطوير هذه الثقافة.
و هم أيضاً مواطنون عرب يملكون ما يملكه الآخرون من حقوق، و هم ليسوا من المتطفلين على المنطقة بل من سكانها الحقيقين بل و منذ سبعة قرون قبل الإسلام ولذلك ينظر مسيحيو العراق الى أنفسهم ليس كدخلاء و لكن أبناء أصليين لهذه الأرض لكنهم أيضاً وبحكم ثقافتهم المسيحية مواطنون متفتحون وناقلون للحضارة.
*لوفيغارو
أمريكا أججت الطائفية في العراق
غزة-دنيا الوطن
جوزيف مايلا فيلسوف و مفكر فرنسي لبناني الأصل، و متخصص في القضايا الجيوسياسية وعميد لكلية العلوم الاجتماعية والاقتصادية بالمعهد الكاثوليكي في باريس حول وضع المسيحيين في العراق و كان لنا معه هذا الحوار :-
*أي نظرة تحملها أنت الفيلسوف المسيحي اللبناني الأصل حول أعمال العنف الأخيرة تجاه المسيحيين في العراق؟
- أعمال العنف هذه التي يتعرض لها المسيحيون في العراق أعمال تنبثق عن الوضع الأمني العام غير أنه لا يمكن حصرها في إطار المسألة الأمنية وحدها، فهذه الأحداث تطرح من جديد اشكالية تواجد الأقليات المسيحية التي تعيش في الشرق منذ ألفي عام، لذلك يجب تحليل هذه الأعمال الخطيرة على الصعيدين السياسي والتاريخي فعلى الصعيد السياسي لا مفر من أن نلاحظ أن عملية دمقرطة العراق التي قادها التحالف، بدلاً من أن تحقق أهدافها ما لبثت أن ساهمت في تجذير وترسيخ الإسلام العراقي و في اضفاء الطابع الإسلامي على الحياة السياسية في هذا البلد، فتصاعد الجماعات الأصولية والقيادات الدينية تضاعف بتكرس الطائفية في الحياة اليومية أما على الصعيد التاريخي فإن هذه الأحداث الدموية تسهم في إضعاف و تهشيش طائفة معزولة سياسياً وصار شبابها لا يفكرون إلا في الهجرة الى الغرب.
*انت إذن تشكك في مبدأ التمثيل الطائفي المتربط أساساً بمبدأ الديمقراطية؟
- لا! فالولايات المتحدة حين أرادت أن تطبق مبدأ التمثيل الطائفي قامت بإقصاء كل نوع من أنواع التمثيل السياسي المرتبط بحساسيات الرأي المتنوعة فالحياة السياسية التي كان يستحوذ عليها حزب البعث صارت اليوم مقصورة على تمثيل طائفي واحد ليس الأمر أمر اتهام الولايات المتحدة بتخريب الحياة السياسية في العراق لأن الأهم هو تسجيل المخاطر المرتبطة بنوع واحد من التمثيل والحكم.
لا سيما وأنه ليس من السهل الانتقال من عهد ما بعد الدكتاتورية الى عصر الديمقراطية دون عقاب.
*هل جاء الخطأ نتيجة الخلط ما بين عراق صدام حسين وما بين تشيكوسلوفاكيا فاكلان هافيل؟
- أجل! ثمة خلط ما بين هذين الوضعيتين اللتين لا تتشابهان بأي حال من الأحوال، فبلدان شرق أوروبا بلدان لها تقاليدها الديمقراطية فضلاً عن أنها تشارك الغرب نفس الثقافة وتقاسم الأوروبيين الطموحات نفسها، لكن العراق موقعه في الشرق الأوسط وليس في الغرب ! فالعراق لا يملك تقاليد ديمقراطية وقد وجد العراقيون أنفسهم على غرار الشعوب العربية الأخرى في مواجهة قاسية مع الغرب، ولا شك ان خطأ أمريكا اعتقادها ان الحروب لا تكسب إلا على الصعيد العسكري وحده في حين أن التصورات و الرهانات الثقافية هي التي تحدد بقوة الذهنيات والسلوكات.
فقد أدى إنشاء نظام تمثيلي الى اثارة سخط الطوائف الى تأجيج الانقسامات في صفوف الجماعات ولا شك أن مفارقة المشروع الأمريكي المشؤوم اعتماده على منح سلة متزايدة لرجال الدين و عرقلته لنظام سياسي "دنيوي " ظل يتعثر في ظل الديكتاتورية ويمكننا أن نلمس بقوة هذه النزعة الراديكالية بقراءتنا للأحداث الأخيرة في العراق من خلال ابطالها الدينيين ومطالبها الدينية ويصبح هذا الوضع أكثر مأساوية حين نعلم أن العراق لم يكن بلداً ثيوقراطياً في تاريخه ولا بد من الرجوع الى العشرينات من القرن العشرين حتى نعثر على بقايا لتعبئة دينية ألا وهي تعبئة الطائفة الشيعية في مواجهتها للقمع البريطاني .
*كيف تفسر "ثقالة الكراهية" التي صارت تحرك الأصوليين الإسلاميين تجاه كل عمل أو كل نمط فكري مرتبط بالغرب؟
- أمريكا تمثل بالنسبة لسكان هذه المنطة من العالم قوة مهيمنة تسعى لفرض أفكارها وللدفاع عن مصالحها بكثير من الحزم والإصرار فالغرب الذي يتمثله الولايات المتحدة يرتبط في أذهان الكثير من الإسلاميين بالحضارة المسيحية لذلك تميل الظاهرة الإسلامية الى تفسير الصراعات السياسية والاقتصادية بمصطلحات دينية، ويزداد هذا التفسير فعالية وحدة لا سيما وانه يتغذى من الصور ومن التصورات المرتبطة بعصر الاستعمار.
*هذه التشنجات الحربية لا تترجم في رأيك أي شيء آخر غير خوف هذا الشرق "المسمَر في عصر الحروب الصليبية"؟
- أجل بشكل من الأشكال على مستوى الخيال! السبب الرئيسي للقطيعة التواصلية ما بين الشرق و الغرب يكمن في الخلافات العميقة في مجال "تصور العالم" فالشرق يشتبه في الغرب طموحه في الهيمنة ويترجم هذا الاشتباه الى مصطلحات دينية لا جورج بوش و لا توني بلير استطاعا أن يفهما أن التصور الثقافي للأحداث في الشرق الأوسط يقوم على قاعدة من القراءات المشبعة بالتاريخ وذكرياته الأليمة فكونهما قد نجحا في اسقاط دكتاتورية دموية دليل قاطع على إرادة الغرب في وضع اليد على ثروات المنطقة أكثر منه دليل على تحرير حقيقي لها، فلنحذر كل الحذر تقليص الحروب الى مجرد ظواهر عسكرية لأن الظواهر العسكرية تظل محددة بدوافع تضافرية يحكمها سياق ثقافي محدد!
يبدو وأن الغرب قد فقد المفاتيح الضرورية لفهم عالم ما زال المعيار الأساسي الذي يحكمه هو الدين فالذاكرة الغربية ذاكرة تطورية، بينما الذاكرة الشرقية صفحة تفك رموزها عبر مدلولات تضاف على مدلولات قبلها و تتاقض مع الحداثة أحياناً .
*هل يمكن لمسيحيي الشرق في رأيك أن يساهموا في تحديث الإسلام؟
- ينبغي أن نتفادى الوقع في الخلط و الالتباس فالإسلام متعدد ، وهو يتأثر بتيارات يتميز الكثير منها بالتفتح وبقدر هائل من التسامح فالإسلام هو وحده القادر على أن يطور نفسه حتى يتكيف مع العالم المعاصر وقد بدأ هذا العمل بالفعل وعلى نطاق واسع، أما المسيحيون فرسالتهم هي الحوار والانفتاح وينبغي ان يقوم نشاطهم على المشاركة في الحياة السياسية للعالم العربي الإسلامي.
و من هذا المنظور يمكنهم العمل من اجل انفتاح الإسلام على التعددية وعلى بناء فضاء عام من الحوار و التبادل وينبغي لانفتاحهم على الغير بأن يكون متواصلاً ومتفاعلاً ومطمئناً وغير رافض لثقافته وعلى استعداد للتحاور مع كل من يأتي من الخارج.
*هل تريد القول أن الغرب يفكر في منطق العقل و أن الشرق يفكر بمنطق الروح أي الدين ؟
- في الواقع الأمور أعقد من ذلك، فالغرب يظل مهووساً بالعقلنة أو التبرير القائم على الهيمنة.
لست أقصد بهذا أن الشرق لا يملك المنطق العقلاني فالمسيحيون في الشرق يشتركون من وجهة النظر هذه في ثقافتين .
فهم ينتمون الى الثقافة العربية التي تمثل تراثهم النوعي بل و لقد ساهموا كثيراً في تطوير هذه الثقافة.
و هم أيضاً مواطنون عرب يملكون ما يملكه الآخرون من حقوق، و هم ليسوا من المتطفلين على المنطقة بل من سكانها الحقيقين بل و منذ سبعة قرون قبل الإسلام ولذلك ينظر مسيحيو العراق الى أنفسهم ليس كدخلاء و لكن أبناء أصليين لهذه الأرض لكنهم أيضاً وبحكم ثقافتهم المسيحية مواطنون متفتحون وناقلون للحضارة.
*لوفيغارو

التعليقات