النائب طلب الصانع : اسرائيل لم تقرر مهاجمة سوريا جراء عملية النقب..
النائب طلب الصانع : اسرائيل لم تقرر مهاجمة سوريا جراء عملية النقب..
غزة-دنيا الوطن
يتوقع طلب الصانع، نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي، ورئيس القائمة العربية الموحدة في الكنيست الإسرائيلي إجراء انتخابات عامة مبكرة في اسرائيل خلال العام المقبل، ستفرضها الحسابات السياسية للأحزاب الإسرائيلية، إن لم يكن يخطط لها ارئيل شارون رئيس الوزراء بهدف اضعاف خصومه داخل الليكود، وتجديد ولايته لأربع سنوات مقبلة.
ويبدي الصانع خلال حوار اجراه مع نخبة من الكتاب الأردنيين مساء الأحد، بدعوة من حمادة فراعنة عضو المجلس الوطني الفلسطيني، والعضو السابق في مجلس النواب الأردني، تردداً لجهة الحسم فيما يتعلق بنوايا شارون حيال خطة الإنسحاب من قطاع غزة. ففيما يقول إن التساؤلات تنصب الآن على متى يتم الإنسحاب..؟ لا على ما إذا كان سيكون هناك انسحابا، يعود إلى ايراد مسلكيات لشارون تشكك في صدقية نواياه..!
ويتحدث الصانع طويلا عن الأزمة الداخلية في اسرائيل والإحتمالات التي تترتب عليها، كما يتحدث أيضا عن دور عرب 1948 في دعم اشقائهم الفلسطينيين، دون أن يخلو الأمر من نقد واضح لممارسات السلطة ورئيسها ياسر عرفات الذي يأخذ الصانع عليهما السماح بعودة الفصائل الفلسطينية كتنظيمات دون تحولها لأحزاب سياسية، وعدم اقامة مؤسسات واستمرار انفراد عرفات بالسلطة، وسماحه بتعدد السلاح بدلا من وحدانيته ووحدانية السلطة.
ويرى الصانع أن اسرائيل لم تقرر مهاجمة سوريا عقب عملية بئر السبع الإستشهادية المزدوجة التي نفذتها "حماس" مؤخراً، ويصف صواريخ القسام التي تستخدمها "حماس" بأنها كذب في كذب، ويقول إنها جعلت المبادرة السياسية، كما العسكرية بيد شارون.
قبل أن تنهال الأسئلة، كان الصانع قدم مداخلة شرح فيها الوضع الداخلي في اسرائيل قائلا:
بدأ طلب الصانع الحديث مقدما تصوره للوضع السياسي القائم حاليا في اسرائيل، حيث يرى أن الظروف القائمة تحتم، إن لم تكن ترجح، اجراء انتخابات عامة مبكرة خلال عام 2005، ملاحظا ابتداء أن المبادرات السياسية والتعامل معها يؤدي إلى تقوية اليسار والمركز، واضعاف اليمين في اسرائيل، بعكس المواجهات العسكرية التي تؤدي إلى تقوية اليمين والمركز واضعاف اليسار.. ذلك أن المجتمع الإسرائيلي اعتاد أن يفوض اليسار بالمفاوضات، واليمين بالمواجهات.
ويطرح الصانع نموذجان على ذلك قائلا إن توجه حكومة اسحاق شامير إلى مؤتمر مدريد اواخر العام 1991 أدى إلى الإطاحة بها في الإنتخابات التالية، ووصول حزب العمل إلى السلطة، في حين أن الإنتفاضة الفلسطينية أدت إلى اسقاط حكومة حزب العمل برئاسة ايهود باراك، وعودة الليكود إلى الحكم برئاسة ارئيل شارون. ويرد الصانع ذلك إلى عوامل نفسية اجتماعية وأخرى سياسية، مشيرا في ذات الوقت إلى أن حكومة الليكود برئاسة مناحيم بيغن هي التي توصلت إلى معاهدة سلام جادة مع مصر ونفذتها.
وفيما يتعلق بالوضع الحكومي والسياسي الحالي في اسرائيل يراه الصانع غريبا. ففيما يمثل الليكود اليمين في الحكم، يمثل رئيسه ورئيس حكومته ارئيل شارن الخطاب السياسي واليسار، وكأنه هو من يمثل المعارضة، لا حزب العمل واليسار.. أي أن شارون الآن هو بديل الليكود، كما أن الليكود هو بديل شارون.
وكي تكتمل المفارقة، يلفت الصانع إلى أن معارضة حكومة شارون لم تعد برلمانية داخل الكنيست، كما هو العرف، لكنها معارضة حكومية.. أي من داخل حكومته ذاتها، في حين أن المعارضة البرلمانية للحكومة تدعم رئيس الحكومة ضد المعارضة الموجودة داخل حكومته..!
ويفسر الصانع ذلك بأن طرح شارون السياسي، كما يتبدى في خطته للإنسحاب الأحادي من قطاع غزة، لا يمثل التوجهات السياسية اليمينية لليكود، ملاحظا التحول الذي احدثته الإنتفاضة الفلسطينية في مواقف شارون الذي فاز في الإنتخابات الماضية على قاعدة شعارات مثل "دعوا الجيش ينتصر".."استبدال المفاوضات بالدبابات". وينوه الصانع هنا إلى أن عمرام متسناع زعيم حزب العمل السابق هو اول من طرح فكرة الإنسحاب من قطاع غزة أولا، ليتبنى شارون هذا الشعار لاحقاً.
ويرى الصانع أن الإنسحاب من قطاع غزة لم يعد مجرد فرضية، بل أصبح قضية جدية محل التزام من قبل شارون الذي تحول بشعاره من المناقشات إلى التنفيذ، دون أن يمنع ذلك الصانع من التساؤل: ولكن ما الهدف من خطة شارون..؟ هل هي مبادرة سياسية، أم أنها تهدف إلى اجهاض مبادرة سياسية أخرى..؟!
ويجيب على تساؤله مؤكداً أن القضية المطروحة الآن هي متى يتم الإنسحاب وليس هل يتم الإنسحاب من غزة..؟!
وينتقل الصانع إلى الحديث عن الأزمة الراهنة التي يراها داخل اليمين الإسرائيلي، مشخصاً هذه الأزمة من وجهة نظره في تحول هذا اليمين من الإيمان بالإستيطان وأرض اسرائيل الكبرى، واستخدام القوة العسكرية، إلى مناقشة قيامه هو بالإنسحاب من قطاع غزة والضفة الغربية، لافتا إلى أهمية الرمزية الكامنة في مشروع شارون عبر الإشارة إلى انسحاب من اربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية بالتزامن مع الإنسحاب من قطاع غزة، وذلك على غرار سابقة "غزة ـ اريحا أولا"، التي وصفها بأنها لم تكن مجرد صدفة.
ويقول الصانع: سابقا كان اليمين الإسرائيلي يؤكد على اهمية المستوطنات لأمن اسرائيل، وهو الآن يناقش ما إذا كانت ازالتها عامل معهم لتحقيق السلام والأمن لإسرائيل، باعتبارها تحولت إلى عبء على أمن اسرائيل.
سلوكيات واحتمالات
لكن الصانع لا يمنح ثقة كاملة لطروحات شارون، بل هو يرى في سلوكياته السياسية ما يدعو إلى التساؤل بشأن صدقية طروحاته ونواياه، طارحا نموذجين من سلوك شارون الذي يدعو إلى التشكك:
النموذج الأول: طرح شارون لقضية الإنسحاب من قطاع غزة على الإستفتاء داخل حزب الليكود، علما أنه يملك اغلبية مؤيدة لهذه الخطة داخل الكنيست بفضل تأييدها من قبل نواب احزاب معارضة.
النموذج الثاني: طرح شارون لخطته على مركز الليكود بعد أن خسر الأغلبية البرلمانية جراء طرده وزيرين من حكومته.
ويتابع الصانع لافتا إلى أن شارون اضاع فرصة ثمينة للإئتلاف مع حزب العمل، حيث كان لديه وقت كاف لانجاز هذا الإئتلاف خلال الثلاثة أشهر الماضية، لكنه فضل اضاعة هذا الزمن الثمين في المناورة والتأجيل، ما منح معارضي الإئتلاف داخل حزب العمل فرصة لأن يقووا ويتمكنوا من انتزاع قرار من مركز الحزب بعدم الإئتلاف مع الليكود.
ما هي الإحتمالات المتاحة إذاً في ضوء هذه الرؤية..؟
السؤال يطرحه الصانع نفسه، ويجيب عليه طارحا خيارين:
الخيار الأول: أن يكون شارون يعمل من أجل اجراء انتخابات مبكرة يخوضها على قاعدة خطة الإنسحاب من قطاع غزة، حيث تحظى خطته بتأييد واسع النطاق داخل المجتمع الإسرائيلي. وفي هذه الحالة يضمن شارون دعما شعبيا واسعا لخطته عبر صناديق الإقتراع، كما يضمن أيضاً التمديد له لأربع سنوات أخرى رئيسا للحكومة. ومن شأن ذلك بطبيعة الحال أن يضعف معارضيه داخل الليكود.
الخيار الثاني: أن يضع الليكود بين المطرقة والسندان، عبر تخييره بين الموافقة على الإئتلاف مع حزب العمل والحصول على اغلبية برلمانية، أو اجراء انتخابات مبكرة من شأن اجرائها تهديد بقاء عدد من نواب الليكود في الكنيست. وبالتالي، فإن شارون يعمل عبر التلويح بالإنتخابات المبكرة على اخضاع معارضيه من نواب الليكود.
ويلفت الصانع إلى أن حكومة شارون ستواجه لدى انتهاء العطلة الصيفية للكنيست في 11 تشرين أول/اكتوبر المقبل قضيتين هامتين جدا هما:
الأولى: اقرار الموازنة العامة.
الثانية: اقرار القوانين المتعلقة بالإنسحاب من قطاع غزة.
ويرى الصانع أن حكومة شارون ستنجح في تمرير القوانين المتعلقة بالإنسحاب من قطاع غزة جراء تأييد نواب احزاب معارضة لذلك، لكنها لن تنجح في تمرير مشروع الموازنة العامة.
ويبدي الصانع هنا أن تداعيات القوانين المتعلقة بالإنسحاب ستكون مأساوية على حكومة شارون.. ذلك أنها ستؤدي إلى ثورة المعارضة داخل حكومته، وانسحاب اربعة اعضاء كنيست من حزب المحدال بقيادة الوزير اوفيلت من الإئتلاف الحكومي، ما يجعل حكومة شارون حكومة اقلية عاجزة عن تمرير الموازنة العامة.
انتخابات مبكرة
وهنا، يقول الصانع إن حشد اغلبية مؤيدة للموازنة هي مهمة بنيامين نتنياهو وزير المالية، وخصم شارون العنيد، الذي سيبدي لا مبالاة ازاء تمرير الموازنة من عدمه، إن كان هدفه انتخابات مبكرة، واضعاف معارضيه داخل الليكود. ويلفت إلى أن عدم اقرار الموازنة العامة حتى آذار/مارس المقبل يعتبر في اسرائيل بمثابة حجب للثقة عن الحكومة، وهو يلزم بإجراء انتخابات مبكرة.
ويرى الصانع أن كل التصورات تؤكد ان الإنتخابات المبكرة هي خيار قائم عام 2005، ما لم يعمل شارون على الإلتفاف على العقبات التي تحول دون دخول حزب العمل في ائتلافه الحكومي.
غير أن هذا الأمر يستدعي سرعة التحرك، كما يقول الصانع، لافتا إلى أن الأزمة الداخلية في حزب العمل مرهونة ومرتبطة بتاريخ انتهاء الرئاسة المؤقتة للحزب التي يتولاها شيمون بيريس حتى كانون أول/ديسمبر من العام المقبل.. ذلك أن الإقتراب من هذا التاريخ يدفع باتجاه ازدياد المنافسة على قيادة الحزب، وما يرافق ذلك من تشنجات وعمليات استقطاب متبادلة تقلل امكانية التوافق على الإئتلاف مع الليكود، كما تقلل من أهمية الإئتلاف ذاته إن كان سيكون لفترة قصيرة لا تتجاوز عدة أشهر، وهذا ما يجعل شارون نفسه يغض النظر عن المسألة.
عدم الإئتلاف مع العمل لا يبقي لشارون غير الإنتخابات المبكرة، حتى إن كان لا يريدها، أو مقايضة احزاب دينية أخرى: تخصيص ميزانيات لها، مقابل تمريرها للموازنة العامة..! والحزبان المرشحان لهذه المهمة، كما يقول الصانع، هما حزب "شاس" و"يهدوت هتورا"، وهذا لا يقيم تحالفا دائما، وانما تحالفا مؤقتا لا يضمن استمرارية واستقرار حكومة تريد أن تحكم لا فقط أن تطيل عمرها في الحكم. ويلفت الصانع إلى أن حزب "شاس" يطالب بزيادة الدعم الحكومي المالي لمؤسساته الدينية، كما أن حزب "يهدوت هتورا" يطالب بتخصيص دعم مالي له. وعلى ذلك يمكن لشارون أن يدعم موازنتي الحزبين مقابل دعمهما للموازنة العامة.
حين اتضحت الصورة، كما رسمها الصانع، كان قد نضج العديد من الأسئلة، بدءاً بخمسة بدأت "العرب" بها الحوار:
بين شارون ومتسناع
· ما هو الفارق بين مشروع متسناع للإنسحاب من غزة، ومشروع شارون.. هل هناك تطابق أم افتراق في الرؤيتين..؟
ـ لقد طرح متسناع الإنسحاب من قطاع غزة انطلاقاً من قناعة بأن يكون الإنسحاب من المستوطنات في القطاع خطوة على طريق الإنسحاب من مستوطنات الضفة. ولدى متسناع تصور وبرنامج سلمي كامل، في كل ما يخص القطاع والضفة والقدس والمستوطنات، وهو ينسجم مع خطة كلينتون، وكان شريكا غير مباشر في اعداد وثيقة جنيف.
أما شارون، فإنه تبنى الإنسحاب من قطاع غزة متأخراً، وهو فعل ذلك ليس من خلال رؤية متكاملة للسلام، وإنما من خلال مناورة سياسية.
الهدف المطروح من قبل شارون هو عدم الربط بين الإنسحاب من قطاع غزة واربع مستوطنات في شمال الضفة عبر خطة سلام كاملة، وعدم الربط بين خطته وخارطة الطريق التي تؤدي إلى حل كامل. هو يقول امام حكومته إن خارطة الطريق انتهت لأن السلطة الفلسطينية لم تقم بنزع اسلحة المنظمات "الإرهابية". وحين اقرت حكومة شارون "خارطة الطريق"، ارفقت ذلك بـ14 تحفظا كل واحد منها كفيل بإلغاء الخطة.
ثم إن شارون طرح خطته متأخراً بهدف قطع الطريق على مبادرات دولية أو اقليمية، وسيكون هو كرئيس حكومة، لا سواه، صاحب مبادرة سياسية. وبالفعل، فإن طرح خطة شارون أوقف الحديث عن خارطة الطريق، والمبادرة العربية لقمة بيروت، ووثيقة جنيف.. الكل بات ينتظر ما يريده شارون ومتى سينفذ خطته.
ثم إن شارون يمثل اليمين الإسرائيلي الذكي، بمعنى أنه يريد اخلاء مستوطنات في قطاع غزة من أجل أن يكرس الإحتلال في الضفة الغربية. ونحن نرى أنه لا يقوم بإخلاء مستوطنات، بالعكس هو يقوم ببناء مستوطنات جديدة في الضفة. وقد قررت حكومته مؤخراً اقامة 1800 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة. كما أنه مستمر في اقامة السور العازل مع اجراء تغيير طفيف في مساره.
إلى ذلك، فإن شارون لا يلتزم بعدم العودة لإحتلال قطاع غزة، بل هو يصر على أن تظل الممرات البرية والمائية، وكذلك اجواء القطاع، تحت الهيمنة الإسرائيلية. ويتمسك بحقه في المطاردة والقصف والإغتيال داخل القطاع، ما يعني أن الإنسحاب في تصور شارون هو مناورة وليس جزءا من رؤية سياسية، بل هو جزء من رؤية احتلالية تهدف إلى ترسيخ الإحتلال.
ومع ذلك، فإن شارون نجح في تسويق خطته باعتبارها خطة سلام.. أصبحت هناك مبادرة، كما سوق نفسه كرجل سلام، وحصل على مكاسب في القضايا الجوهرية من خلال هذه الخطة تجلت في الإلتزامات التي حصل عليها من بوش في كل ما يخص قضية اللاجئين والحدود والكتل الإستيطانية مقابل قطاع غزة. ونحن ندرك اهمية الموقف والإلتزام الأميركي، لأن الولايات المتحدة ليست مكرونيزيا..!
باراك عائد
· في حال اجراء انتخابات اسرائيلية عامة العام المقبل، ما هي التغيرات التي تتوقعها على الخارطة السياسية في اسرائيل..؟
ـ لا أتوقع تغيرات هامة. اتوقع نتائج داخل الكنيست قريبة من الوضع الحالي. قد يزيد عدد نواب حركة ميرتس قليلاً، ولكن دون حدوث تغيرات جوهرية.
وأود أن ألفت هنا إلى أن هنالك اتجاه لتقليل نسبة الحسم في الإنتخابات المقبلة لتصبح 2,5% بدلاً من 1,5%، وهذا من شأنه أن يقلل فرص الأحزاب العربية الصغيرة بالفوز، ما لم يتم العمل على توحيد هذه الأحزاب في لائحة انتخابية واحدة. ولدى تصور من شأنه أن يسهل تشكيل اللائحة الموحدة، وهو يقضي بإجراء انتخابات فرعية بحيث يتم ترتيب اسماء المرشحين في اللائحة الموحدة، ولتكن لائحتان، على اساس الفرص الحقيقية بالفوز.
· من هم منافسو بيريس على زعامة حزب العمل حين تنتهي ولايته كرئيس مؤقت للحزب نهاية 2005..؟
ـ جميع نواب حزب العمل في الكنيست طامحون في خلافة بيريس بزعامة الحزب في ظل عدم وجود قائد قوي يفرض نفسه. ومن جهتي أعتقد أن حزب العمل قد يلجأ مجدداً لإنتخاب ايهود باراك رئيسا له.
· ما انعكاس كل هذه الرؤى التي شرحتها على تنفيذ خطة شارون للإنسحاب الأحادي من قطاع غزة..؟
ـ المسألة ليست مرهونة فقط بما شرحته بشأن تفاصيل الوضع الداخلي الإسرائيلي. لكنها متصلة كذلك بنوايا شارون الحقيقية التي يصعب التنبؤ بها. كما أنها متصلة بالوضع الفلسطيني المقابل.
عزل سوريا لا قصفها
· واضح أنه لا انتقام اسرائيلي من سوريا يعقب اتهام سوريا بالمسؤولية عن العملية الإستشهادية المزدوجة في بئر السبع.. لماذا..؟
ـ الهدف ليس الإنتقام من خلال القيام بعملية عسكرية مباشرة ضد سوريا. مجرد تركيز الأضواء على سوريا كمركز لعمليات يسمونها "ارهابية"، وربط سوريا بهذه العملية، في ظل الموقف الأميركي وطرح قضايا تخص سوريا في مجلس الأمن يضعف دور سوريا وشرعيتها ومكانتها، ويعزز موقع اسرائيل ويضع سوريا في قفص الإتهام. وبالتالي، فإن محاولة الربط بين سوريا وهذه العملية لم تأت بشكل عفوي.
سوريا تعتبر خصما، وبالتالي تعمل اسرائيل دائما على اضعافها.
· لكن التصريحات الصادرة عن الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية تنفي علاقة سوريا بالعملية، خلافا لتصريحات يعالون رئيس الأركان الذي فهم منها أن رداً عسكرياً على سوريا بات محتما.. لم هذا التراجع..؟
ـ أنا شخصيا لم اتوقع عملية عسكرية اسرائيلية ضد سوريا.
· لماذا..؟
ـ لعدم وجود دليل قاطع وثابت بشأن علاقة سوريا بعملية بئر السبع. ثم إن عملية عسكرية ضد سوريا ستؤدي إلى تفاعلات وردود فعل. الحديث هنا يدور عن دول، لا عن عمليات بسيطة.
غير متوقع في ظل واقع سياسي معين، والهجمة الأميركية على العراق، أن تقوم اسرائيل بخوض مواجهة عسكرية مع سوريا، بالتزامن كذلك مع الإشكاليات القائمة مع الفلسطينيين. الأمر ليس بهذه البساطة في هذا الظرف، خاصة وأن الموقف الدولي لإسرائيل وحكومة شارون ليس بهذه السهولة. حكومة شارون ليست في افضل حالاتها، وهي ليست على ظهور خيلها عقب قرار محكمة العدل الدولية فيما يخص الجدار العازل. اسرائيل ليست في حاجة إلى استعداء، أو أن تكسب المزيد من النقاط السلبية ضدها. هي بحاجة لأن تسلب مكاسب من سوريا، وأن تحاصرها سياسيا.
وبالمناسبة، الجميع في اسرائيل كان يتوقع عملية ردا على اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي. والجميع كان يتوقع أن تكون هذه العملية في الجنوب، بعد أن اكتمل بناء الجدار العازل في الشمال. وبالتالي، فإن ردود الفعل الإسرائيلية لم تقتصر على اتهام سوريا، إذ جرى كذلك تبادل اتهامات بالتقصير داخل اسرائيل ذاتها.
وتتالت الأسئلة على الصانع من مختلف الزملاء، وننتخب منها:
· ما هي التغيرات التي تتوقعها على حكومة شارون في حال اجراء انتخابات مبكرة..؟
ـ في تصوري أن التغير لن يكون في التركيبة الحزبية، وإنما في التركيبة الإئتلافية. بمعنى أنه ستقام بعد الإنتخابات حكومة تستطيع أن تنفذ البرنامج السياسي، وأعني بذلك خارطة الطريق.
ما حدث عقب الإنتخابات السابقة أن شارون شكل حكومة حرب بإمكانها أن تنفذ كل الجرائم التي تخطر أو لا تخطر على البال. وهي استطاعت أن تفعل ذلك دون مساءلة، ودون أن تواجه أزمة. لقد بدأت الأزمات تواجه هذه الحكومة حين بدأت تناقش قضايا سياسية، لأن هذه الحكومة لم تشكل لطرح مبادرات سياسية. اما الحكومة المقبلة فستبنى من الأساس لتتمكن من التقدم في المسار السياسي، أو تنفيذ خطة خارطة الطريق. بمعنى أنه لن يجري تغيير على التركيبة الحزبية، وانما الإئتلاف الحكومي سيكون مختلفا من حيث المنطلقات والخطوط السياسية العريضة. وبالتالي، إذا تم التغيير الذي سيتم اجراءه في هذه الحالة سينسجم مع التوجه السياسي لهذه الحكومة، بعد ان أصبح شارون اسيرا للإئتلاف اليميني الذي شكل منه حكومته الحالية. وهو من أجل أن تكون له اغلبية بين وزرائه، اضطر إلى فصل الوزيرين آلون وليبرمان.
أنا أرى أهمية كبرى في قيام اليمين الإسرائيلي باقتلاع مستوطنات. هذه سابقة مهمة، لأنه حتى رابين وبيريس اللذان وقعا اتفاق اوسلو لم يقوما باقتلاع مستوطنة واحدة، رغم أن مذبحة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المجرم غولدشتاين مثلت فرصة ذهبية لرابين ليقوم بإخلاء المستوطنين من الخليل، لكنه لم يفعل.
مهم جداً أن يقوم شارون بإخلاء مستوطنات. كما أن اخلاء مستوطنات من قبل اليمين يمثل ضربة للطرح الأيديولوجي لليمين بالتوسع والإستيطان، ويمنح شرعية لأي قوى سلام أخرى كي تستمر في هذا النهج.
ما يجري الآن أنه حتى شارون المتطرف جداً، الذي ارتكب ما نعرف من مجازر في قبية ودير ياسين وصبرا وشاتيلا، يواجه مشكلة جدية في اخلاء قطاع غزة، فماذا لو كان شيمون بيريس هو الذي يطرح اخلاء المستوطنات..؟!
لذلك مهم جداً أن يدخل اليمين الإسرائيلي في مواجهة مع نفسه..! وأن يقوم اليمين بكسر طرح اليمين، ومهم جداً تشجيع هذا التوجه.
إلى ذلك، مهم جداً أن يقوم شارون بتنفيذ هذه الخطوة، ويبعث رسالة مفادها أن لا خيار آخر للسلام إلا من خلال إنهاء الإحتلال. صحيح أنه يريد أن يحصر خطوته في قطاع غزة، وأنه لن يستطيع الإستمرار نتيجة لتوجهاته الأيديولوجية، غير أنه يقدم بذلك شرعية للآخرين كي يستمروا في الطريق.
لذلك، أنا مع اعطاء الفلسطينيين لشارون فرصة لينفذ الإنسحاب من قطاع غزة ومن المستوطنات في القطاع، ووضع شارون على المحك.
· أيهما أفضل للقضية الفلسطينية، فوز بوش أم كيري في انتخابات الرئاسة الأميركية..؟
ـ يفترض أن ترى ما يفعله خصمك لتعرف أين تكمن مصلحتك. لقد أفتى الحاخامات اليهود بأنه فرض عين على كل يهودي يحمل الجنسية الأميركية، حتى لو كان مقيما في اسرائيل، أن يتوجه لأميركا وينتخب بوش.
بالنسبة لنا، فإنه يصعب اكتشاف فوارق بين بوش وكيري فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وبالمناسبة، فإن كيري كان يهوديا وتنصر. وله أخ عاد للديانة اليهودية. وهو يؤكد في كل خطاباته الإنتخابية الإلتزامات التي قدمها بوش لشارون.
دور عرب اسرائيل
· ما دور المواطنين العرب داخل الخط الأخضر في الصراع..؟
ـ نحن دورنا يتجلى في شعار حزبنا "الوطنية الصادقة والمواطنة الكاملة". الوطنية الصادقة تعني دعم القضية الفلسطينية بشكل مسؤول، والمواطنة الكاملة تعني أننا لسنا على هامش المواطنة، فنحن اصحاب حق وأرض.
تطبيقا لهذا الشعار خرج المواطنون العرب إلى صناديق الإقتراع بنسبة عالية جداً بهدف اسقاط نتنياهو وانجاح باراك. وقد وصلت نسبة المصوتين العرب في انتخابات 1999 (80%)، وهي نسبة غير مسبوقة. وصوت 97% من العرب لباراك، بأمل انطلاق عملية السلام والمساواة.. خاصة وأن باراك أعلن أنه سيكون امتداداً لرابين، غير أنه فعل عكس ذلك، رغم أنه تمتع بأغلبية برلمانية لم يتمتع بها رابين. لقد حكم رابين بأقلية 56 عضو كنيست، ووفرنا له كنواب عرب كان عددنا خمسة، شبكة أمان رفعت اقليته إلى اغلبية بصوت واحد (61 صوتا من 120 نائبا). وبفضل اصواتنا وقع اتفاق اوسلو وغيره من الاتفاقات. اما باراك فبمجرد أن استلم الحكم اخرج العرب كليا خارج الصورة وتحالف مع "المحدال".. الحزب اليميني المتطرف، ثم تعامل بعدائية معنا وقتل منا 13 شهيداً في مواجهات. ولذلك، قاطع الناخبين العرب انتخابات المنافسة بين شارون وباراك. وفي انتخابات 2003 كانت نسبة المشاركة العربية 55% جراء الإحباط من نتائج انتخابات 1999. ونحن بالمناسبة نمثل 20% من سكان اسرائيل، غير أن تمثيلنا في الكنيست تراجع الآن إلى 6%.. إذ انخفض عددنا من عشرة نواب يضاف لهما نائبان باسم حزبي العمل وميرتس، إلى ثمانية نواب.
إلى ذلك، فقد سنت قوانين جديدة هامة تحرم العلاقات مع منظمات "ارهابية"، أو دول عدوة، في اشارة للفصائل الفلسطينية والدول العربية.
وكما ذكرت سابقاً، فإن هناك اتجاه الآن لرفع نسبة الحسم من 1,5% إلى 2,5% من أجل خفض تمثيل العرب في الكنيست.
وبالمناسبة، كانت اسرائيل منعت عند قيامها تشكيل احزاب عربية، بأمل أن يصوت العرب لصالح حزب "ماباي" برئاسة بن غوريون. وكان هنالك كذلك اتجاه لعدم اعطاء العرب حق التصويت. وفي 1968 منع تشكيل حركة الأرض. وقد أسس اول حزب عربي، هو الحزب العربي الديمقراطي عام 1988، ثم تتالى تشكيل احزاب اخرى.
· ما هو شعورك اتجاه عملية تقاسم الأرض بين الفلسطينيين واليهود..؟
ـ شعوري يؤكد أن كل أرض فلسطين هي للفلسطينيين، لكن هذا الشعور إن تحول إلى موقف سياسي فإنه يلقي بنا إلى جهنم. نحن مضطرون إلى المساومة وقبول المتاح في ضوء ميزان القوى. ثم إن هناك ايمان لدى اليهود بحق لهم في مقدساتهم في القدس، كما نؤمن نحن. أنا أرى أن تكون هناك مصالحة بين الطرحين، لأنه في ظل المعطيات الراهنة يمكن أن تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية رمزية نتغنى بها دون أن نحصل على شيء من الأرض والحقوق. التوجه الذي يرى نحن أو هم ليس عملياً. وأنا لا أريد أن اتحدث عن العواطف حتى لا يسجل علي موقف سياسي ادفع ثمنه دون أن أحصل على شيء.
وأريد أن ألفت نظرك إلى أن الذين يتظاهرون من اليهود ضد جدار العزل العنصري أكثر من الفلسطينيين.
كما أريد أن ألفت إلى أننا نبذل كل جهدنا، كمواطنين في دولة اسرائيل.. برلمانيا وجماهيريا في دعم اخواننا الفلسطينيين، بما لا يسلب أو ينزع مواطنتنا، أو يقدم لليمين ذرائع ليضرب شرعية وجودنا على ارضنا، علما أن الحركة الصهيونية تعتبر الإبقاء علينا على ارضنا خطأ تاريخي. ولهذا يسمح القانون الإسرائيلي الحالي للعربي أن يتزوج أي امرأة من أي دولة، لكنه أصبح يحرم علينا الزواج من فلسطينيات في الضفة الغربية أو غيرها، بعد أن أدت هذه الزيجات إلى عودة مائة ألف فلسطيني إلى فلسطين. القانون الإسرائيلي يتدخل في اختيار زوجاتنا بعد أن توقف آباءنا عن فعل ذلك.
ونحن علاقاتنا جيدة جدا مع السلطة الفلسطينية دون أن نتدخل في قضاياها الداخلية، مع أننا نقول آراءنا وانتقاداتنا بشكل واضح وصريح.
اخطاء السلطة
كما بدأت "العرب" الحوار، فإنها ختمته بالسؤالين التاليين:
· ما هي هذه الآراء والإنتقادات..؟
ـ وقعت السلطة الفلسطينية في عدة اخطاء منها ادخال التنظيمات كتنظيمات وعدم تحويلها إلى احزاب سياسية، والسماح بتعددية، بدلا من وحدانية السلطة، وتعددية السلاح بدلا من وحدانيته.. وذلك إلى جانب الفردية وعدم اقامة المؤسسات.
هذه مداخل أدت إلى ضرب امكانية النضال الفلسطيني الموحد واستراتيجية النضال الفلسطيني الموحد.
كذلك، فإنني اعتبر استخدام صواريخ القسام كذب في كذب. هذه الصواريخ تعطي اسرائيل امكانية استخدام كل وسائل القمع ضد الشعب الفلسطيني. هذا عمل غير مسؤول. تطلق صاروخ ليضرب روضة اطفال أو يقع في منطقة خالية. إذا ضرب روضة اطفال نحن نخسر لأنه يمس بشرعية نضالنا، وإذا وقع في منطقة خالية نكون لم نفعل شيئا، ومقابل ذلك، تقوم اسرائيل بتجريف مزارع الفلسطينيين وقصف منازلهم، واذلال شعب كامل باستخدام الطائرات والدبابات. هذه العمليات اعطت لشارون شرعية اللعب في ملعب هو الأقوى فيه.. الملعب العسكري، في حين أنه يفترض أن نجر شارون إلى الملعب السياسي الذي هو ضعيف فيه، لأنه لا يملك خيارات سياسية.
اسرائيل تملك اسلحة تكفي لمواجهة كل الدول العربية، فلماذا يلعب الفلسطينيون في ملعب المواجهة العسكرية منفردين..؟
الفلسطينيون يملكون القدرة على رفض الإملاءات الإسرائيلية ويقاوموا، لكنهم لا يملكون قدرة كافية لهزيمة اسرائيل عسكريا. لذلك يجب أن يجري العمل على تحييد قدرة اسرائيل العسكرية عبر استعمال المنطق.
الإنتفاضة الأولى انتصرت لأنها كانت ناجحة من حيث الوسائل والأهداف الواضحة، أما الإنتفاضة الثانية فإنها غير واضحة الوسائل والأهداف. ولذلك خسر الفلسطينيون المبادرة السياسية، والإنتفاضة ذاتها.. وأصبح شارون هو صاحب المبادرة السياسية، كما هو صاحب المبادرة العسكرية.
· خطة شارون للإنسحاب من غزة أليست أحد نتائج الإنتفاضة الثانية..؟
ـ السؤال معقد يصعب الإجابة عليه ببساطة. الإنتفاضة الثانية بدأت على خلفية فشل الإتفاق الذي انتجته الإنتفاضة الأولى، أو لنقل إن الإنتفاضة هي التي أدت إلى اجهاض الإتفاق الأول. لو استمر اوسلو لأدى لنتائج أخرى.
الإنتفاضة اعادت الوضع إلى البداية، والبحث عن طرق ومبادرات سياسية وبدائل من تينيت وغيره.. بعضها مؤقت وبعضها دائم، وخطة خارطة الطريق وصولاً إلى خطة الإنسحاب من قطاع غزة.
اوسلو نصت مرحلته الثالثة على اخلاء المستوطنات، اليوم نحن نبدأ بإخلاء مستوطنات قطاع غزة، لكن الحديث يدور عن قطاع غزة فقط بشكل منفصل عن الضفة الغربية.
بالإمكان القول كذلك أن الصمود الفلسطيني، وافشال مخطط شارون أدى إلى تحول في مواقف شارون. شارون كان تعهد لدى وصوله الحكم بإجهاض الإنتفاضة خلال مائة يوم، لكن مئات الأيام تتالت والإنتفاضة مستمرة. وقد قلت ذات مرة في مناقشات الكنيست إن شارون استخدم الطائرات والدبابات وكل شيء باستثناء شيء واحد لم يستخدمه.. ذلك هو العقل. ولو استخدم عقله لقتل الفلسطينيين. وهو لو استخدم العقل لأدرك عدم قدرته على قتل حلم شعب كامل في الحرية.
صحيح أن شارون قتل الكثير من الفلسطينيين وقصف واغتال، لكن المجتمع الإسرائيلي دفع ثمنا.. أكثر من ألف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى.. والإقتصاد الإسرائيلي دمر، فوجد شارون أنه يسير في طريق مسدود، فتحول موقفه بإتجاه مبادرة الإنسحاب من قطاع غزة. واضح أن الصمود الفلسطيني والإنتفاضة الفلسطينية هي التي أدت لهذا التحول في مواقف شارون.
غزة-دنيا الوطن
يتوقع طلب الصانع، نائب رئيس الحزب العربي الديمقراطي، ورئيس القائمة العربية الموحدة في الكنيست الإسرائيلي إجراء انتخابات عامة مبكرة في اسرائيل خلال العام المقبل، ستفرضها الحسابات السياسية للأحزاب الإسرائيلية، إن لم يكن يخطط لها ارئيل شارون رئيس الوزراء بهدف اضعاف خصومه داخل الليكود، وتجديد ولايته لأربع سنوات مقبلة.
ويبدي الصانع خلال حوار اجراه مع نخبة من الكتاب الأردنيين مساء الأحد، بدعوة من حمادة فراعنة عضو المجلس الوطني الفلسطيني، والعضو السابق في مجلس النواب الأردني، تردداً لجهة الحسم فيما يتعلق بنوايا شارون حيال خطة الإنسحاب من قطاع غزة. ففيما يقول إن التساؤلات تنصب الآن على متى يتم الإنسحاب..؟ لا على ما إذا كان سيكون هناك انسحابا، يعود إلى ايراد مسلكيات لشارون تشكك في صدقية نواياه..!
ويتحدث الصانع طويلا عن الأزمة الداخلية في اسرائيل والإحتمالات التي تترتب عليها، كما يتحدث أيضا عن دور عرب 1948 في دعم اشقائهم الفلسطينيين، دون أن يخلو الأمر من نقد واضح لممارسات السلطة ورئيسها ياسر عرفات الذي يأخذ الصانع عليهما السماح بعودة الفصائل الفلسطينية كتنظيمات دون تحولها لأحزاب سياسية، وعدم اقامة مؤسسات واستمرار انفراد عرفات بالسلطة، وسماحه بتعدد السلاح بدلا من وحدانيته ووحدانية السلطة.
ويرى الصانع أن اسرائيل لم تقرر مهاجمة سوريا عقب عملية بئر السبع الإستشهادية المزدوجة التي نفذتها "حماس" مؤخراً، ويصف صواريخ القسام التي تستخدمها "حماس" بأنها كذب في كذب، ويقول إنها جعلت المبادرة السياسية، كما العسكرية بيد شارون.
قبل أن تنهال الأسئلة، كان الصانع قدم مداخلة شرح فيها الوضع الداخلي في اسرائيل قائلا:
بدأ طلب الصانع الحديث مقدما تصوره للوضع السياسي القائم حاليا في اسرائيل، حيث يرى أن الظروف القائمة تحتم، إن لم تكن ترجح، اجراء انتخابات عامة مبكرة خلال عام 2005، ملاحظا ابتداء أن المبادرات السياسية والتعامل معها يؤدي إلى تقوية اليسار والمركز، واضعاف اليمين في اسرائيل، بعكس المواجهات العسكرية التي تؤدي إلى تقوية اليمين والمركز واضعاف اليسار.. ذلك أن المجتمع الإسرائيلي اعتاد أن يفوض اليسار بالمفاوضات، واليمين بالمواجهات.
ويطرح الصانع نموذجان على ذلك قائلا إن توجه حكومة اسحاق شامير إلى مؤتمر مدريد اواخر العام 1991 أدى إلى الإطاحة بها في الإنتخابات التالية، ووصول حزب العمل إلى السلطة، في حين أن الإنتفاضة الفلسطينية أدت إلى اسقاط حكومة حزب العمل برئاسة ايهود باراك، وعودة الليكود إلى الحكم برئاسة ارئيل شارون. ويرد الصانع ذلك إلى عوامل نفسية اجتماعية وأخرى سياسية، مشيرا في ذات الوقت إلى أن حكومة الليكود برئاسة مناحيم بيغن هي التي توصلت إلى معاهدة سلام جادة مع مصر ونفذتها.
وفيما يتعلق بالوضع الحكومي والسياسي الحالي في اسرائيل يراه الصانع غريبا. ففيما يمثل الليكود اليمين في الحكم، يمثل رئيسه ورئيس حكومته ارئيل شارن الخطاب السياسي واليسار، وكأنه هو من يمثل المعارضة، لا حزب العمل واليسار.. أي أن شارون الآن هو بديل الليكود، كما أن الليكود هو بديل شارون.
وكي تكتمل المفارقة، يلفت الصانع إلى أن معارضة حكومة شارون لم تعد برلمانية داخل الكنيست، كما هو العرف، لكنها معارضة حكومية.. أي من داخل حكومته ذاتها، في حين أن المعارضة البرلمانية للحكومة تدعم رئيس الحكومة ضد المعارضة الموجودة داخل حكومته..!
ويفسر الصانع ذلك بأن طرح شارون السياسي، كما يتبدى في خطته للإنسحاب الأحادي من قطاع غزة، لا يمثل التوجهات السياسية اليمينية لليكود، ملاحظا التحول الذي احدثته الإنتفاضة الفلسطينية في مواقف شارون الذي فاز في الإنتخابات الماضية على قاعدة شعارات مثل "دعوا الجيش ينتصر".."استبدال المفاوضات بالدبابات". وينوه الصانع هنا إلى أن عمرام متسناع زعيم حزب العمل السابق هو اول من طرح فكرة الإنسحاب من قطاع غزة أولا، ليتبنى شارون هذا الشعار لاحقاً.
ويرى الصانع أن الإنسحاب من قطاع غزة لم يعد مجرد فرضية، بل أصبح قضية جدية محل التزام من قبل شارون الذي تحول بشعاره من المناقشات إلى التنفيذ، دون أن يمنع ذلك الصانع من التساؤل: ولكن ما الهدف من خطة شارون..؟ هل هي مبادرة سياسية، أم أنها تهدف إلى اجهاض مبادرة سياسية أخرى..؟!
ويجيب على تساؤله مؤكداً أن القضية المطروحة الآن هي متى يتم الإنسحاب وليس هل يتم الإنسحاب من غزة..؟!
وينتقل الصانع إلى الحديث عن الأزمة الراهنة التي يراها داخل اليمين الإسرائيلي، مشخصاً هذه الأزمة من وجهة نظره في تحول هذا اليمين من الإيمان بالإستيطان وأرض اسرائيل الكبرى، واستخدام القوة العسكرية، إلى مناقشة قيامه هو بالإنسحاب من قطاع غزة والضفة الغربية، لافتا إلى أهمية الرمزية الكامنة في مشروع شارون عبر الإشارة إلى انسحاب من اربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية بالتزامن مع الإنسحاب من قطاع غزة، وذلك على غرار سابقة "غزة ـ اريحا أولا"، التي وصفها بأنها لم تكن مجرد صدفة.
ويقول الصانع: سابقا كان اليمين الإسرائيلي يؤكد على اهمية المستوطنات لأمن اسرائيل، وهو الآن يناقش ما إذا كانت ازالتها عامل معهم لتحقيق السلام والأمن لإسرائيل، باعتبارها تحولت إلى عبء على أمن اسرائيل.
سلوكيات واحتمالات
لكن الصانع لا يمنح ثقة كاملة لطروحات شارون، بل هو يرى في سلوكياته السياسية ما يدعو إلى التساؤل بشأن صدقية طروحاته ونواياه، طارحا نموذجين من سلوك شارون الذي يدعو إلى التشكك:
النموذج الأول: طرح شارون لقضية الإنسحاب من قطاع غزة على الإستفتاء داخل حزب الليكود، علما أنه يملك اغلبية مؤيدة لهذه الخطة داخل الكنيست بفضل تأييدها من قبل نواب احزاب معارضة.
النموذج الثاني: طرح شارون لخطته على مركز الليكود بعد أن خسر الأغلبية البرلمانية جراء طرده وزيرين من حكومته.
ويتابع الصانع لافتا إلى أن شارون اضاع فرصة ثمينة للإئتلاف مع حزب العمل، حيث كان لديه وقت كاف لانجاز هذا الإئتلاف خلال الثلاثة أشهر الماضية، لكنه فضل اضاعة هذا الزمن الثمين في المناورة والتأجيل، ما منح معارضي الإئتلاف داخل حزب العمل فرصة لأن يقووا ويتمكنوا من انتزاع قرار من مركز الحزب بعدم الإئتلاف مع الليكود.
ما هي الإحتمالات المتاحة إذاً في ضوء هذه الرؤية..؟
السؤال يطرحه الصانع نفسه، ويجيب عليه طارحا خيارين:
الخيار الأول: أن يكون شارون يعمل من أجل اجراء انتخابات مبكرة يخوضها على قاعدة خطة الإنسحاب من قطاع غزة، حيث تحظى خطته بتأييد واسع النطاق داخل المجتمع الإسرائيلي. وفي هذه الحالة يضمن شارون دعما شعبيا واسعا لخطته عبر صناديق الإقتراع، كما يضمن أيضاً التمديد له لأربع سنوات أخرى رئيسا للحكومة. ومن شأن ذلك بطبيعة الحال أن يضعف معارضيه داخل الليكود.
الخيار الثاني: أن يضع الليكود بين المطرقة والسندان، عبر تخييره بين الموافقة على الإئتلاف مع حزب العمل والحصول على اغلبية برلمانية، أو اجراء انتخابات مبكرة من شأن اجرائها تهديد بقاء عدد من نواب الليكود في الكنيست. وبالتالي، فإن شارون يعمل عبر التلويح بالإنتخابات المبكرة على اخضاع معارضيه من نواب الليكود.
ويلفت الصانع إلى أن حكومة شارون ستواجه لدى انتهاء العطلة الصيفية للكنيست في 11 تشرين أول/اكتوبر المقبل قضيتين هامتين جدا هما:
الأولى: اقرار الموازنة العامة.
الثانية: اقرار القوانين المتعلقة بالإنسحاب من قطاع غزة.
ويرى الصانع أن حكومة شارون ستنجح في تمرير القوانين المتعلقة بالإنسحاب من قطاع غزة جراء تأييد نواب احزاب معارضة لذلك، لكنها لن تنجح في تمرير مشروع الموازنة العامة.
ويبدي الصانع هنا أن تداعيات القوانين المتعلقة بالإنسحاب ستكون مأساوية على حكومة شارون.. ذلك أنها ستؤدي إلى ثورة المعارضة داخل حكومته، وانسحاب اربعة اعضاء كنيست من حزب المحدال بقيادة الوزير اوفيلت من الإئتلاف الحكومي، ما يجعل حكومة شارون حكومة اقلية عاجزة عن تمرير الموازنة العامة.
انتخابات مبكرة
وهنا، يقول الصانع إن حشد اغلبية مؤيدة للموازنة هي مهمة بنيامين نتنياهو وزير المالية، وخصم شارون العنيد، الذي سيبدي لا مبالاة ازاء تمرير الموازنة من عدمه، إن كان هدفه انتخابات مبكرة، واضعاف معارضيه داخل الليكود. ويلفت إلى أن عدم اقرار الموازنة العامة حتى آذار/مارس المقبل يعتبر في اسرائيل بمثابة حجب للثقة عن الحكومة، وهو يلزم بإجراء انتخابات مبكرة.
ويرى الصانع أن كل التصورات تؤكد ان الإنتخابات المبكرة هي خيار قائم عام 2005، ما لم يعمل شارون على الإلتفاف على العقبات التي تحول دون دخول حزب العمل في ائتلافه الحكومي.
غير أن هذا الأمر يستدعي سرعة التحرك، كما يقول الصانع، لافتا إلى أن الأزمة الداخلية في حزب العمل مرهونة ومرتبطة بتاريخ انتهاء الرئاسة المؤقتة للحزب التي يتولاها شيمون بيريس حتى كانون أول/ديسمبر من العام المقبل.. ذلك أن الإقتراب من هذا التاريخ يدفع باتجاه ازدياد المنافسة على قيادة الحزب، وما يرافق ذلك من تشنجات وعمليات استقطاب متبادلة تقلل امكانية التوافق على الإئتلاف مع الليكود، كما تقلل من أهمية الإئتلاف ذاته إن كان سيكون لفترة قصيرة لا تتجاوز عدة أشهر، وهذا ما يجعل شارون نفسه يغض النظر عن المسألة.
عدم الإئتلاف مع العمل لا يبقي لشارون غير الإنتخابات المبكرة، حتى إن كان لا يريدها، أو مقايضة احزاب دينية أخرى: تخصيص ميزانيات لها، مقابل تمريرها للموازنة العامة..! والحزبان المرشحان لهذه المهمة، كما يقول الصانع، هما حزب "شاس" و"يهدوت هتورا"، وهذا لا يقيم تحالفا دائما، وانما تحالفا مؤقتا لا يضمن استمرارية واستقرار حكومة تريد أن تحكم لا فقط أن تطيل عمرها في الحكم. ويلفت الصانع إلى أن حزب "شاس" يطالب بزيادة الدعم الحكومي المالي لمؤسساته الدينية، كما أن حزب "يهدوت هتورا" يطالب بتخصيص دعم مالي له. وعلى ذلك يمكن لشارون أن يدعم موازنتي الحزبين مقابل دعمهما للموازنة العامة.
حين اتضحت الصورة، كما رسمها الصانع، كان قد نضج العديد من الأسئلة، بدءاً بخمسة بدأت "العرب" بها الحوار:
بين شارون ومتسناع
· ما هو الفارق بين مشروع متسناع للإنسحاب من غزة، ومشروع شارون.. هل هناك تطابق أم افتراق في الرؤيتين..؟
ـ لقد طرح متسناع الإنسحاب من قطاع غزة انطلاقاً من قناعة بأن يكون الإنسحاب من المستوطنات في القطاع خطوة على طريق الإنسحاب من مستوطنات الضفة. ولدى متسناع تصور وبرنامج سلمي كامل، في كل ما يخص القطاع والضفة والقدس والمستوطنات، وهو ينسجم مع خطة كلينتون، وكان شريكا غير مباشر في اعداد وثيقة جنيف.
أما شارون، فإنه تبنى الإنسحاب من قطاع غزة متأخراً، وهو فعل ذلك ليس من خلال رؤية متكاملة للسلام، وإنما من خلال مناورة سياسية.
الهدف المطروح من قبل شارون هو عدم الربط بين الإنسحاب من قطاع غزة واربع مستوطنات في شمال الضفة عبر خطة سلام كاملة، وعدم الربط بين خطته وخارطة الطريق التي تؤدي إلى حل كامل. هو يقول امام حكومته إن خارطة الطريق انتهت لأن السلطة الفلسطينية لم تقم بنزع اسلحة المنظمات "الإرهابية". وحين اقرت حكومة شارون "خارطة الطريق"، ارفقت ذلك بـ14 تحفظا كل واحد منها كفيل بإلغاء الخطة.
ثم إن شارون طرح خطته متأخراً بهدف قطع الطريق على مبادرات دولية أو اقليمية، وسيكون هو كرئيس حكومة، لا سواه، صاحب مبادرة سياسية. وبالفعل، فإن طرح خطة شارون أوقف الحديث عن خارطة الطريق، والمبادرة العربية لقمة بيروت، ووثيقة جنيف.. الكل بات ينتظر ما يريده شارون ومتى سينفذ خطته.
ثم إن شارون يمثل اليمين الإسرائيلي الذكي، بمعنى أنه يريد اخلاء مستوطنات في قطاع غزة من أجل أن يكرس الإحتلال في الضفة الغربية. ونحن نرى أنه لا يقوم بإخلاء مستوطنات، بالعكس هو يقوم ببناء مستوطنات جديدة في الضفة. وقد قررت حكومته مؤخراً اقامة 1800 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات الضفة. كما أنه مستمر في اقامة السور العازل مع اجراء تغيير طفيف في مساره.
إلى ذلك، فإن شارون لا يلتزم بعدم العودة لإحتلال قطاع غزة، بل هو يصر على أن تظل الممرات البرية والمائية، وكذلك اجواء القطاع، تحت الهيمنة الإسرائيلية. ويتمسك بحقه في المطاردة والقصف والإغتيال داخل القطاع، ما يعني أن الإنسحاب في تصور شارون هو مناورة وليس جزءا من رؤية سياسية، بل هو جزء من رؤية احتلالية تهدف إلى ترسيخ الإحتلال.
ومع ذلك، فإن شارون نجح في تسويق خطته باعتبارها خطة سلام.. أصبحت هناك مبادرة، كما سوق نفسه كرجل سلام، وحصل على مكاسب في القضايا الجوهرية من خلال هذه الخطة تجلت في الإلتزامات التي حصل عليها من بوش في كل ما يخص قضية اللاجئين والحدود والكتل الإستيطانية مقابل قطاع غزة. ونحن ندرك اهمية الموقف والإلتزام الأميركي، لأن الولايات المتحدة ليست مكرونيزيا..!
باراك عائد
· في حال اجراء انتخابات اسرائيلية عامة العام المقبل، ما هي التغيرات التي تتوقعها على الخارطة السياسية في اسرائيل..؟
ـ لا أتوقع تغيرات هامة. اتوقع نتائج داخل الكنيست قريبة من الوضع الحالي. قد يزيد عدد نواب حركة ميرتس قليلاً، ولكن دون حدوث تغيرات جوهرية.
وأود أن ألفت هنا إلى أن هنالك اتجاه لتقليل نسبة الحسم في الإنتخابات المقبلة لتصبح 2,5% بدلاً من 1,5%، وهذا من شأنه أن يقلل فرص الأحزاب العربية الصغيرة بالفوز، ما لم يتم العمل على توحيد هذه الأحزاب في لائحة انتخابية واحدة. ولدى تصور من شأنه أن يسهل تشكيل اللائحة الموحدة، وهو يقضي بإجراء انتخابات فرعية بحيث يتم ترتيب اسماء المرشحين في اللائحة الموحدة، ولتكن لائحتان، على اساس الفرص الحقيقية بالفوز.
· من هم منافسو بيريس على زعامة حزب العمل حين تنتهي ولايته كرئيس مؤقت للحزب نهاية 2005..؟
ـ جميع نواب حزب العمل في الكنيست طامحون في خلافة بيريس بزعامة الحزب في ظل عدم وجود قائد قوي يفرض نفسه. ومن جهتي أعتقد أن حزب العمل قد يلجأ مجدداً لإنتخاب ايهود باراك رئيسا له.
· ما انعكاس كل هذه الرؤى التي شرحتها على تنفيذ خطة شارون للإنسحاب الأحادي من قطاع غزة..؟
ـ المسألة ليست مرهونة فقط بما شرحته بشأن تفاصيل الوضع الداخلي الإسرائيلي. لكنها متصلة كذلك بنوايا شارون الحقيقية التي يصعب التنبؤ بها. كما أنها متصلة بالوضع الفلسطيني المقابل.
عزل سوريا لا قصفها
· واضح أنه لا انتقام اسرائيلي من سوريا يعقب اتهام سوريا بالمسؤولية عن العملية الإستشهادية المزدوجة في بئر السبع.. لماذا..؟
ـ الهدف ليس الإنتقام من خلال القيام بعملية عسكرية مباشرة ضد سوريا. مجرد تركيز الأضواء على سوريا كمركز لعمليات يسمونها "ارهابية"، وربط سوريا بهذه العملية، في ظل الموقف الأميركي وطرح قضايا تخص سوريا في مجلس الأمن يضعف دور سوريا وشرعيتها ومكانتها، ويعزز موقع اسرائيل ويضع سوريا في قفص الإتهام. وبالتالي، فإن محاولة الربط بين سوريا وهذه العملية لم تأت بشكل عفوي.
سوريا تعتبر خصما، وبالتالي تعمل اسرائيل دائما على اضعافها.
· لكن التصريحات الصادرة عن الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية تنفي علاقة سوريا بالعملية، خلافا لتصريحات يعالون رئيس الأركان الذي فهم منها أن رداً عسكرياً على سوريا بات محتما.. لم هذا التراجع..؟
ـ أنا شخصيا لم اتوقع عملية عسكرية اسرائيلية ضد سوريا.
· لماذا..؟
ـ لعدم وجود دليل قاطع وثابت بشأن علاقة سوريا بعملية بئر السبع. ثم إن عملية عسكرية ضد سوريا ستؤدي إلى تفاعلات وردود فعل. الحديث هنا يدور عن دول، لا عن عمليات بسيطة.
غير متوقع في ظل واقع سياسي معين، والهجمة الأميركية على العراق، أن تقوم اسرائيل بخوض مواجهة عسكرية مع سوريا، بالتزامن كذلك مع الإشكاليات القائمة مع الفلسطينيين. الأمر ليس بهذه البساطة في هذا الظرف، خاصة وأن الموقف الدولي لإسرائيل وحكومة شارون ليس بهذه السهولة. حكومة شارون ليست في افضل حالاتها، وهي ليست على ظهور خيلها عقب قرار محكمة العدل الدولية فيما يخص الجدار العازل. اسرائيل ليست في حاجة إلى استعداء، أو أن تكسب المزيد من النقاط السلبية ضدها. هي بحاجة لأن تسلب مكاسب من سوريا، وأن تحاصرها سياسيا.
وبالمناسبة، الجميع في اسرائيل كان يتوقع عملية ردا على اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي. والجميع كان يتوقع أن تكون هذه العملية في الجنوب، بعد أن اكتمل بناء الجدار العازل في الشمال. وبالتالي، فإن ردود الفعل الإسرائيلية لم تقتصر على اتهام سوريا، إذ جرى كذلك تبادل اتهامات بالتقصير داخل اسرائيل ذاتها.
وتتالت الأسئلة على الصانع من مختلف الزملاء، وننتخب منها:
· ما هي التغيرات التي تتوقعها على حكومة شارون في حال اجراء انتخابات مبكرة..؟
ـ في تصوري أن التغير لن يكون في التركيبة الحزبية، وإنما في التركيبة الإئتلافية. بمعنى أنه ستقام بعد الإنتخابات حكومة تستطيع أن تنفذ البرنامج السياسي، وأعني بذلك خارطة الطريق.
ما حدث عقب الإنتخابات السابقة أن شارون شكل حكومة حرب بإمكانها أن تنفذ كل الجرائم التي تخطر أو لا تخطر على البال. وهي استطاعت أن تفعل ذلك دون مساءلة، ودون أن تواجه أزمة. لقد بدأت الأزمات تواجه هذه الحكومة حين بدأت تناقش قضايا سياسية، لأن هذه الحكومة لم تشكل لطرح مبادرات سياسية. اما الحكومة المقبلة فستبنى من الأساس لتتمكن من التقدم في المسار السياسي، أو تنفيذ خطة خارطة الطريق. بمعنى أنه لن يجري تغيير على التركيبة الحزبية، وانما الإئتلاف الحكومي سيكون مختلفا من حيث المنطلقات والخطوط السياسية العريضة. وبالتالي، إذا تم التغيير الذي سيتم اجراءه في هذه الحالة سينسجم مع التوجه السياسي لهذه الحكومة، بعد ان أصبح شارون اسيرا للإئتلاف اليميني الذي شكل منه حكومته الحالية. وهو من أجل أن تكون له اغلبية بين وزرائه، اضطر إلى فصل الوزيرين آلون وليبرمان.
أنا أرى أهمية كبرى في قيام اليمين الإسرائيلي باقتلاع مستوطنات. هذه سابقة مهمة، لأنه حتى رابين وبيريس اللذان وقعا اتفاق اوسلو لم يقوما باقتلاع مستوطنة واحدة، رغم أن مذبحة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المجرم غولدشتاين مثلت فرصة ذهبية لرابين ليقوم بإخلاء المستوطنين من الخليل، لكنه لم يفعل.
مهم جداً أن يقوم شارون بإخلاء مستوطنات. كما أن اخلاء مستوطنات من قبل اليمين يمثل ضربة للطرح الأيديولوجي لليمين بالتوسع والإستيطان، ويمنح شرعية لأي قوى سلام أخرى كي تستمر في هذا النهج.
ما يجري الآن أنه حتى شارون المتطرف جداً، الذي ارتكب ما نعرف من مجازر في قبية ودير ياسين وصبرا وشاتيلا، يواجه مشكلة جدية في اخلاء قطاع غزة، فماذا لو كان شيمون بيريس هو الذي يطرح اخلاء المستوطنات..؟!
لذلك مهم جداً أن يدخل اليمين الإسرائيلي في مواجهة مع نفسه..! وأن يقوم اليمين بكسر طرح اليمين، ومهم جداً تشجيع هذا التوجه.
إلى ذلك، مهم جداً أن يقوم شارون بتنفيذ هذه الخطوة، ويبعث رسالة مفادها أن لا خيار آخر للسلام إلا من خلال إنهاء الإحتلال. صحيح أنه يريد أن يحصر خطوته في قطاع غزة، وأنه لن يستطيع الإستمرار نتيجة لتوجهاته الأيديولوجية، غير أنه يقدم بذلك شرعية للآخرين كي يستمروا في الطريق.
لذلك، أنا مع اعطاء الفلسطينيين لشارون فرصة لينفذ الإنسحاب من قطاع غزة ومن المستوطنات في القطاع، ووضع شارون على المحك.
· أيهما أفضل للقضية الفلسطينية، فوز بوش أم كيري في انتخابات الرئاسة الأميركية..؟
ـ يفترض أن ترى ما يفعله خصمك لتعرف أين تكمن مصلحتك. لقد أفتى الحاخامات اليهود بأنه فرض عين على كل يهودي يحمل الجنسية الأميركية، حتى لو كان مقيما في اسرائيل، أن يتوجه لأميركا وينتخب بوش.
بالنسبة لنا، فإنه يصعب اكتشاف فوارق بين بوش وكيري فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وبالمناسبة، فإن كيري كان يهوديا وتنصر. وله أخ عاد للديانة اليهودية. وهو يؤكد في كل خطاباته الإنتخابية الإلتزامات التي قدمها بوش لشارون.
دور عرب اسرائيل
· ما دور المواطنين العرب داخل الخط الأخضر في الصراع..؟
ـ نحن دورنا يتجلى في شعار حزبنا "الوطنية الصادقة والمواطنة الكاملة". الوطنية الصادقة تعني دعم القضية الفلسطينية بشكل مسؤول، والمواطنة الكاملة تعني أننا لسنا على هامش المواطنة، فنحن اصحاب حق وأرض.
تطبيقا لهذا الشعار خرج المواطنون العرب إلى صناديق الإقتراع بنسبة عالية جداً بهدف اسقاط نتنياهو وانجاح باراك. وقد وصلت نسبة المصوتين العرب في انتخابات 1999 (80%)، وهي نسبة غير مسبوقة. وصوت 97% من العرب لباراك، بأمل انطلاق عملية السلام والمساواة.. خاصة وأن باراك أعلن أنه سيكون امتداداً لرابين، غير أنه فعل عكس ذلك، رغم أنه تمتع بأغلبية برلمانية لم يتمتع بها رابين. لقد حكم رابين بأقلية 56 عضو كنيست، ووفرنا له كنواب عرب كان عددنا خمسة، شبكة أمان رفعت اقليته إلى اغلبية بصوت واحد (61 صوتا من 120 نائبا). وبفضل اصواتنا وقع اتفاق اوسلو وغيره من الاتفاقات. اما باراك فبمجرد أن استلم الحكم اخرج العرب كليا خارج الصورة وتحالف مع "المحدال".. الحزب اليميني المتطرف، ثم تعامل بعدائية معنا وقتل منا 13 شهيداً في مواجهات. ولذلك، قاطع الناخبين العرب انتخابات المنافسة بين شارون وباراك. وفي انتخابات 2003 كانت نسبة المشاركة العربية 55% جراء الإحباط من نتائج انتخابات 1999. ونحن بالمناسبة نمثل 20% من سكان اسرائيل، غير أن تمثيلنا في الكنيست تراجع الآن إلى 6%.. إذ انخفض عددنا من عشرة نواب يضاف لهما نائبان باسم حزبي العمل وميرتس، إلى ثمانية نواب.
إلى ذلك، فقد سنت قوانين جديدة هامة تحرم العلاقات مع منظمات "ارهابية"، أو دول عدوة، في اشارة للفصائل الفلسطينية والدول العربية.
وكما ذكرت سابقاً، فإن هناك اتجاه الآن لرفع نسبة الحسم من 1,5% إلى 2,5% من أجل خفض تمثيل العرب في الكنيست.
وبالمناسبة، كانت اسرائيل منعت عند قيامها تشكيل احزاب عربية، بأمل أن يصوت العرب لصالح حزب "ماباي" برئاسة بن غوريون. وكان هنالك كذلك اتجاه لعدم اعطاء العرب حق التصويت. وفي 1968 منع تشكيل حركة الأرض. وقد أسس اول حزب عربي، هو الحزب العربي الديمقراطي عام 1988، ثم تتالى تشكيل احزاب اخرى.
· ما هو شعورك اتجاه عملية تقاسم الأرض بين الفلسطينيين واليهود..؟
ـ شعوري يؤكد أن كل أرض فلسطين هي للفلسطينيين، لكن هذا الشعور إن تحول إلى موقف سياسي فإنه يلقي بنا إلى جهنم. نحن مضطرون إلى المساومة وقبول المتاح في ضوء ميزان القوى. ثم إن هناك ايمان لدى اليهود بحق لهم في مقدساتهم في القدس، كما نؤمن نحن. أنا أرى أن تكون هناك مصالحة بين الطرحين، لأنه في ظل المعطيات الراهنة يمكن أن تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية رمزية نتغنى بها دون أن نحصل على شيء من الأرض والحقوق. التوجه الذي يرى نحن أو هم ليس عملياً. وأنا لا أريد أن اتحدث عن العواطف حتى لا يسجل علي موقف سياسي ادفع ثمنه دون أن أحصل على شيء.
وأريد أن ألفت نظرك إلى أن الذين يتظاهرون من اليهود ضد جدار العزل العنصري أكثر من الفلسطينيين.
كما أريد أن ألفت إلى أننا نبذل كل جهدنا، كمواطنين في دولة اسرائيل.. برلمانيا وجماهيريا في دعم اخواننا الفلسطينيين، بما لا يسلب أو ينزع مواطنتنا، أو يقدم لليمين ذرائع ليضرب شرعية وجودنا على ارضنا، علما أن الحركة الصهيونية تعتبر الإبقاء علينا على ارضنا خطأ تاريخي. ولهذا يسمح القانون الإسرائيلي الحالي للعربي أن يتزوج أي امرأة من أي دولة، لكنه أصبح يحرم علينا الزواج من فلسطينيات في الضفة الغربية أو غيرها، بعد أن أدت هذه الزيجات إلى عودة مائة ألف فلسطيني إلى فلسطين. القانون الإسرائيلي يتدخل في اختيار زوجاتنا بعد أن توقف آباءنا عن فعل ذلك.
ونحن علاقاتنا جيدة جدا مع السلطة الفلسطينية دون أن نتدخل في قضاياها الداخلية، مع أننا نقول آراءنا وانتقاداتنا بشكل واضح وصريح.
اخطاء السلطة
كما بدأت "العرب" الحوار، فإنها ختمته بالسؤالين التاليين:
· ما هي هذه الآراء والإنتقادات..؟
ـ وقعت السلطة الفلسطينية في عدة اخطاء منها ادخال التنظيمات كتنظيمات وعدم تحويلها إلى احزاب سياسية، والسماح بتعددية، بدلا من وحدانية السلطة، وتعددية السلاح بدلا من وحدانيته.. وذلك إلى جانب الفردية وعدم اقامة المؤسسات.
هذه مداخل أدت إلى ضرب امكانية النضال الفلسطيني الموحد واستراتيجية النضال الفلسطيني الموحد.
كذلك، فإنني اعتبر استخدام صواريخ القسام كذب في كذب. هذه الصواريخ تعطي اسرائيل امكانية استخدام كل وسائل القمع ضد الشعب الفلسطيني. هذا عمل غير مسؤول. تطلق صاروخ ليضرب روضة اطفال أو يقع في منطقة خالية. إذا ضرب روضة اطفال نحن نخسر لأنه يمس بشرعية نضالنا، وإذا وقع في منطقة خالية نكون لم نفعل شيئا، ومقابل ذلك، تقوم اسرائيل بتجريف مزارع الفلسطينيين وقصف منازلهم، واذلال شعب كامل باستخدام الطائرات والدبابات. هذه العمليات اعطت لشارون شرعية اللعب في ملعب هو الأقوى فيه.. الملعب العسكري، في حين أنه يفترض أن نجر شارون إلى الملعب السياسي الذي هو ضعيف فيه، لأنه لا يملك خيارات سياسية.
اسرائيل تملك اسلحة تكفي لمواجهة كل الدول العربية، فلماذا يلعب الفلسطينيون في ملعب المواجهة العسكرية منفردين..؟
الفلسطينيون يملكون القدرة على رفض الإملاءات الإسرائيلية ويقاوموا، لكنهم لا يملكون قدرة كافية لهزيمة اسرائيل عسكريا. لذلك يجب أن يجري العمل على تحييد قدرة اسرائيل العسكرية عبر استعمال المنطق.
الإنتفاضة الأولى انتصرت لأنها كانت ناجحة من حيث الوسائل والأهداف الواضحة، أما الإنتفاضة الثانية فإنها غير واضحة الوسائل والأهداف. ولذلك خسر الفلسطينيون المبادرة السياسية، والإنتفاضة ذاتها.. وأصبح شارون هو صاحب المبادرة السياسية، كما هو صاحب المبادرة العسكرية.
· خطة شارون للإنسحاب من غزة أليست أحد نتائج الإنتفاضة الثانية..؟
ـ السؤال معقد يصعب الإجابة عليه ببساطة. الإنتفاضة الثانية بدأت على خلفية فشل الإتفاق الذي انتجته الإنتفاضة الأولى، أو لنقل إن الإنتفاضة هي التي أدت إلى اجهاض الإتفاق الأول. لو استمر اوسلو لأدى لنتائج أخرى.
الإنتفاضة اعادت الوضع إلى البداية، والبحث عن طرق ومبادرات سياسية وبدائل من تينيت وغيره.. بعضها مؤقت وبعضها دائم، وخطة خارطة الطريق وصولاً إلى خطة الإنسحاب من قطاع غزة.
اوسلو نصت مرحلته الثالثة على اخلاء المستوطنات، اليوم نحن نبدأ بإخلاء مستوطنات قطاع غزة، لكن الحديث يدور عن قطاع غزة فقط بشكل منفصل عن الضفة الغربية.
بالإمكان القول كذلك أن الصمود الفلسطيني، وافشال مخطط شارون أدى إلى تحول في مواقف شارون. شارون كان تعهد لدى وصوله الحكم بإجهاض الإنتفاضة خلال مائة يوم، لكن مئات الأيام تتالت والإنتفاضة مستمرة. وقد قلت ذات مرة في مناقشات الكنيست إن شارون استخدم الطائرات والدبابات وكل شيء باستثناء شيء واحد لم يستخدمه.. ذلك هو العقل. ولو استخدم عقله لقتل الفلسطينيين. وهو لو استخدم العقل لأدرك عدم قدرته على قتل حلم شعب كامل في الحرية.
صحيح أن شارون قتل الكثير من الفلسطينيين وقصف واغتال، لكن المجتمع الإسرائيلي دفع ثمنا.. أكثر من ألف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى.. والإقتصاد الإسرائيلي دمر، فوجد شارون أنه يسير في طريق مسدود، فتحول موقفه بإتجاه مبادرة الإنسحاب من قطاع غزة. واضح أن الصمود الفلسطيني والإنتفاضة الفلسطينية هي التي أدت لهذا التحول في مواقف شارون.

التعليقات