ماذا ربحت اسرائيل من وراء الحرب العراقية ؟

ماذا ربحت اسرائيل من وراء الحرب العراقية ؟

غزة-دنيا الوطن

افادت مصادر اسرائيلية بان قيمة التبادل التجارى بين اسرائيل والدول العربية قد سجلت، منذ مطلع هذا العام، صعودا مطردا، حيث بلغت قيمة صادراتها الى الدول العربية في الفصل الاول منه 38 مليون دولار امريكى مسجلة نسبة زيادة قدرها 78 بالمائة، بينما بلغت قيمة وارداتها من تلك الدول 21 مليون دولار امريكى محققة نسبة زيادة قدرها 37 بالمائة، مقارنة بما كانت عليه فى الفترة المماثلة من العام الماضى .. واما الدول المستوردة للصادرات الاسرائيية فشملت الى جانب مصر والاردن- اللتان تربطهما علاقات ديبلوماسية مع اسرائيل، دول منطقتى الخليج وشمال افريقيا ، علما بان قيمة صادراتها الى كلتا المنطقتين قد ازدادت بنسبة قدرها 147 و160 بالمائة على التوالى . وعلى الرغم من تواضع الارقام المذكورة آنفا الا انها ما زالت فى تصاعد مثير ، اضافة الى ذلك فان السلع الاسرائيلية قد تخطت للمرة الاولى عتبة لبنان وتونس وغيرهما من الدول الاخرى .

وتستدعى هذه الظاهرة وما يختبئ وراءها وقفة متأملة . فالزيادة الكبيرة التى سجلها حجم التبادل التجارى الاسرائيل – العربى ، تعكس حقيقة واقعية مفادها ان المتغيرات الراهنة التى طرأت على الشرق الاوسط قد خدمت مصالح اسرائيل بشكل واضح . وقد قال باحث اسرائيلى معروف فى مركز يافا للدراسات الاستراتيجية ان الحرب العراقية قد ازاحت كليا جميع العقبات الدبلوماسية التى كانت تقف فى وجه اسرائيل، ، كما وفرت لها ارصدة كانت صعبة المنال لتستعين بها في التحرك بحرية في المنطقة وتنظيم تعاملاتها مع الدول العربية، في حين ان بعض الخبراء العرب يرون ان الحرب العراقية لم يفجرها بوش الا من اجل خاطر اسرائيل، ذلك لان الولايات المتحدة دمرت، عبر الاساليب الحربية الحديثة غير المعهدوة، نظام صدام- العدو اللدود لاسرائيل – مما مكن من تحسين بيئة العيش والبقاء لاسرائيل والارتقاء بمكانتها الجيوستراتيجية ..

في الحقيقة ان اسرائيل هي اكثر المستفيدين من الحرب في الشرق الاوسط اذا نظرنا الى التغيرات التي طرأت على التشكيلة الاقليمية خلال العام المنصرم ، حيث ان الولايات المتحدة زجت بنفسها فى مستنقع العراق بشكل يصعب عليها الخروج منه ، فلا زالت تقدم الخسائر من الرجال والسلاح والمجهود الحربي، ولا يكاد يقضي يوما الا ويحمل سجلا من القتلى والجرحى دون اي امل في خلاص قريب .. ، بينما اسرائيل التى لم تشارك ولو بجندي واحد ، ولم تهدر اي نقطة دم في هذه الحرب ، نراها اليوم تحصد اكبر الغنائم دون اي ثمن .. في الواقع ان بوش حرك قواته لضرب العراق ليس انطلاقا من المصالح الاسرائيلية ، الا ان النتائج افضت الى تعبيد الطريق امام اسرائيل لتثبيت اقدامها في منطقة الشرق الاوسط مغتنمة رياح الحرب التي هبت وفق مصالحها . الامر الذى جعل اسرائيل- الدولة الصغيرة المحاصرة من الدول العربية والتي كانت تقاتل من اجل العيش والبقاء ، لتظهر فجأة " بعنجهية وغطرسة " .. وما حقيقة الزيادة التي حققها حجم التبادل التجارى بين اسرائيل والدول العربية ليس الا وليدة لهذه الخلفية ، وهذا ما جعل اسرائيل تتصرف في هذه العنجهية والغطرسة ..

ومن جانب آخر يمكن لنا ان نلحظ من خلال الارقام والاحصائيات بان اليهود يتمتعون بعقلية تجارية قوية وبباع طويل وكفاءات فذة في هذا المجال . حقيقة ان هناك الكثير من بين اليهود ، داخل اسرائيل وخارجها ، المعروفين بحيوتهم وشهرتهم كتجار من الدرجة الاولى ، فهم متميزون بوعيهم وقدراتهم التجارية . وتفيد المعلومات المتوفرة ان التجار اليهود الذين ينساقون خلف المصالح لم يتوقفوا ابدا عن حركة التبادل التجارى مع التجار الفلسطينيين اوالعرب الاخرين، حتى فى الساعات التي يكون فيها الصراع الفلسطينى – الاسرائيلى في أوج شدته وضراوته . هذا وان اسرائيل تحفز مواطينها وتشجعهم علة مزاولة الاعمال التجارية انطلاقا من وعيها بان الحركة التجارية تعد احدى الوسائل الفعالة فى اغناء احتياطى الحكومة من العملة الصعبة وتوسيع دائرة مصادر دخلها . الا ان دائرة الحركة التجارية المتاحة لاسرائيل تقتصر، ولدواعى سياسية، على اوروبا وامريكا ، بينما حركة التبادل التجارى الاسرائيلى – العربى ما زالت تقف امامها عقبات منيعة على الرغم من قصر المسافة الفاصلة جغرافيا ما بين الجانبين .

ما من شك ان السيول المتدفقة من الدولارات التى يدر بها البترول العربى تعد اغراءا لا يقاوم بالنسبة لاسرائيل، لذا ظلت اسرائيل تحاول ، بكل الوسائل والطرق ، شق ثغرة امام التعامل التجاري بينها وبين الدول العربية . وانطلاقا من هذا التفكير الاستراتيجي ، هرعت اسرائيل الى التوقيع على اتفاقية اقتصادية مع السلطة الوطنية الفلسطينية، فور توقيع اتفاقية غزة واريحا اولا بينهما عام 1993 . ولحاقا بذلك اقامت اسرائيل على التوالي مكاتب تجارية فى العديد من دول الخليج العربى لخدمة مصالحها القومية .. ولكن تلك المكاتب التجارية اما ان اغلقت اضطراريا او بقيت اسميا فارغة من اي مضمون عملي على اثر اندلاع الجولة الثانية من المصادمات الفلسطينية الاسرائيلية . واما اليوم فان مجمل العلاقات العربية – الاسرائيلية تبدو وكأنها تتحرك باتجاه الهدوء ، مما ساعد اسرائيل على التحرك واستغلال اي فرصة مواتية لزيادة نفاذها التجاري في العالم العربي ..

والنقطة الاخيرة التى يجب الاشارة اليها هى ان التفاعل بين السياسة والاقتصاد هو مفتاح النجاح التجاري الاسرائيلي ، وهو كذلك الهم المدفون الذي يؤرقها.. وفقا لما نقلته صحيفة (( هارتس ))الاسرائيلية 20/ 6/ 2004 – تعد من احدى الوسائل الاعلامية التى تمثل احدى التيارات الاسرائيلة الرئيسية – ان اسرائيل تستعد حاليا لتشكيل وفد رسمى كبير يزور اكثر من عشر دول عربية ترويجا لمشروع الخطة الاسرائيلية الاحادية الجانب المثيرة للجدل، لجانب مهمة اخرى تتمثل في اجراء مفاوضات مع الدول العربية المعنية حول امكانية افتتاح مكاتب تجارية فيها .. هذا هو نموذج الاسلوب الاسرائيلي ، العمل على تثبيت اقدامها على النقطة التي تحقق لها اكبر قدر ممكن من المصالح الاقتصادية ، الا انها في ظل البيئة الاستثنائية التي تعيشها الان ، من الظاهر انها ليست ببساطة ان تتخذ من " السياسية مسرحا ومن الاقتصاد غناء "، بل تسعى الى خلق اوضاع تتشابك فيها العوامل السياسية مع العوامل الاقتصادية بعضهما ببعض - يتفاعلان ويتدافعان على نحو لا ينفصم عراهما . وبهذا السبب بالذات فانه فى الوقت الذى تحقق فيه اسرائيل باسلوبها هذا نجاحات متكررة الا انها قد تواجه في اغلب الاحتمالات بالرفض القاطع فى بعض الدول العربية .

وعليه، يمكننا القول ان اسرائيل لن تستطيع تحقيق اي تقدم او تحسن في علاقاتها مع العالم العربي ، اوازالة القلق الذي يراود الكثير من الدول العربية ، أواستقطاب دول اكثر لتكون شركاء تجاريين لها والوصول بحجم التبادل التجارى الاسرائيلى – العربى الى افضل مستوى ، دون وقفة جادة مع ذاتها ومراجعة شاملة لتصرفاتها ، وتصحيح سياستها المتشددة تجاه الفلسطينيين وتحسين البيئة المحيطة بها ..

المصدر : شبكة الشعب الصينية 12/08/2004

*المركز العربي للمعلومات

التعليقات