في مهبّ الرياح النووية

في مهبّ الرياح النووية

غزة-دنيا الوطن

تملك إسرائيل مفاعلات نووية عديدة, أهمها وأخطرها مفاعل ديمونا, الذي يصنع البلوتونيوم من أجل صناعة القنابل النووية. المفاعل, وفي أثناء عمله, لا بد من أنْ تتصاعد منه "غازات نووية" (إشعاعات نووية). وقد اتضح وتأكد, أخيرا, أنّ مفاعل ديمونا, على وجه الخصوص, لا يستطيع أنْ يعمل من دون أنْ يُنتِج, في الوقت نفسه, أسباب "كارثة صحّية نووية" تصيب سكان الأردن على وجه الخصوص, فالخبير النووي الإسرائيلي السابق موردخاي فعنونو, والذي ينبغي لنا ألا نشكّ أو نشكّك في صدق مزاعمه, أكد أنّ مداخن المفاعل لا تعمل إلا عندما تجري الرياح في اتجاه الأردن!

أمّا أستاذ الفيزياء في الجامعة الأردنية الدكتور عيسى خبيص فيؤكد أنّ العاملين في المفاعلات ولا سيّما مفاعل ديمونا, الذي تجاوز عمره خمسين عاما, يفتحون المداخن وأنابيبها عندما تكون الرياح في اتجاه الأردن!

لقد نشرت صحافتنا "الخبر", أي التصريحات الجديدة التي أدلى بها فعنونو وما أثارته من تعليقات أردنية; وأعتقد أنّ المصلحة العامة تقضي بالاستمرار في نشر أهم ما تضمّنه "الخبر" من معلومات, وفي طرائق شتّى, حتى تصل إلى كل مواطن, لعلّ ذلك يخلق رأيا عاما أردنيا ضاغطا, يستطيع أنْ يفعل شيئا من أجل درء خطر هذا "الإرهاب النووي" الإسرائيلي عن مجتمعنا, وعن الملايين من المواطنين في الدول العربية المجاورة لإسرائيل, فالشعوب الحرّة في الغرب كانت تنزل إلى الشوارع في مسيرات ضد "الأسلحة النووية" مع أنّ خطر تعرّضها لكوارث نووية من نمط الكارثة النووية الإسرائيلية المحدقة بنا وبغيرنا من الدول العربية, والذي أوضحه وشرحه فعنونو, كان أقلّ مدعاة للقلق.

الأردن ليس من الدول المنتِجة ذاتيا لأسباب تلوّث بيئي يدعو إلى القلق; ومع ذلك نرى فيه أوضاعا صحّية تبعث على القلق, فلدينا, على سبيل المثال, نسبة عالية من المصابين بأمراض السرطان; وهذه الظواهر الصحية المقلقة لا يمكن تفسيرها إلا بتلوّث بيئي (نووي) مُصدَّر إلينا من "مداخن" و"أنابيب" مفاعل ديمونا.

هل لدينا ما يؤكد أو ينفي أنّ هذه "المداخن" و"الأنابيب" تقوم بعملها الشرير هذا منذ زمن طويل? وإذا ما ثبت وتأكد أنّها كانت تقوم به فما هو, من الناحية العلمية الصرف, حجم الضرر (الصحّي) الذي يلحقه بنا?

إننا لا نستطيع الادعاء بأنّ لدينا من الأدلّة ما يدحض مزاعم فعنونو; ذلك لأنّ إسرائيل ما زالت ترفض إخضاع مفاعل ديمونا, وغيره من المفاعلات والمنشآت النووية, لأعمال وإجراءات التفتيش والرقابة الدولية, مستمسكة بسياسة "الغموض النووي". ونحن لا نستطيع الاطمئنان إلى أي نفي لوجود خطر كارثة كهذه ما لم يصدر عن خبراء دوليين مختصين, قاموا بمعاينة مفاعل ديمونا, وغيره من المنشآت النووية الإسرائيلية, فالمواطن لدينا لديه من "الأسباب الواقعية" ما يجعله أكثر ميلا إلى تصديق وجود هذا الخطر, الذي ليس من الحكمة في شيء أنْ ننظر إلى "صُنع أسبابه عن سابق وعي وتصميم" على أنّه غريب عن طريقة التفكير السائدة في إسرائيل, التي لم نجد من الأسباب الواقعية ما يحملنا على تبرئة ساحتها من حادث تلويث مياه الشرب المرسلة إلينا من بحيرة طبرية.

إنّ إسرائيل تمضي قدما في تقويض الأمن القومي العربي عبر زيادة حجم ترسانتها النووية, التي تضم, الآن, ما بين 100 و200 رأس نووية, وعبر إرغام الدول العربية على أنْ تكون, أو أنْ تصبح, خالية تماما من كل أنواع أسلحة الدمار الشامل. وإلى جانب ذلك, تسعى إسرائيل في تقويض الأمن الصحّي لملايين المواطنين في الدول العربية المجاورة لها ولا سيّما الأردن عبر صُنعها لأسباب كوارث مشابهة لكارثة تشيرنوبل. وإذا كان العجز العربي قد أفضى إلى مواقف شجّعت إسرائيل على التحوّل, في نزاعها مع العرب, إلى مُحتكِر للسلاح النووي فإنّ الشعوب والمجتمعات العربية يجب ألا تسمح لهذا العجز بأنْ يفضي إلى مواقف تسمح لمفاعل ديمونا بالاستمرار في مزاولة "الإرهاب النووي" ضد مواطنينا, وفي تعريضهم لمزيد من الكوارث الصحية ذات المنشأ النووي.

هذا "الخطر" يجب ألا يتعرض لخطر "التهوين الصحّي" ذي المنشأ السياسي, فللأردنيين مصلحة لا تعلوها مصلحة في امتلاك وتطوير وعي عام مضاد لخطر الكارثة, لعلّهم يتمكنون به, وبممارسته في أشكال مختلفة, من حفز الجهود المبذولة لإخضاع مكامنه ومصادره للرقابة الدولية, ففي إسرائيل من قوة العداء العنصري للعرب ما يجعلها دولة خارجة لي¯س على القانون الدولي فحسب; وإنّما على القيم الأخلاقية والإنسانية والحضارية.

*العرب اليوم

التعليقات