بشور في الذكرى الثالثة لاستشهاد ابو علي مصطفى: وجود تجاوزات لا يجوز ان يدفعنا إلى مغادرة هذا الخندق

بشور في الذكرى الثالثة لاستشهاد ابو علي مصطفى: وجود تجاوزات لا يجوز ان يدفعنا إلى مغادرة هذا الخندق

غزة-دنيا الوطن

نص كلمة الاستاذ معن بشور الامين العام للمؤتمر القومي العربي بمناسبة الذكرى الثالثة لاستشهاد ابو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في المهرجان الذي اقامته الجبهة في قصر الاونيسكو بتاريخ 30/8/2004 .

ومما جاء في كلمة بشور:

لم يكن صعبا عليّ وأنا التقي في السبعينات بالشهيد الكبير القائد أبو علي مصطفى في مقره في منطقة الكولا أن المح في عينيه الكبيرتين بريقا يشع منه تصميم المناضلين وعزيمتهم، وتفاؤل الثوار وطموحهم، بل لم يكن صعبا أن ألاحظ ذلك الوعي الثوري العميق الذي ميّزه ورفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حين أدركوا، ومنذ اللحظة الأولى لتأسيس الجبهة عمق الترابط بين النضال الوطني الفلسطيني وعمقه القومي العربي وبعده الثوري العالمي.

وعلى الرغم إن تجسيد هذا الترابط بشكل دقيق، وبمعايير متوازنة، كان يتعثر في بعض المراحل والظروف، لكن مناقشاتي الدائمة مع الشهيد أبو علي مصطفى كانت تؤشر باستمرار إلى عمق إدراكه لقوانين التحرير والمعادلات الثورية، فلا معركة حقيقية من اجل الاستقلال والحرية يمكن أن تخاض خارج ارض فلسطين، ولا انتصار حقيقي في هذه المعركة دون امتداد عربي وافق عالمي، تماما كما كان يدرك، ككل رفاقه في الجبهة، إن في فلسطين، كما في الأمة والعالم، خندقان متقابلان عليك أن تختار موقعك في واحد منهما: أما خندق الحرية والعدل والتقدم، وأما خندق الاستعمار والصهيوينة وافرازاتهما.

لكن أبو علي بثقافته الثورية العميقة، وبتجربته النضالية الفذة، كان يرفض التبسيط المخل بالمعادلات، ويرى أن الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو في الظاهر، وان وجود خندقين متقابلين لا يعني أبدا أن نتساهل مع تجاوزات أو ثغرات أو ممارسات استبدادية تتم في خندقنا، بل كان يعتقد، كما نعتقد، إن تنقية خندقنا من الشوائب والسلبيات هو تحصين له، وتمكين له على الصمود، ولكنه في جميع الاحوال كان يرفض ان يغادر خندق المواجهة او ان يسمح بالتداخل بين الخندقين تحت اية ظروف او ذرائع.

وما زلت اذكر ونحن ندافع عن الثورة الفلسطينية في لبنان، كيف كنا نعترض على بعض التجاوزات التي يرتكبها بعض المحسوبين عليها، فكتب رفيقنا خليل بركات ، وكان آنذاك أمين سر مؤتمر رؤساء البلديات والمخاتير في الجنوب، في "السفير" في ربيع 1978 مقالا بعنوان "ليكن الانضباط شرط الثورة على ذاتها قبل أن يكون شرط احد عليها" فتلقفه أبو علي مصطفى ودعا إلى إعادة نشره في جريدة "الهدف" تأكيدا لموقف الجبهة الشعبية الرافض لأي تجاوز يرتكب باسم الثورة وتحت مظلتها.

أيها الحفل الكريم

مثلما كان طموح أبي علي مصطفى، ورفاقه من جيل المؤسسين في الجبهة الشعبية والثورة الفلسطينية، أن يرى المقاومة تتفجر داخل الأرض المحتلة، فكانت انتفاضة غزة الشهيرة وشهيدها البطل غيفارا غزه عام 1971، احد الإرهاصات الأولى لهذا الطموح، فانه أيضا كان من جيل عربي يتطلع إلى أن تكون المقاومة الفلسطينية خميرة ثورية لحرب شعبية طويلة الأمد تواجه الاستعمار والصهيونية على امتداد الوطن العربي وحتى العالم.

فهل نحن اليوم نعيش تحقق طموحات شهيدنا الغالي وجيله، بل تحقيق ما يشبه نبوءاتهم، أم إننا، كما يصورون لنا، نعيش عصر الانكسار والهزيمة والاستسلام.

الثورة التي أراد لها ابو علي ورفاقه النمو والاستمرار، هي اليوم مشتعلة، ومنذ سنوات أربع، في أرضنا المحتلة، لم تخمدها كل حروب شارون واغتيالاته واعتقالاته وجرائمه بحق البشر والشجر والحجر، بل ان السجون التي أرادها المحتل معازل تحول دون تحرك المقاومين والمجاهدين والمناضلين، تحولت إلى قواعد لانتفاضة أخرى للسجناء تتكامل مع انتفاضات سابقة لها، ولتشكل جزءا مهما من الانتفاضة الأم، انتفاضة الأقصى.

بل ان هذه الثورة الفلسطينية تحولت إلى معيار كاشف لوطنية الانظمة واستقلال ارادتها، كما لصدقية المجتمع الدولي ومدى التزامه بالمواثيق والاعراف والقواعد الدولية، بل بفضلها، وبفضل صمود الشعب الفلسطيني أمكن للعالم ان يكتشف حقيقة المزاعم الامريكية وادعاءاتها بالسعي لنشر الديمقراطية وحقوق الانسان.

فاية حقوق انسان تلك التي تجعل بوش يقول عن اكبر سفاحي العصر انه رجل السلام، وأية ديمقراطية هذه التي تدعم حصار الرئيس المنتخب من شعبه في فلسطين وتسعى لاقصائه لانه رفض التوقيع على وثيقة التنازل عن حقوق شعبه الثابتة.

والمقاومة التي أرادوا تعميمها في وجه كل محتل أو دخيل أو غاصب نراها اليوم تتسع لتشمل أرضا عربيا تلو الأخرى، الم تكن تجربة المقاومة في لبنان استجابة لتلك الرؤية، أليست تجربة المقاومة الباسلة في العراق اليوم ترجمة لشعار حرب الشعب، بكل مستوياتها، وتكتيكاتها، وأساليبها، أليست الممانعة التي يبديها لبنان وسوريا في وجه أملاءات الأعداء ومخططاتهم وضغوطهم والتي نشهد هذه الايام فصلا جديدا من فصولها فيما يسمى بمشاورات مجلس الامن لاتخاذ قرار ضد سوريا، هي جزءا من هذه المقاومة العربية، بل أليست الهبات الشعبية العربية، رغم كل ما يفرض عليها من قيود الانظمة وتشرذم المنظمات، دعما لفلسطين والعراق، تعبيرا عن هذه المقاومة الشعبية المتنامية، وهذه التحركات التي تمتلأ بها شوارع العالم، بما فيها شوارع نيويورك ولندن وروما، وقبلها مدريد، وتتخذ من قضايانا في فلسطين والعراق عناوين لها وشعارات، تأكيدا على سلامة تلك الأفكار ودقة تلك الرؤى.

والتوغل الصهيوني، في كل المنطقة انطلاقا من فلسطين، والذي حذر منه أبو علي ورفاقه وأبناء جيله، الم تتضح معالمه اليوم أكثر من أي وقت مضي، خصوصا بعد أن نجح العدو في استغلال اتفاقيات كمب ديفيد، واوسلو، ووادي عربه، كما في انتهاز فرصة العدوان على العراق، من اجل أن يخترق مجتمعاتنا واقتصاداتنا وأمننا ووحدتنا، مؤكدا صحة مقولة أبو علي وجيله بان المعركة واحدة، والعدو واحد، ومصير الأمة واحد.

وها هو خط أنابيب النفط بين كركوك وحيفا الذي عاد الحديث عنه مؤخرا مع زيارة وزير البنى التحتية الصهيوني إلى واشنطن هو التعبير الأوضح عن عمق الترابط بين المشروع الصهيوني والمشروع الأمريكي.

بل انه تأكيد للبصمات الصهيونية الواضحة في حصار العراق، ثم في الحرب عليه، ثم في إدارة احتلاله، وتصعيد انتهاكاته والتي كانت معتقلات أبي غريب وأم قصر وغيرها عناوين صارخة لها بما كشفت من اساليب صهيونية متكاملة مع النزعة العنصرية العدوانية المتحكمة بالإدارة الأمريكية.

ولكن في مواجهة خط النفط هذا بين كركوك وحيفا، تقوم خطوط دم وشهادة وجهاد ممتدة من كل قرية فلسطينية إلى كل قرية عراقية، فترسمان معا واحدة من اشرف معارك العصر ضد العنصرية بأبشع أشكالها، وهي العنصرية الصهيونية، وضد الإمبريالية بأعلى مراحلها، وهي الإمبريالية الأمريكية.

في استمرار هذه المواجهة، وهذه المقاومة، وفي دعمها وتطويرها، وتوسعيها وتعميقها، وفي تنقيتها من كل الشوائب والثغرات ، تطمئن روح أبي علي مصطفى اليوم كما روح وديع حداد وغسان كنفاني وأبي جهاد وأبي إياد وأبي الهول وكمال ناصر وكمال عدوان والشيخ احمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي، وفتحي الشقاقي وعباس الموسوي وكل الشهداء.

فإلى أبي مصطفى نقول في ذكراه الثالثة إن ثورة تشق طريقها بدماء قادتها لا بد منتصرة، وان امة تقدم الشهداء كل يوم ولا تستسلم هي امة حية لا يمكن أن تهزم أو تموت.

*النشرة الاعلامية للدائرة السياسية-عمان

التعليقات