جامعيون مغاربة معاقون يواصلون اعتصاما عمّر طويلا شعاره نريد شغلا.. نريد خبزا
غزة-دنيا الوطن
في كل صباح، وقبل أن تلج إلي مكتبها في حي أكدال بالرباط، تمر الوزيرة المغربية المكلفة بالأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين ياسمينة بادو علي مجموعة من المعاقين، تبتسم لهم، وتسألهم عن أحوالهم وتتمني لهم قضاء يوم طيب.
هكذا تفعل كل يوم باستثناء أيام السبت والأحد والأعياد الوطنية والدينية والعطل الإدارية أو في أوقات السفر إلي الخارج.
تواظب علي هذا الأمر منذ ثلاثة أشهر تقريبا، عندما حل بباب وزارتها 27 معاقا مجازا (حاصل علي ليسانس) للمطالبة بحقهم في الشغل. ثلاثة أشهر مرت أصبحت خلالها خيامهم المهترئة المبنية بقطع الورق المقوي والبلاستيك جزءا لا يتجزأ عن مبني الوزارة.
ففي شارع الأبطال ، بحي كدال الراقي، وحيث لا توجد غير العمارات والمحلات التجارية الراقية، نصبوا خيامهم. في البدء توقف كل الناس لاكتشاف سر هذه الخيام التي نبتت فجأة وسط العمارات. عرفوا حقيقة الأمر، بل وأصبح السؤال عن تغيبهم إن غابوا.
قصتهم، بدأت في شباط/فبراير 2000، وإن كانت معاناتهم بدأت قبل ذلك بكثير، فقد ارتبطت بإعاقة حركية منهم من ولدت معه ومنهم من فجع بها بفعل حادث أو مرض ، وعمقها عدم توفير فرصة شغل لهم عقب تخرجهم من الجامعة.
أعمارهم تتراوح بين الثلاثين والاثنين والأربعين، وتخصصاتهم مختلفة اختلاف مناطقهم التي جاؤوا منها.
فمنهم الحاصل علي إجازة (ليسانس) في الأدب العربي ومنهم المجاز في الدراسات الإسلامية أو في الرياضيات أو الفيزياء أو الإعلاميات أو الجغرافيا.
قبل أربع سنوات، وبالضبط في شهر شباط/فبراير أسسوا مجموعة المجازين المعطلين للدفاع عن حقهم في الشغل، ومنذ ذلك الحين بدأوا بخوض الكثير من الأشكال النضالية : أضربوا عن الطعام 35 يوما ، وهددوا بإحراق أنفسهم، وربطوا أنفسهم بالسلاسل في شباك البرلمان، ونظموا مسيرات ووقفات احتجاجية عديدة قبالة البرلمان ووزارة التشغيل ووزارة حقوق الإنسان والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ووزارة الداخلية، وأجروا حوارات مع الكثير من المسؤولين، منهم باشا منطقة حسان (الرباط) ووزير حقوق الإنسان ووزير التشغيل والوزيرة المكلفة بملفهم ووزير التنمية الاجتماعية والأسرة و التضامن ، لكن كل ذلك لم يمكنهم من الحصول علي فرصة الشغل التي يحلمون بها فقرروا المجيء إلي باب الوزارة المكلفة بشؤونهم ونصب خيامهم إلي حين تحقيق مطالبهم.
ويحكي عبد العزيز أحد مسؤولي المجموعة أنها ليست المرة الأولي التي يرابطون فيها أمام الوزارة، فقد سبق لهم أن قضوا ببابها أسبوعا كاملا، بدأوه في العاشر من كانون الثاني/يناير الماضي، وفي ليلة الثاني والعشرين من ذات الشهر كان رجال الشرطة وقوات التدخل السريع تحملهم وعصيهم إلي السيارات لنقلهم إلي محطة نقل المسافرين (القامرة) من أجل ترحيلهم في وقت لاحق .
لم تستعص العملية علي رجال الشرطة، فالأمر يتعلق بمعاقين حركيا ، لا يمكنهم الهرب ولا المقاومة، فهدموا خيامهم، وحملوهم إلي (القامرة) لكن ترحيلهم استعصي عليهم.
ويضيف عبد العزيز لـ القدس العربي إنهم انتظروا إلي غاية 30 آذار/مارس الماضي الذي يحتفل فيه المغرب باليوم الوطني للمعاق، عل جديدا يستجد في ملفهم بالمناسبة، ولما لم يكن ذلك عادوا بخيامهم إلي باب الوزارة.
وزيرة طيبة.. وهذه مشكلتها
باب الحوار مفتوح، يؤكد عبد العزيز وزملاؤه الجالسون ليلتها يلعبون النرد، فقد تحاوروا مع الوزيرة ياسمينة بادو التي أصبحت تعرفهم بأسمائهم أكثر من مرة. قالوا عنها إنها امرأة طيبة، لكن أحدهم استدرك هذا هو جوهر مشكلها ، وبالنسبة إليهم فإن طيبوبتها الزائدة قد تكون هي سبب عجزها عن إيجاد حل لهم.
ويوضح عبد العزيز أنه في كل مرة تؤكد لهم أنها أوصلت ملفهم إلي الجهات المسؤولة وأنها مثلهم تنظر الجواب.
في آخر لقاء لهم بها، طلبت منهم اقتراح مشاريع ذاتية صغري علي أن تقوم الوزارة بمساعدتهم علي إنجازها عن طريق القروض والمساعدة التقنية لكنهم رفضوا هذا الأمر بشكل بات.
ويوضح مصطفي الحاصل علي إجازة في الجغرافيا أن هذه المشاريع لا يمكن أن تكتمل في غياب دعم كبير، مشيرا إلي أن ما تقترحه الوزارة مجرد قروض صغري غير كافية ومؤكدا انهم لا يملكون حتي القدرة علي إجراء دراسة المشروع لما يتطلبه ذلك من تكاليف مالية.
بالنسبة إليهم يصرون علي خيار واحد: التوظيف في القطاع العام. ويعللون إصرارهم بكون المشاريع التي تتحدث عنها الوزيرة غير واضحة المعالم. كما أن إعاقتهم تقف في وجه قيامهم بالكثير من الأعمال، والأكثر من ذلك يقول عبد العزيز، عددنا ليس كثيرا، فتوظيف 27 فردا ليس بالأمر العسير علي أكثر من ثلاثين وزارة.
ويقول أعضاء المجموعة المعتصمين انه في سنة 2001 أحصت الوزيرة السابقة المكلفة بهذا الملف نزهة الشقروني 350 مجازا معاقا معطلا.
إلا أن العدد الأكبر منهم فضل أن يبحث عن سبيل للخلاص الفردي عوض الاعتصام وانتظار ما قد يأتي أو لا يأتي، خاصة أن ظروف الاعتصام ليست مريحة علي الإطلاق. إن الأمر يعني ببساطة قضاء ليالي طوال في الشارع عرضة للحر والقر ومعاكسة المشردين .
صراع مع المرض والمشردين
وقصة المعتصمين مع المشردين، بدأت منذ أول أيام الاعتصام، فمشردو العاصمة لم يستسيغوا أن ينازعهم أحد ملكية الشارع ليلا ، وهم الذين يصنعون عالمهم الخاص حينما يأوي الناس إلي مضاجعهم.
وقد عبروا عن استيائهم بطريقتهم الخاصة: التعرض للمعتصمين بالسرقة عندما يغفلون. ويتحدث المعتصمون عن ضياع بعض أموالهم وأدواتهم الخاصة، بل إن بعضهم سرقت منه عصيه التي تساعده علي المشي.
يحكي المعتصمون انهم أصيبوا بالكثير من الأمراض خلال مدة اعتصامهم، وخاصة منها الأمراض الجلدية، ويؤكدون أنهم لا يتلقون مساعدات من أي جهة باستثناء المساعدات التي يمنحها المواطنون المارون الذين يشفقون علي وضعهم. فقد نصبوا في جانب المخيم صندوقا لتلقي المساعدات. ولا يعدمون في اليوم الواحد كرماء يرمون ببعض دراهمهم في الصندوق. لكنهم يؤكدون أن المساعدات علي وجودها تبقي غير كافية..
الحياة اليومية للمخيم تبدأ في الصباح الباكر، لان الشارع لا يهدأ وأزيز السيارات لا يتوقف.
يستيقظ المعتصمون ويهيئون وجبة الفطور المشتركة فلا مجال للحياة الفردية هنا، كل شيء يقتسم بالتساوي.
قبل أن تأتي الوزيرة لتحييهم بابتسامتها المعهودة كل صباح، تكون المهام قد وزعت، ليتوجه بعضهم فيما بعد إلي الوزارات المعنية ومقرات الصحف أو الأحزاب للتعريف بقضيتهم.
لحد اللحظة لا حل في الأفق، لكنهم يصرون علي مواصلة اعتصامهم بل ويهددون باتخاذ أشكال أخري أقوي، يرفضون الإفصاح عنها لكنهم يؤكدون أنها ستكون أشد وقعا من كل ما سبقها.
يقولون: لا نريد شيئا، نريد فقط عملا يضمن لنا عيشا كريما ليضيفوا الوزارة تركز اهتماها علي بناء الولوجيات (ممرات خاصة بالمعاقين) لكننا نريد كراسي ثابتة تحفظ لنا كرامتنا.. نريد شغلا.. نريد خبزا .
في كل صباح، وقبل أن تلج إلي مكتبها في حي أكدال بالرباط، تمر الوزيرة المغربية المكلفة بالأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين ياسمينة بادو علي مجموعة من المعاقين، تبتسم لهم، وتسألهم عن أحوالهم وتتمني لهم قضاء يوم طيب.
هكذا تفعل كل يوم باستثناء أيام السبت والأحد والأعياد الوطنية والدينية والعطل الإدارية أو في أوقات السفر إلي الخارج.
تواظب علي هذا الأمر منذ ثلاثة أشهر تقريبا، عندما حل بباب وزارتها 27 معاقا مجازا (حاصل علي ليسانس) للمطالبة بحقهم في الشغل. ثلاثة أشهر مرت أصبحت خلالها خيامهم المهترئة المبنية بقطع الورق المقوي والبلاستيك جزءا لا يتجزأ عن مبني الوزارة.
ففي شارع الأبطال ، بحي كدال الراقي، وحيث لا توجد غير العمارات والمحلات التجارية الراقية، نصبوا خيامهم. في البدء توقف كل الناس لاكتشاف سر هذه الخيام التي نبتت فجأة وسط العمارات. عرفوا حقيقة الأمر، بل وأصبح السؤال عن تغيبهم إن غابوا.
قصتهم، بدأت في شباط/فبراير 2000، وإن كانت معاناتهم بدأت قبل ذلك بكثير، فقد ارتبطت بإعاقة حركية منهم من ولدت معه ومنهم من فجع بها بفعل حادث أو مرض ، وعمقها عدم توفير فرصة شغل لهم عقب تخرجهم من الجامعة.
أعمارهم تتراوح بين الثلاثين والاثنين والأربعين، وتخصصاتهم مختلفة اختلاف مناطقهم التي جاؤوا منها.
فمنهم الحاصل علي إجازة (ليسانس) في الأدب العربي ومنهم المجاز في الدراسات الإسلامية أو في الرياضيات أو الفيزياء أو الإعلاميات أو الجغرافيا.
قبل أربع سنوات، وبالضبط في شهر شباط/فبراير أسسوا مجموعة المجازين المعطلين للدفاع عن حقهم في الشغل، ومنذ ذلك الحين بدأوا بخوض الكثير من الأشكال النضالية : أضربوا عن الطعام 35 يوما ، وهددوا بإحراق أنفسهم، وربطوا أنفسهم بالسلاسل في شباك البرلمان، ونظموا مسيرات ووقفات احتجاجية عديدة قبالة البرلمان ووزارة التشغيل ووزارة حقوق الإنسان والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ووزارة الداخلية، وأجروا حوارات مع الكثير من المسؤولين، منهم باشا منطقة حسان (الرباط) ووزير حقوق الإنسان ووزير التشغيل والوزيرة المكلفة بملفهم ووزير التنمية الاجتماعية والأسرة و التضامن ، لكن كل ذلك لم يمكنهم من الحصول علي فرصة الشغل التي يحلمون بها فقرروا المجيء إلي باب الوزارة المكلفة بشؤونهم ونصب خيامهم إلي حين تحقيق مطالبهم.
ويحكي عبد العزيز أحد مسؤولي المجموعة أنها ليست المرة الأولي التي يرابطون فيها أمام الوزارة، فقد سبق لهم أن قضوا ببابها أسبوعا كاملا، بدأوه في العاشر من كانون الثاني/يناير الماضي، وفي ليلة الثاني والعشرين من ذات الشهر كان رجال الشرطة وقوات التدخل السريع تحملهم وعصيهم إلي السيارات لنقلهم إلي محطة نقل المسافرين (القامرة) من أجل ترحيلهم في وقت لاحق .
لم تستعص العملية علي رجال الشرطة، فالأمر يتعلق بمعاقين حركيا ، لا يمكنهم الهرب ولا المقاومة، فهدموا خيامهم، وحملوهم إلي (القامرة) لكن ترحيلهم استعصي عليهم.
ويضيف عبد العزيز لـ القدس العربي إنهم انتظروا إلي غاية 30 آذار/مارس الماضي الذي يحتفل فيه المغرب باليوم الوطني للمعاق، عل جديدا يستجد في ملفهم بالمناسبة، ولما لم يكن ذلك عادوا بخيامهم إلي باب الوزارة.
وزيرة طيبة.. وهذه مشكلتها
باب الحوار مفتوح، يؤكد عبد العزيز وزملاؤه الجالسون ليلتها يلعبون النرد، فقد تحاوروا مع الوزيرة ياسمينة بادو التي أصبحت تعرفهم بأسمائهم أكثر من مرة. قالوا عنها إنها امرأة طيبة، لكن أحدهم استدرك هذا هو جوهر مشكلها ، وبالنسبة إليهم فإن طيبوبتها الزائدة قد تكون هي سبب عجزها عن إيجاد حل لهم.
ويوضح عبد العزيز أنه في كل مرة تؤكد لهم أنها أوصلت ملفهم إلي الجهات المسؤولة وأنها مثلهم تنظر الجواب.
في آخر لقاء لهم بها، طلبت منهم اقتراح مشاريع ذاتية صغري علي أن تقوم الوزارة بمساعدتهم علي إنجازها عن طريق القروض والمساعدة التقنية لكنهم رفضوا هذا الأمر بشكل بات.
ويوضح مصطفي الحاصل علي إجازة في الجغرافيا أن هذه المشاريع لا يمكن أن تكتمل في غياب دعم كبير، مشيرا إلي أن ما تقترحه الوزارة مجرد قروض صغري غير كافية ومؤكدا انهم لا يملكون حتي القدرة علي إجراء دراسة المشروع لما يتطلبه ذلك من تكاليف مالية.
بالنسبة إليهم يصرون علي خيار واحد: التوظيف في القطاع العام. ويعللون إصرارهم بكون المشاريع التي تتحدث عنها الوزيرة غير واضحة المعالم. كما أن إعاقتهم تقف في وجه قيامهم بالكثير من الأعمال، والأكثر من ذلك يقول عبد العزيز، عددنا ليس كثيرا، فتوظيف 27 فردا ليس بالأمر العسير علي أكثر من ثلاثين وزارة.
ويقول أعضاء المجموعة المعتصمين انه في سنة 2001 أحصت الوزيرة السابقة المكلفة بهذا الملف نزهة الشقروني 350 مجازا معاقا معطلا.
إلا أن العدد الأكبر منهم فضل أن يبحث عن سبيل للخلاص الفردي عوض الاعتصام وانتظار ما قد يأتي أو لا يأتي، خاصة أن ظروف الاعتصام ليست مريحة علي الإطلاق. إن الأمر يعني ببساطة قضاء ليالي طوال في الشارع عرضة للحر والقر ومعاكسة المشردين .
صراع مع المرض والمشردين
وقصة المعتصمين مع المشردين، بدأت منذ أول أيام الاعتصام، فمشردو العاصمة لم يستسيغوا أن ينازعهم أحد ملكية الشارع ليلا ، وهم الذين يصنعون عالمهم الخاص حينما يأوي الناس إلي مضاجعهم.
وقد عبروا عن استيائهم بطريقتهم الخاصة: التعرض للمعتصمين بالسرقة عندما يغفلون. ويتحدث المعتصمون عن ضياع بعض أموالهم وأدواتهم الخاصة، بل إن بعضهم سرقت منه عصيه التي تساعده علي المشي.
يحكي المعتصمون انهم أصيبوا بالكثير من الأمراض خلال مدة اعتصامهم، وخاصة منها الأمراض الجلدية، ويؤكدون أنهم لا يتلقون مساعدات من أي جهة باستثناء المساعدات التي يمنحها المواطنون المارون الذين يشفقون علي وضعهم. فقد نصبوا في جانب المخيم صندوقا لتلقي المساعدات. ولا يعدمون في اليوم الواحد كرماء يرمون ببعض دراهمهم في الصندوق. لكنهم يؤكدون أن المساعدات علي وجودها تبقي غير كافية..
الحياة اليومية للمخيم تبدأ في الصباح الباكر، لان الشارع لا يهدأ وأزيز السيارات لا يتوقف.
يستيقظ المعتصمون ويهيئون وجبة الفطور المشتركة فلا مجال للحياة الفردية هنا، كل شيء يقتسم بالتساوي.
قبل أن تأتي الوزيرة لتحييهم بابتسامتها المعهودة كل صباح، تكون المهام قد وزعت، ليتوجه بعضهم فيما بعد إلي الوزارات المعنية ومقرات الصحف أو الأحزاب للتعريف بقضيتهم.
لحد اللحظة لا حل في الأفق، لكنهم يصرون علي مواصلة اعتصامهم بل ويهددون باتخاذ أشكال أخري أقوي، يرفضون الإفصاح عنها لكنهم يؤكدون أنها ستكون أشد وقعا من كل ما سبقها.
يقولون: لا نريد شيئا، نريد فقط عملا يضمن لنا عيشا كريما ليضيفوا الوزارة تركز اهتماها علي بناء الولوجيات (ممرات خاصة بالمعاقين) لكننا نريد كراسي ثابتة تحفظ لنا كرامتنا.. نريد شغلا.. نريد خبزا .

التعليقات