حرارة العلاقات الهندية – الاسرائيلية
حرارة العلاقات الهندية – الاسرائيلية
لوه آى لينغLUO AI LING
طوال السنوات القليلة الماضية والعلاقات الهندية- الاسرائيلية تتعزز وتتطور بشكل مطرد . فقد تتوجت باصطحاب شارون في الثامن من ايار العام الماضي ( 2003 ) اكثر من 150 شخصية اسرائيلية في اول زيارة لرئيس وزراء اسرائيلي للهند منذ قيام دولة اسرائيل . وقد دفعت زيارته بالعلاقات بين البلدين الى مستوى لم يعهد من قبل ، كما ترتب عليها تداعيات خطيرة على امن منطقتى جنوب آسيا والشرق الاوسط وتركيبة المصالح فيهما :
اولا : استعراض لتاريخ العلاقات الهندية – الاسرائيلية
لقد مرت العلاقات الهندية – الاسرائيلية في عملية تحولات مليئة بالتعقيدات والتعرجات ، فمنذ اواخر الاربعينات حتى اوائل التسعينات من القرن الماضى ظلت الهند تنتهج سياسة عدم الانحياز ، وتتخذ مواقف التقرب من العالم العربي والتعاطف مع القضية الفلسطينية والتنافر والجفاء مع اسرائيل , الامر الذى أدى الى عدم اقامة علاقات دبلوماسية بين الهند واسرائيل بشكل رسمي على مدار اربعين عاما .
ففي عام 1947 ، وخلال مناقشة هيئة الامم المتحدة لقرار تقسيم فلسطين ، ظلت الهند ومعها ايران و يوغسلافيا السابقة، تعارض تقسيم السيادة على فلسطين وتدعو الى اقامة حكومة فلسطينية فيدرالية يمنح اليهود فيها فقط حكما ذاتيا مستفيضا .. الا انها حافظت على نوع من العلاقات الرسمية مع اسرائيل بعد قيامها ، حيث سمحت لاسرائيل بانشاء مكتب لها في بومباى لادارة شؤون اليهود الذين لجأوا اليها اثر الحرب العالمية الثانية وتسهيل مهمة هجرتهم الى اسرائيل .. فبعد انهاء هذا المكتب لمهمته المحددة تم تحويله الى مكتب تجاري لاسرائيل ..
بعد قيام باكستان ، عادت مشكلة كشمير ، المتنازع عليها بين الدولتين ، تشكل عنصرا هاما في السياسة الخارجية الهندية .. فمن اجل الحصول على تأييد العرب في المسألة الكشميرية ، حافظت الهند على مسافة تفصلها عن اسرائيل ، وواظبت على توجيه الانتقادات للسياسة الامريكية الشرق اوسطية .. وبعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ، سارعت الحكومة الهندية الى الاعتراف بها " كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني " ، مما ادى الى تعميق الجفاء والفتور في العلاقات الهندية الاسرائيلية ، بل وذهب الامر بالحكومة الهندية الى حد رفضها منح اي تأشيرات للوفود الاسرائيلية المشاركة في المؤتمرات الدولية والالعاب والمهرجانات الرياضية التي تقام على اراضيها .. ان اعتماد الهند على البترول العربي ، وسعيها وراء التربع على عرش حركة عدم الانحياز والتحدث باسمها ، يتطلب الدعم والتأييد الواسعين من الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي التي اسست عام 1969 ، اضافة الى تضامن الدول الاسيوية والافريقية في مناهضة الاستعمار ، كل هذه العوامل جعلت الهند غير راغبة في التقرب من اسرائيل ..
وبعد تولي راجيف غاندى لرئاسة وزراء الهند ، شرع في اجراء تعديلات على السياسة الهندية تجاه اسرائيل ، واتخذ سلسلة من الخطوات التي تساعد على تطبيع العلاقات بين البلدين .. ففي الدورة 40 للجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة عام 1985 ، التقي راجيف غاندي برئيس الوزراء الاسرائيلي بيريس .. وفي عام 1991 ، وبعد انتخاب زعيم حزب الشعب الهندى وزير الخارجية الاسبقNARASIMHA RAO رئيسا لوزراء الهند ، قام بتعديلات اكبر على السياسة الخارجية الهندية تجاه اسرائيل ، حيث طالبت حكومته بحزم فى السادس عشر من ديسمبر 1991 ، اثناء انعقاد الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة ، بالغاء قرار " الصهيونية شكل من اشكال العنصرية " وكل القرارات العنصرية المشابهة عن اسرائيل .. تلا ذلك اعلان الهند رسميا عن اقامة العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1992 ..
و فيما يلى اهم العوامل التي دفعت بالهند الى تحويل موقف الجفاء من اسرئيل الذي دام طويلا الى تطبيع العلاقات معها :
1 ) انتهاء الحرب الباردة , تفكك الاتحاد السوفياتى ، تلاشى حالة المواجهة بين الشرق والغرب : فقد كانت التشكيلة القطبية الثنائية الامريكية – السوفياتية المتصارعة للهيمنة على العالم هي التي تؤثر في السياسة الهندية حيال اسرائيل وتتحكم بها .. فتوجه السياسة الهندية المنحاز للاتحاد السوفياتي والمعادي للولايات المتحدة هو الذي فرض عليها ان تتخذ موقفا فاترا من اسرائيل حليفة الولايات المتحدة والدول الغربية ، وادراج تأييد حركة التحرر الوطني للشعب الفلسطينى فى السياسة الخارجية لحزب المؤتمر الوطنى الذي تولى زمام الحكم زمنا طويلا .
2 ) ضعف القوة المؤثرة لحركة عدم الانحياز : فمنذ ان رفضت المشاركة الاسرائيلية في مؤتمر بالي عام 1955 ، ظلت دول حركة عدم الانحياز مثابرة على عدم التعاطي مع اسرائيل .. ولكون الهند احدى الدول الداعية والمؤسسة لهذه الحركة كان لا يمكن لها ان تشذ عن هذه القاعدة .. ومع انتهاء الحرب الباردة بدأ صوت حركة عدم الانحياز يخف ويضعف رويدا رويدا ، الامر الذي أضعف معه النشاطات الجماعية والمنظمة للحركة المعارضة والمناوءة لاسرائيل ، وهذا ما ساعد الهند كثيرا على اعادة تقييم سياستها تجاه اسرائيل ..
3 ) ان سياسة الاقتصاد الحر التى انتهجتها حكومةNARASIMHA RAO الهندية هى الاخرى ساعدت على تطوير تطبيع العلاقاتها الهندية الاسرائيلية .. فمن اجل تسريع عجلة النمو الاقتصادى، قامت الهند باصلاحات اقتصادية ، حيث طبقت سياسة الانفتاح على الخارج ، وانتهجت الية السوق الحر ، متخذة من الولايات المتحدة و غيرها من الدول الغربية هدفا لسياستها الانفتاحية واعتبارها من اهم الشركاء الاقتصاديين لها .. و بحكم العلاقات المتميزة القائمة بين اسرائيل و الولايات المتحدة ، وظفت الهند تطوير علاقاتها معها لصالح المزيد من دفع وتطوير علاقاتها السياسة والاقتصادية مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ..
4 ) مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط الذي عقد في اكتوبر 1991 ، جاء ليكسر العزلة السياسية والدبلوماسية الدولية التي كانت تعيشها اسرائيل ، وهذا ما اعطى اسرائيل هامشا اوسع لنشاطاتها واعمالها الدبلوماسية .. على اثر ذلك راحت الكثير من دول العالم تعدل من سياساتها تجاه اسرائيل ، وتعترف بحقها في الوجود وتحقيق تطبيع العلاقات معها .. ففي الرابع والعشرين من كانون الثاني لعام 1992 اقامت الصين ايضا علاقات دبلوماسية مع اسرائيل . وقد ساعدت هذه التطورات على ازالة مخاوف الهند جراء تطوير علاقاتها مع اسرائيل ..
5 ) ان اقامة الهند ، التي ظلت تتعاطف وتؤيد القضايا العربية ، علاقات دبلوماسية مع اسرائيل ، جاءت كرد فعل من الحكومة الهندية على الدول العربية لعدم تجاوبها مع الموقف الهندي بالمسألة الكشميرية .. وعلى العكس ظلت الدول العربية منحازة للموقف الباكستاني في هذه المسألة .. لذا راح J . N ديكاسيت سكرتير الدولة للشؤون الخارجية الهندية يتساعل علنا بعد اقامة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل بفترة وجيزة قائلا:" ماذا الذي قدمته الشعوب العربية للهند ؟ هل قدمت لنا أى تأييد يذكر في المسألة الكشميرية ؟ واين كان العرب عندما انفجرت ازمة باكستان الشرقية عام 1971؟ " .] ملاحظة 1[
ثانيا : انطلاق العربة السريعة للتعاون الهندي الاسرائيلي الشامل
لقد شهدت العلاقات الهندية – الاسرائيلية تطورا سريعا بعد اقامة العلاقات الديبلوماسية بينهما :
(1) تعميق العلاقات السياسية و تكثيف الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين : فى مايو / أيار 1993 كان بيريس اول من زار الهند بصفته وزيرا للخارجية الاسرائيلية . وفي نهاية 1996 ومطلع 1997 زار الهند وايزيمان – الرئيس الاسرائيلى اّنذاك برفقة وفد تجارى كبير . وفى يونيو/ حزيران 2000 ، قام كل من وزير الداخلية الهندي L.K.ADVANI ووزير الخارجية BUTA SINGH بزيارة اسرائيل بغية تعزيز التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية لجانب النواحي الاستراتيجية . وخلال فترة الانتخابات المتوسطة التى جرت في الهند عام 1996 اوفد واجباييVAJPAYEE ATAL BIHARI رئيس الوزراء الهندى ميشيرا مستشار الامن القومي الى اسرائيل لتبادل الاراء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك حول تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين ، وهذا ما أظهر بكل وضوح عزم الهند في انتهاج وتطبيق سياسة شرق اوسطية جديدة .. وفي مؤتمر معاداة التفرقة العنصرية الذي نظمته هيئة الامم المتحدة في مدينة دربانDURBAN بجنوب افريقيا في اغسطس / اّب 2001 ، وقفت الهند بحزم ضد اقران الصهيونية بالعنصرية او بأي شكل من اشكال الاستعمار ، علما بانها كانت قد وقفت عام 1975 ، والحرب الباردة على اوجها ، موقفا واحدا مع العرب عند تصويتها لصالح القرار الذي تقدمت به الدول العربية لهيئة الامم المتحدة والخاص باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية ..
(2) التعاون التجارى – الاقتصادى يحقق نتائج ملموسة : وبعد اقامة العلاقات الديبلوماسية ، وخاصة بعد توقيع اتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين في نوفمبر 1995 ، والتي نصت على تبادل مكانة الدولة الاولى بالرعاية ، شهدت حركة التبادل التجارى بين البلدين نموا سريعا ، حيث بلغ اجمالي حجمه عام 2002 مليار وثلاثمائة مليون دولار امريكى ، بينما كان عام 1992 لا يتعدى 200 مليون دولار فقط ، اي بزيادة قدرها خمسة اضعاف ونصف . فقبل تطبيع العلاقات بين البلدين عام 1992 ، لم يكن هناك اي استثمار اسرائيلي يذكر في الهند .. و لكن مع حلول ديسمبر 1995 وقعت شركة بيزك Bezeq الاسرائيلية للاتصالات و شركة جيل الغد الهندية للاتصالات فى اقليم هيماجار على مشروع للهواتف النقالة وصلت قيميته الاستثمارية الى 41 مليار و 400 مليون روبية ، اي ما يساوي 1.18 مليار دولار امريكي . ] ملاحظة 2[ .. هذا الى جانب التعاون الذي يتعزز باطراد بين البلدين في المجالات الزراعية ، والري والصرف والاقراص والبرامج والاجهزة الالكترونية وغيرها من التقنيات العالية .. علما ان اتفاقات وبروتوكالات عدة قد تم توقيعها بين البلدين في مجال المقاييس والمعايير المعتمدة فى القطاع الصناعى , والبحث والتطوير ، و تجنب الازدواج الضريبى ، وحماية الاستثمارات ، والتعاون الجمركى ، وفي المجال المالي ايضا .. هذا و قد تم انشاء اللجنة الهندية- الاسرائيلية المشتركة للتعاون التجارى و الاقتصادى كما تم توقيع اتفاقية للتبادل الثقافى و اتفاقية اخرى للتعاون العلمى و الفنى .
(3) استمرار تعزز التعاون الاستراتيجى و الامنى بين البلدين : فقد تم انشاء آلية تشاور دورية لشؤون الدفاع الوطني بين البلدين على مستوى الامناء العامين في الوزارتين ، ولجنة مشتركة على مستوى الوزراء في مجال مكافحة الارهاب ، ومجمع للحوار الاستراتيجي وغيرها من اللجان المشتركة على مختلف المستويات .. ونظرا لاستمرارية تزايد الاعمال الارهابية وتسربها عبر الحدود ، فان الهند فى أمس الحاجة الى التعاون والمساعدات الاسرائيلية فى مجال رصد وجمع المعلومات الاستخبارية , وسياسات واجراءات مكافحة الارهاب ، والمراقبة الالكترونية على الحدود .. وهناك تعاون قائم بين البلدين في تبادل وتقاسم المعلومات الخاصة بمكافحة الارهاب ، حيث تم تشكيل" فريق عمل مشترك لمحاربة الارهاب " الذى اصبحت اسرائيل بموجبه جهة من الجهات التى دائما ما تلجأ الهند اليها للتشاور في هذا المجال .. كثيرا ما ترسل الهند فرقا من قواتها الخاصة لاخذ تدريبات عسكرية في مجال مكافحة الارهاب .. وكونها اقرب الحلفاء العسكريين للهند وشريك تعاون في المجال الاستخبارى ، قدمت اسرائيل لها صواريخ موجهة جو – جو من طراز باراك , و طائرات بلا طيار ، و انظمة انذار مبكر معقد وفائق الدقة ، وانظمة خاصة بالحرب الالكترونية التي يمكن تركيبها على السفن الحربية و غيرها من الاسلحة و المعدات الحربية ذات التقنيات العالية .
فبعد ان اعربت الولايات المتحدة في مطلع عام 2003 عن عدم معارضتها على بيع اسرائيل لطائرات " الفالكون " التي تحمل انظمة الانذار المبكر ، اقرت اللجنة الامنية في مجلس الوزراء الاسرائيلي في التاسع والعشرين من شباط 2004 بيع الهند ثلاث طائرات منها بقيمة مليار ومائة مليون دولار اميركي ، وتعتبر هذه الصفقة اكبر الصفقات العسكرية التي ابرمت بين البلدين الى يومنا هذا .. وتستعد الهند الان لشراء نظام مضاد للصواريخ الموجهة اعدته وانتجته كل من الهند واسرائيل بشكل مشترك والبالغ قيمته 2.5 مليار دولار اميركي .. وبما ان اسرائيل نجحت في تطوير الاسلحة والمعدات السوفياتية ، اصبحت عملية تحديث المقاتلات الهندية من طراز ميغ سوفياتية الصنع من اهم مجالات التعاون الامنى بين الهند و اسرائيل .. كما ان ثمة نوعا جديدا من الطائرات العمودية حديثة الطراز التى صممتها وانتجتها شركة صناعة الطائرات الاسرائيلة بالتعاون مع مع شركة الطيران الهندستانية قد دخلت في الفترة الاخيرة وبقوة سوق القطاع الصناعي العالمي للطائرات ، وهذا النوع من الطائرات العمودية يمكن استخدامه في المجالات العسكرية والامنية والمدنية ، وقد لاقت ترحيبا كبيرا في معرض بنجاور الدولي للطيران عام 2003 ..
ثالثا: العوامل التى ساهمت فى تفعيل العلاقات الهندية – الاسرائيلية
لقد جاءت تلك التغييرات الكبيرة التى طرأت على العلاقات الهندية – الاسرائيلية نتيجة انتهاج الحكومة الهندية لسياسة خارجية موضوعية متوازنة .. فبعد انتهاء الحرب الباردة دخلت التشكيلة الدولية والعلاقات الدولية في مرحلة حافلة بالاضطرابات واعادة التنظيم .. وهذا ما دفع بالحكومة الهندية الى تغيير سياستها الخارجية بعد ان كانت تتخذ من تميز العلاقات الهندية – السوفياتية كاساس لاستراتيجيتها الديبلوماسية ، للعمل بجد على تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ، وهذا ما ساعد على فتح صفحة جديدة فى علاقاتها مع اسرائيل . فوجهت الحكومة الهندية دعوتها لشارون لزيارة نيودلهي ، كدلالة على انهائها للسياسة المنحازة للعالم العربى و القضية الفلسطينية ، وبداية انتهاج دبلوماسية اكثر مرونة وتوازنا في الصراع العربي الاسرائيلي ، رافعة بذلك افق علاقاتها مع اسرائيل ..
وهناك ثمة دوافع و مسببات اخرى وراء تطور العلاقات الهندية – الاسرائيلية :
1 ) مقتضيات المصالح الاستراتيجية الاساسية لكلا البلدين . تتخذ الهند من تمثيها لدور يليق بها كاحدى الدول الكبرى فى آسيا والعالم كهدف استراتيجي لها ، ومن تعزيز وتطوير تسلحها وانشاء قوة دفاعية ضخمة كسند استراتيجى لتحقيق اهدافها كدولة كبرى .. ومن الصعوبة بمكان ان تنجز الهند عملية تحديث التقنيات العسكرية بعيدا عن مساعدة الدول الاخرى ، وهناك في اسرائيل اسلحة ذات تقنية عالية ، الهند في امس الحاجة اليها .. خاصة وان الولايات المتحدة وغيرها من الدول المعنية قامت بفرض عقوبات على الهند ووقف بيع الاسلحة لها نتيجة قيامها في تسعينات القرن الماضي بعدة تجارب نووية غير ابهة بالمعارضة الامريكية والدول الغربية ، فعادت الهند بحاجة اكثر الى الاسلحة الاسرائيلية .. اضف الى ذلك استغلال الهند للتعاون مع اسرائيل لاقامة علاقات غير مباشرة مع سوق الاسلحة الامريكية , للتقليل من درجة اعتمادها على الاسلحة الروسية ، ودفع علاقاتها مع الولايات المتحدة نحو الافضل .
أما بالنسبة لاسرائيل التى تناصب منذ زمن طويل العداء للدول العربية المحيطة ، فهى فى امس الحاجة الى تطوير علاقاتها مع الهند التى تعد ثانى اكبر دول العالم من حيث التعداد السكانى و احدى القوى المؤثرة فى العالم الثالث ، للخروج من العزلة الدولية الخانقة التي تعيشها .. تأمل اسرائيل تكوين محور استراتيجى " ديمقراطى " جديد يضم اسرائيل – الهند – امريكا اضافة الى التحالف الاستراتيجى القائم حاليا والذى يضم اسرائيل – تركيا – امريكا ، طمعا منها فى الوصول الى تحسين البيئة الجيو أمنية التي تعيشها الاّن .. و فوق ذلك كله فان تطوير علاقاتها مع الهند سيوفر لها فرصا اكثر واكبر لتوسيع فضائها الخارجى اقتصاديا من ناحية ، و من ناحية اخرى تجد مخرجا للقطاعات الحربية المحلية الضخمة ، وتحافظ على حيوية الصناعات الحربية وضمان مصالحها الامنية ..
2 ) تفرض الحاجة على البلدين تعزيز التعاون فى مكافحة الارهاب ، ذلك لان كلاهما يتعرض لتهديدات حركة الاصولية الاسلامية .. تتفشى هذه الحركة بشكل مثير فى الهند ذات الـ 130 مليون مسلم ، وباتت تشكل تهديدا خطيرا للمجتمع ، بينما اسرائيل ظلت تعيش منذ نشأتها فى حصار من قبل الدول العربية التى تكن لها العداء الكبير ، وان القوى الاسلامية المتطرفة و حركة الاصولية الاسلامية ظلت تتخذ من القضاء على اسرائيل كهدف لها .. و قد ادرك البلدان مدى ضرورة التعاون في مكافحة الارهاب في ظل مواجهتهما سويا لتهديدات حركة الاصولية الاسلامية .. فالهند بحاجة الى المعلومات الاستخبارية الاسرائيلية ، بينما اسرائيل بحاجة الى الدعم السياسي والدبلوماسي الهندي .. فخلال زيارة L.K.ADVANI وزير الداخلية الهندي لاسرائيل في يونيو / حزيران 2000 قال " ان كلا من الهند و اسرائيل يعتبران الارهاب من اخطر التهديدات على أمنهما ، ويتعرضان لهجمات نزعة الاصولية الدينية ، و ان موقفهما الموحد في مجال مكافحة الارهاب يعتبر حجرا هاما في اساس التعاون القائم بين البلدين ، وان لدى اسرائيل تجربة غنية في مكافحة الارهاب " . ] ملاحظة 3[ . هذا و كان المتحدث باسم السفارة الاسرائيلية لدى الهند قد اعرب فى تصريح لـ (( نيويورك تايمز )) عن " ان الارهاب يعد اخطر التحديات التى تواجهها الهند و اسرائيل , اننا نتفهم بعضنا البعض ، و يستشعر كل واحد منا بظروف الطرف الاّخر ".] ملاحظة 4[ كما ان بوراجيشى ميشالا مستشار الامن القومى الهندى كان قد دعا وبشكل علني خلال مشاركته في الدورة السنوية السابعة و التسعين لـ " لجنة يهود الولايات المتحدة " التي عقدت فى 8 مايو 2003 قائلا " على الهند و اسرائيل و الولايات المتحدة ضرورة تشكيل جبهة موحدة لتنيسق الجهود ضد التهديد المشترك – الارهاب " ] ملاحظة 5[ ، بل ذهب الى حد دعوة الولايات المتحدة واسرائيل والهند الى انشاء " تحالف يتمتع بارادة سياسية وصلاحيات انسانية ، تخوله في اتخاذ قرارات كبيرة وجريئة في الاوقات الحرجة والصعبة من مواجهة العناصر الارهابية " . ] ملاحظة 6[
3 ) الجناح اليميني هو الحاكم في كل من الهند واسرائيل ، وان المفاهيم السياسية متقاربة بينهما . ففي اسرائيل بقى حزب العمل اليسارى فى سدة الحكم قرابة ثلاثين سنة من بين الخمس والخمسين سنة من عمر دولة اسرائيل التي تأسست عام 1948 ، بينما استولت كتلة الليكود اليمنية على السلطة في اسرائيل ، ولاول مرة ، عام 1977 ، حيث شكلت حكومة يمينية برئاسة بيجين ، مما قلب موازين الوضع السياسى الاسرائيلى الذى كان حزب العمل يوجه دفته لفترة طويلة .. الا انه وفي الاعوام الاخيرة ، وبسبب استمرار تزايد العمليات الانتحارية الفلسطينية وتفاقم حدة الاشتباكات الفلسطينية الاسرائيلية ، باءت بالفشل تلك السياسة المعتدلة التى كانت تنتهجها حكومة حزب العمل نحو عرفات ، مما مهد الطريق امام كتلة الليكود للفوز في الانتخاب العامة ، ليصبح شارون رئيس الدورة الثلاثين للحكومة الاسرائيلية ، حيث اتجهت اسرائيل كليا نحو اليمين , وراحت حكومة شارون تتخذ مواقف اكثر تشددا و تشنجا تجاه الفلسطينيين ، وتزيد من قوة ملاحقتها وضرباتها للقوى الوطنية الفلسطينية المتصلبة والمعادية لاسرائيل ، وذهب بها الحد الى انتهاج اسلوب التصفية الجسدية الموقعية لرموزها وقادتها .. اما بالنسبة للهند التي تأسست قبل اسرائيل بعام واحد ، فهي ايضا ظل يحكمها الجناح اليساري المتمثل " بحزب المؤتمر الوطني " الذي قادته عائلة نهرو لاكثر من اربعين عاما في النصف القرن الماضي .. ومن قبيل الصدف ان حزب الشعب الهندى اليمينى هو الاخر بدأ مسيرته فى الحلبة السياسية الهندية وقيادة البلاد عام 1977 ، فراح واجباييVAJPAYEE ATAL BIHARI وزير الخارجية الهندية انذاك يطبق نوعا من السياسات الخارجية اللانهروية علما بان حزب الشعب الهندى الذى يتخذ العقيدة الهندوسية منهجا له ، تطغى عليه الصبغة القومية الهندوسية . وقد فاز بـ 161 مقعدا فى الدورة الحادية عشر للانتخابات البرلمانية التى جرت عام 1996 ليشكل بذلك الاغلبية التي اهلته لتشكيل حكومة هندية جديدة بقيادته . وفي الدورتين الثانية عشر والثالثة عشر للبرلمان عامي 1998 و 1999 عاد وفاز ب 179 و 182 مقعدا ليشكل الاغلبية البرلمانية في الدورتين المتتاليتين . ] ملاحظة7 [ . بعد ان تولي واجباييVAJPAYEE ATAL BIHARI رئاسة الوزراء عام 1998 ، واصل انتهاجه وترسيخه لتلك السياسة اللانهروية فى السياسة الخارجية الهندية . و من المعلوم ان الهندوس يشكلون نسبة 80 بالمائة من المجموع الكلى لسكان الهند البالغ مليار نسمة ، بينما يصل عدد المسلمين فى الهند الى 130 مليون نسمة . ونظرا لسيطرة الاحزاب اليمينية على السلطة في كل من الهند واسرائيل ، فقد وجدت لغة مشتركة بينهما في مواجهة الحركة الاصولية الاسلامية ، ليس على صعيد المفاهيم السياسية فحسب , بل وايضا في وضع السياسات وطرق ممارستها وتنفيذها ..
4 ) وجود قوة تأثير اميركية قوية لدفع العلاقات الهندية الاسرائيلية . فمن المعلوم للجميع ان هناك تأثير كبير للكتلة اليهودية التى تتحرك خارج الكونغرس الامريكى على توجهات السياسة الامريكية حيال الشرق الاوسط . ففي السنوات الاخيرة بدأ تأثير الكتلة الهندية يزداد لدى قوى النفوذ في اللولايات المتحدة .. ان تعاظم المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين الهنود في الولايات المتحدة والبالغ عددهم مليون ونصف المليون هندي ، وازدياد تأثيرهم السياسي لا يمكن مقارنته مع أى جماعة مهاجرة جديدة ، مع الاشارة الى ان عدد الكفاءات الهندية المتخصصة فى مجالات الحاسوب ، والالكترونيات ، والهندسة المعمارية ، والعلوم والتكنولوجيا المتطورة التي تعيش فى الولايات المتحدة اكثر من نظرائهم العاملين فى وطنهم الام – الهند . وان نسبة 40% من المشاريع الجديدة التى تم تنفيذها في منطقة GUI GU يمتلكها اميركيون من اصول هندية . وبعد ان حقق هؤلاء كل ذلك الاستثمار الاقتصادي ، ذهبوا يقحمون انفسهم في الحلبة السياسية ، واصبحوا احدى المصادر المالية الهامة لانتخابات مجلسي الشيوخ و النواب الامريكيين . و مع تزايد القوة المؤثرة للكتلة الهندية عملت الحكومة الهندية على تسخيرهم للتأثير على الكونغرس والحكومة .. ان السفارة الهندية لدى الولايات المتحدة ذهب بها الحد عام 1998 الى استدعاء بعض الشركات العاملة في مجال العلاقات العامة لرسم سيناريوهات تساعدها على فرض تأثيرات على المواقف الامريكية ازاء الهند . ] ملاحظة8 [ ، ثم اصبح بين هذه الجماعات الهندية وبين اليهود الامريكان صلة وثيقة جدا تتجه مع مر الزمن نحو العمل المشترك فى هذا السياق , بدليل ان " لجنة العمل السياسى الهندية الامريكية " و " لجنة الشؤون اليهودية الامريكية " و " لجنة شؤون العلاقات العامة الاسرائيلية الامريكية " ( الايباك ) قد نظمت فى يوليو/ تموز 2003 مؤتمرا صحفيا مشتركا فى واشنطن . وهنا لا بد من الاشارة الى ان موافقة البيت الابيض على بيع اسرائيل طائرات للانذار المبكر للهند له علاقة كبيرة مع هذا النوع من التأثير .. و قد قام جنسون . آساكس مسؤول مكتب لجنة الشؤون اليهودية الامريكية فى واشنطن بوصف الهند واسرائيل بانهما " دولتان ديمقراطيتان محاصرتان من قبل الكثير من دول الجوار فائقة التسلح " ، وان اجراء التعاون بينهما في بعض المجالات ذات المصالح المشتركة هو امر طبيعي .
رابعا : التعاون الهندى – الاسرائيلى يتماشى والمصالح الامريكية
لقد ساعد تحسن العلاقات الامريكية – الهندية على تطوير العلاقات الهندية - الاسرائيلية الى حد كبير . ففي اعقاب الحرب الباردة ، راحت الولايات المتحدة تعيد ترتيب سياستها تجاه جنوب آسيا حيث استبدلت السياسة المتمثلة بالتقارب مع باكستان و التباعد عن الهند بسياسة ايلاء اهتمامات مماثلة بتطوير علاقاتها مع الهند و باكستان مع الميول اكثر باتجاه الهند . و يمكن القول بان الدعم الامريكى لتطوير العلاقات الهندية – الاسرائيلية هو امتداد للتوجهات الامريكية نحو تعزيز العلاقات الاستراتيجية الامريكية – الهندية . فالولايات المتحدة تسعى من وراء ذلك ايضا الى تحسين البيئة المحيطة باسرائيل لتخفيف من حدة ضغوط التزاماتها وحدها تجاه اسرائيل، كما ويمكنها تسخير بيع اسرائيل للمعدات الحربية لخدمة اهداف استراجيتها فى آسيا . و قد بدأت ترتفع حرارة العلاقات الامريكية الهندية منذ مارس / اّذار 2000 ، حين قام الرئيس الامريكي كليتون بزيارة رسمية لنيودلهى , ثم أخذت تتعزز بصورة اوثق اعقاب " حادثة الحادي عشر من سبتمبر " وخاصة فى المجال العسكرى ، حيث قام رئيس المجلس الامريكى المشترك لرؤساء اركان الحرب بزيارة للهند ثلاث مرات خلال سنتين ، في حين ان فرنادس – وزير الدفاع الهندى المعروف بانتمائه الى جناح الصقور هو الاخر قام بزيارة للولايات المتحدة تمخض عنها ابرام العديد من صفقات الاسلحة واتفاقيات في مجال التعاون العسكرى . و ان حقيقة تطور التعاون العسكرى الاسرائيلى – الهندى تعكس , بحكم العلاقات الامريكية – الاسرائيلية المتميزة , مدى الجهود المشتركة الامريكية – الاسرائيلية فى تسليح الهند، ذلك لان اسرائيل يستحيل عليها بيع انظمة للانذار المبكر المحمولة جوا وانظمة الدفاع الصاروخية وغيرها من الانظمة المتطورة للهند دون موافقة مسبقة من البنتاغون الامريكى . هذا فان رابين – رئيس الوزراء الاسرائيلى الاسبق قد اشار بكل وضوح فى حديث له مع (( الهندوستان تايمز )) الى ان " التعاون العسكرى الهندى – الاسرائيلي مقيدا بالالتزامات الاسرائيلية تجاه الولايات المتحدة " . ] ملاحظة9 [
وان النوايا الامريكية فى بناء التحالف الامريكى – الهندى – الاسرائيلى تتصل بشكل قوي بالمخططات الاستراتيجية الجديدة التى وضعتها الولايات المتحدة لمحاربة الارهاب على المستوى العالمى . فقد تعرضت الحرب العراقية التى شنتها الولايات المتحدة فى مطلع العام الماضى الى موجة من المعارضة الحازمة من قبل فرنسا و المانيا و روسيا , و من الجدير بالذكر ان قوى " اوربا القديمة " التى تضم فرنسا و المانيا قد باتت تشكل عائقا فى وجه الولايات المتحدة لتطبيق استراتيجيتها العالمية . لذا تتجه الولايات المتحدة ضمن هذه الحسابات ، وبشكل حثيث ، نحو غيرهما من دول العالم لتشكيل نوعا آخرا من التحالفات التي تساهم فى تحقيق اهدافها الاستراتيجية . فلم تكن الحرب العراقية التى شنتها الولايات المتحدة الا عملا قام به " حلف المتطوعين " الذى شكلته مع بريطانيا واكثر من ثلاثين دولة اخرى . وتسعى الولايات المتحدة اليوم الى تشكيل " المحور الديمقراطى " بالاتحاد مع اسرائيل و الهند في محاولة منها لتكوين مجموعة عسكرية اقليمية ذات نطاق اوسع . و سوف يكون لهذا " المحور الديمقراطى " الامريكى – الهندى – الاسرائيلى و الذى ما زال فى طور تكوينه الاهمية الاستراتيجية الاخطر لتحقيق الاهداف الامريكية البعيدة المدى و الرامية الى محاربة الارهاب على النطاق العالمى لكون اسرائيل تمتلك القوة العسكرية فائقة التقنية الى جانب التجارب و القدرات العسكرية الغنية جدا التى صقلتها نيران الحروب التى خاضتها، في حين ان الهند تعد من احدى الدول الاسيوية الكبرى عسكريا كما انها لم تكف في السنوات القليلة الماضية عن تطوير قوتها الدفاعية حيث تزداد نفقاتها العسكرية بنسبة كبيرة، الى جانب ان قوتها البحرية قد وصلت الى مياه بحر الصين الجنوبى و غيرها من المناطق المائية الاخرى , و جملة القول ان قوتها العسكرية تتطور اليوم بشكل ملفت للانظار . و الهدف الأخر من الجهد الامريكى المكثف فى اقامة التحالف الثلاثى الاطراف – امريكا – اسرائيل – الهند هو الحد من قوة الصين و روسيا ، اذ ان حكومة بوش التى تمثل الجناح اليمينى المحافظ للحزب الجمهورى الامريكى تشدد بشكل حازم على المصالح الامريكية العالمية كقوة عظمى , باعتبار ان نهوض غيرها من الدول الكبرى و خاصة روسيا و الصين يمس بالمكانة الامريكية كقوة عظمى وحيدة فى العالم. و لذلك فان حكومة بوش تحاول جهدها فى استمالة الهند حتى تتباعد عن روسيا من ناحية و تشاغل الصين من ناحية اخرى و فوق ذلك فانها ترفع عاليا مكانة الهند فى خريطة الاستراتجيات الامريكية الخارجية بغية الهاء الهند عن تطوير العلاقات الثلاثية الاطراف – الصين – روسيا – الهند بما يصب فى خدمة الاستراتيجية الامريكية التى تستهدف آسيا و اوروبا . و ما تقدم ذكره هو من اهم الدوافع وراء الجهود الامريكية المكثفة لتعزيز العلاقات الهندية- الاسرائيلية و محاولاتها تشكيل تحالف " المحور الديمقراطى " الامريكى – الهندى – الاسرائيلى .
خلاصة القول ، باعتبارها دولة اقليمية ذات تأثير كبير ، فلا شك من أن التطورات المستجدة التى طرأت بشكل متلاحق على العلاقات الاسرائيلية – الهندية و خاصة ما سجله تعاونهما العسكري من تقدم وتطور ستقلب بلا محالة موازين المصالح الاستراتيجية فى منطقة جنوب آسيا , و تؤجج حدة سباق التسلح فى المنطقة . وهذا فان العلاقات الهندية – الاسرائيلية فى مجال الامن قد اثارت مسبقا مخاوف شديدة لدى باكستان ، اذ ترى انه من شأن الاجازة الامريكية لاسرائيل ببيع طائرات الانذار المبكر من طراز " فالكون " للهند ان يزيد من حدة اختلال التوازن في الاسلحة التقليدية بالمنطقة .. فبعد اقامة العلاقات الدبلوماسية بين الهند و اسرائيل ، كانت باكستان قد وجهت اصابع الاتهام بتواطئهما ضد العالم الاسلامى . ] ملاحظة 10[ .. و عندما بدأت الهند تتعاون مع اسرائيل فى المجال النووي عام 1998 ، و استخدام الهند لمعدات اسرائيلية فى قاعدة بكلن للتجارب النووية ، ابدت باكستان ردود فعل عنيفة ، كما اعربت الدول العربية عن استيائها لذلك . وان حقيقة تعزيز التعاون الامنى الهندى - الاسرائيلى ستحفز باكستان نحو خطوة اوسع فى طريق تطوير التقنيات النووية , و تؤجج نيران سباق التسلح بينها و بين الهند بما في ذلك سباق التسلح النووى مما يزيد من حدة خطورة انتشار الاسلحة النووية . و من الجدير بالذكر ان العديد من الطائرات الحربية الاستطلاعية بلا طيار اسرائيلية الصنع قد استخدمتها الهند فعليا فوق الحدود الهندية- الباكستانية و الحدود الهندية- الصينية . وان ما يجرى فى مجال الدفاع الوطنى الهندى من عمليات تحديث تقني بمساعدة اسرائيل ستؤدى بلا شك الى تأزيم الاوضاع السائدة فى منطقة جنوب آسيا ، هذا من ناحية ، و من ناحية اخرى فان التحالف الامريكى – الهندى – الاسرائيلى سيكون , فى حالة انجازه , مع الاحلاف القائمة اصلا كالتحالف الامريكى – التركى – الاسرائيلي ، و التحالف الامريكى – اليابانى – الكورى الجنوبي ، شبه دائرة ، مشكلة بمجموعها كتلة عموم آسيا للانقضاض على العلاقات الدولية والتشكيلة الاستراتيجية القائمة حاليا في منطقة الشرق الاوسط واّسيا ، وهذا ما قد يؤدي الى سلسلة من عمليات اعادة الترتيب والتنظيم للبنية التى تقوم عليها المصالح بالاضافة الى النسيج الامنى .
لكن الهند من ناحية مغايرة محكومة بالعلاقات التقليدية التى تربطها بالدول العربية، واعتمادها المفرط على بترول الشرق الاوسط، فان الهند ليست راغبة فى ان تلحق اضرارا اكبر بعلاقاتها مع الدول العربية حين تطور علاقاتها الجوهرية مع اسرائيل , بل و ستبذل جهودا أكيدة فى ايجاد افضل نقطة توازن للعلاقات الهندية – العربية بما يحقق اكبر قدر ممكن من مصالحها القومية .
معهد دراسات اوروبا الشرقية و آسيا الوسطى و الغربية التابع لاكادمية العلوم الاجتماعية فى شانغهاى
(1) The week ,February 9, 1992 p.37
(2) 孙培钧 华壁云:(印度国情与综合国力),中国城市出版社 2001年版 ,第164页。الصفحة 164 من كتاب ( احوال الهند وقدرتها الوطنية ) الصادر عن دار النشر للمدن الصينية
(3) India today, June 26 ,2000
(4) New York Times ,Sept 7,2003
(5) Alliance with Israel, US tope Indian agenda, The Times of India, Sept .3, 2003.
(6) The guardian, Sept.9,2003.
(7) 孙培钧 华碧云,(印度国情与综合国),中国城市出版社 2001年版。第239页。لصفحة 239 من كتاب ( احوال الهند وقدرتها الوطنية ) الصادر عن دار النشر للمدن الصينية
(8) (美)斯蒂芬。特亨, (大象和孔雀: 解读印度大战略),新华出版社2002年版,第313页 。
(9) P.R.Kumaraswamy, “India and Israel Evolving Strategic Partnership” . Mideast security and Policy Studies, No.40,Sept.1998
(10) Maqsudul Hasan Nuri, “The Indo-Israeli Nexus,” Regional Studies (Islamabad), Vol.13, No3,Summer1994,pp3----54
المصدر : مجلة ابحاث القضايا الدولية الصادرة عن مركز دراسات القضايا الدولية الصيني .. العدد الرابع لعام 2004 ..
المركز العربي للمعلومات
لوه آى لينغLUO AI LING
طوال السنوات القليلة الماضية والعلاقات الهندية- الاسرائيلية تتعزز وتتطور بشكل مطرد . فقد تتوجت باصطحاب شارون في الثامن من ايار العام الماضي ( 2003 ) اكثر من 150 شخصية اسرائيلية في اول زيارة لرئيس وزراء اسرائيلي للهند منذ قيام دولة اسرائيل . وقد دفعت زيارته بالعلاقات بين البلدين الى مستوى لم يعهد من قبل ، كما ترتب عليها تداعيات خطيرة على امن منطقتى جنوب آسيا والشرق الاوسط وتركيبة المصالح فيهما :
اولا : استعراض لتاريخ العلاقات الهندية – الاسرائيلية
لقد مرت العلاقات الهندية – الاسرائيلية في عملية تحولات مليئة بالتعقيدات والتعرجات ، فمنذ اواخر الاربعينات حتى اوائل التسعينات من القرن الماضى ظلت الهند تنتهج سياسة عدم الانحياز ، وتتخذ مواقف التقرب من العالم العربي والتعاطف مع القضية الفلسطينية والتنافر والجفاء مع اسرائيل , الامر الذى أدى الى عدم اقامة علاقات دبلوماسية بين الهند واسرائيل بشكل رسمي على مدار اربعين عاما .
ففي عام 1947 ، وخلال مناقشة هيئة الامم المتحدة لقرار تقسيم فلسطين ، ظلت الهند ومعها ايران و يوغسلافيا السابقة، تعارض تقسيم السيادة على فلسطين وتدعو الى اقامة حكومة فلسطينية فيدرالية يمنح اليهود فيها فقط حكما ذاتيا مستفيضا .. الا انها حافظت على نوع من العلاقات الرسمية مع اسرائيل بعد قيامها ، حيث سمحت لاسرائيل بانشاء مكتب لها في بومباى لادارة شؤون اليهود الذين لجأوا اليها اثر الحرب العالمية الثانية وتسهيل مهمة هجرتهم الى اسرائيل .. فبعد انهاء هذا المكتب لمهمته المحددة تم تحويله الى مكتب تجاري لاسرائيل ..
بعد قيام باكستان ، عادت مشكلة كشمير ، المتنازع عليها بين الدولتين ، تشكل عنصرا هاما في السياسة الخارجية الهندية .. فمن اجل الحصول على تأييد العرب في المسألة الكشميرية ، حافظت الهند على مسافة تفصلها عن اسرائيل ، وواظبت على توجيه الانتقادات للسياسة الامريكية الشرق اوسطية .. وبعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ، سارعت الحكومة الهندية الى الاعتراف بها " كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني " ، مما ادى الى تعميق الجفاء والفتور في العلاقات الهندية الاسرائيلية ، بل وذهب الامر بالحكومة الهندية الى حد رفضها منح اي تأشيرات للوفود الاسرائيلية المشاركة في المؤتمرات الدولية والالعاب والمهرجانات الرياضية التي تقام على اراضيها .. ان اعتماد الهند على البترول العربي ، وسعيها وراء التربع على عرش حركة عدم الانحياز والتحدث باسمها ، يتطلب الدعم والتأييد الواسعين من الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي التي اسست عام 1969 ، اضافة الى تضامن الدول الاسيوية والافريقية في مناهضة الاستعمار ، كل هذه العوامل جعلت الهند غير راغبة في التقرب من اسرائيل ..
وبعد تولي راجيف غاندى لرئاسة وزراء الهند ، شرع في اجراء تعديلات على السياسة الهندية تجاه اسرائيل ، واتخذ سلسلة من الخطوات التي تساعد على تطبيع العلاقات بين البلدين .. ففي الدورة 40 للجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة عام 1985 ، التقي راجيف غاندي برئيس الوزراء الاسرائيلي بيريس .. وفي عام 1991 ، وبعد انتخاب زعيم حزب الشعب الهندى وزير الخارجية الاسبقNARASIMHA RAO رئيسا لوزراء الهند ، قام بتعديلات اكبر على السياسة الخارجية الهندية تجاه اسرائيل ، حيث طالبت حكومته بحزم فى السادس عشر من ديسمبر 1991 ، اثناء انعقاد الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة ، بالغاء قرار " الصهيونية شكل من اشكال العنصرية " وكل القرارات العنصرية المشابهة عن اسرائيل .. تلا ذلك اعلان الهند رسميا عن اقامة العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1992 ..
و فيما يلى اهم العوامل التي دفعت بالهند الى تحويل موقف الجفاء من اسرئيل الذي دام طويلا الى تطبيع العلاقات معها :
1 ) انتهاء الحرب الباردة , تفكك الاتحاد السوفياتى ، تلاشى حالة المواجهة بين الشرق والغرب : فقد كانت التشكيلة القطبية الثنائية الامريكية – السوفياتية المتصارعة للهيمنة على العالم هي التي تؤثر في السياسة الهندية حيال اسرائيل وتتحكم بها .. فتوجه السياسة الهندية المنحاز للاتحاد السوفياتي والمعادي للولايات المتحدة هو الذي فرض عليها ان تتخذ موقفا فاترا من اسرائيل حليفة الولايات المتحدة والدول الغربية ، وادراج تأييد حركة التحرر الوطني للشعب الفلسطينى فى السياسة الخارجية لحزب المؤتمر الوطنى الذي تولى زمام الحكم زمنا طويلا .
2 ) ضعف القوة المؤثرة لحركة عدم الانحياز : فمنذ ان رفضت المشاركة الاسرائيلية في مؤتمر بالي عام 1955 ، ظلت دول حركة عدم الانحياز مثابرة على عدم التعاطي مع اسرائيل .. ولكون الهند احدى الدول الداعية والمؤسسة لهذه الحركة كان لا يمكن لها ان تشذ عن هذه القاعدة .. ومع انتهاء الحرب الباردة بدأ صوت حركة عدم الانحياز يخف ويضعف رويدا رويدا ، الامر الذي أضعف معه النشاطات الجماعية والمنظمة للحركة المعارضة والمناوءة لاسرائيل ، وهذا ما ساعد الهند كثيرا على اعادة تقييم سياستها تجاه اسرائيل ..
3 ) ان سياسة الاقتصاد الحر التى انتهجتها حكومةNARASIMHA RAO الهندية هى الاخرى ساعدت على تطوير تطبيع العلاقاتها الهندية الاسرائيلية .. فمن اجل تسريع عجلة النمو الاقتصادى، قامت الهند باصلاحات اقتصادية ، حيث طبقت سياسة الانفتاح على الخارج ، وانتهجت الية السوق الحر ، متخذة من الولايات المتحدة و غيرها من الدول الغربية هدفا لسياستها الانفتاحية واعتبارها من اهم الشركاء الاقتصاديين لها .. و بحكم العلاقات المتميزة القائمة بين اسرائيل و الولايات المتحدة ، وظفت الهند تطوير علاقاتها معها لصالح المزيد من دفع وتطوير علاقاتها السياسة والاقتصادية مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ..
4 ) مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط الذي عقد في اكتوبر 1991 ، جاء ليكسر العزلة السياسية والدبلوماسية الدولية التي كانت تعيشها اسرائيل ، وهذا ما اعطى اسرائيل هامشا اوسع لنشاطاتها واعمالها الدبلوماسية .. على اثر ذلك راحت الكثير من دول العالم تعدل من سياساتها تجاه اسرائيل ، وتعترف بحقها في الوجود وتحقيق تطبيع العلاقات معها .. ففي الرابع والعشرين من كانون الثاني لعام 1992 اقامت الصين ايضا علاقات دبلوماسية مع اسرائيل . وقد ساعدت هذه التطورات على ازالة مخاوف الهند جراء تطوير علاقاتها مع اسرائيل ..
5 ) ان اقامة الهند ، التي ظلت تتعاطف وتؤيد القضايا العربية ، علاقات دبلوماسية مع اسرائيل ، جاءت كرد فعل من الحكومة الهندية على الدول العربية لعدم تجاوبها مع الموقف الهندي بالمسألة الكشميرية .. وعلى العكس ظلت الدول العربية منحازة للموقف الباكستاني في هذه المسألة .. لذا راح J . N ديكاسيت سكرتير الدولة للشؤون الخارجية الهندية يتساعل علنا بعد اقامة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل بفترة وجيزة قائلا:" ماذا الذي قدمته الشعوب العربية للهند ؟ هل قدمت لنا أى تأييد يذكر في المسألة الكشميرية ؟ واين كان العرب عندما انفجرت ازمة باكستان الشرقية عام 1971؟ " .] ملاحظة 1[
ثانيا : انطلاق العربة السريعة للتعاون الهندي الاسرائيلي الشامل
لقد شهدت العلاقات الهندية – الاسرائيلية تطورا سريعا بعد اقامة العلاقات الديبلوماسية بينهما :
(1) تعميق العلاقات السياسية و تكثيف الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين : فى مايو / أيار 1993 كان بيريس اول من زار الهند بصفته وزيرا للخارجية الاسرائيلية . وفي نهاية 1996 ومطلع 1997 زار الهند وايزيمان – الرئيس الاسرائيلى اّنذاك برفقة وفد تجارى كبير . وفى يونيو/ حزيران 2000 ، قام كل من وزير الداخلية الهندي L.K.ADVANI ووزير الخارجية BUTA SINGH بزيارة اسرائيل بغية تعزيز التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية لجانب النواحي الاستراتيجية . وخلال فترة الانتخابات المتوسطة التى جرت في الهند عام 1996 اوفد واجباييVAJPAYEE ATAL BIHARI رئيس الوزراء الهندى ميشيرا مستشار الامن القومي الى اسرائيل لتبادل الاراء مع رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك حول تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين ، وهذا ما أظهر بكل وضوح عزم الهند في انتهاج وتطبيق سياسة شرق اوسطية جديدة .. وفي مؤتمر معاداة التفرقة العنصرية الذي نظمته هيئة الامم المتحدة في مدينة دربانDURBAN بجنوب افريقيا في اغسطس / اّب 2001 ، وقفت الهند بحزم ضد اقران الصهيونية بالعنصرية او بأي شكل من اشكال الاستعمار ، علما بانها كانت قد وقفت عام 1975 ، والحرب الباردة على اوجها ، موقفا واحدا مع العرب عند تصويتها لصالح القرار الذي تقدمت به الدول العربية لهيئة الامم المتحدة والخاص باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية ..
(2) التعاون التجارى – الاقتصادى يحقق نتائج ملموسة : وبعد اقامة العلاقات الديبلوماسية ، وخاصة بعد توقيع اتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين في نوفمبر 1995 ، والتي نصت على تبادل مكانة الدولة الاولى بالرعاية ، شهدت حركة التبادل التجارى بين البلدين نموا سريعا ، حيث بلغ اجمالي حجمه عام 2002 مليار وثلاثمائة مليون دولار امريكى ، بينما كان عام 1992 لا يتعدى 200 مليون دولار فقط ، اي بزيادة قدرها خمسة اضعاف ونصف . فقبل تطبيع العلاقات بين البلدين عام 1992 ، لم يكن هناك اي استثمار اسرائيلي يذكر في الهند .. و لكن مع حلول ديسمبر 1995 وقعت شركة بيزك Bezeq الاسرائيلية للاتصالات و شركة جيل الغد الهندية للاتصالات فى اقليم هيماجار على مشروع للهواتف النقالة وصلت قيميته الاستثمارية الى 41 مليار و 400 مليون روبية ، اي ما يساوي 1.18 مليار دولار امريكي . ] ملاحظة 2[ .. هذا الى جانب التعاون الذي يتعزز باطراد بين البلدين في المجالات الزراعية ، والري والصرف والاقراص والبرامج والاجهزة الالكترونية وغيرها من التقنيات العالية .. علما ان اتفاقات وبروتوكالات عدة قد تم توقيعها بين البلدين في مجال المقاييس والمعايير المعتمدة فى القطاع الصناعى , والبحث والتطوير ، و تجنب الازدواج الضريبى ، وحماية الاستثمارات ، والتعاون الجمركى ، وفي المجال المالي ايضا .. هذا و قد تم انشاء اللجنة الهندية- الاسرائيلية المشتركة للتعاون التجارى و الاقتصادى كما تم توقيع اتفاقية للتبادل الثقافى و اتفاقية اخرى للتعاون العلمى و الفنى .
(3) استمرار تعزز التعاون الاستراتيجى و الامنى بين البلدين : فقد تم انشاء آلية تشاور دورية لشؤون الدفاع الوطني بين البلدين على مستوى الامناء العامين في الوزارتين ، ولجنة مشتركة على مستوى الوزراء في مجال مكافحة الارهاب ، ومجمع للحوار الاستراتيجي وغيرها من اللجان المشتركة على مختلف المستويات .. ونظرا لاستمرارية تزايد الاعمال الارهابية وتسربها عبر الحدود ، فان الهند فى أمس الحاجة الى التعاون والمساعدات الاسرائيلية فى مجال رصد وجمع المعلومات الاستخبارية , وسياسات واجراءات مكافحة الارهاب ، والمراقبة الالكترونية على الحدود .. وهناك تعاون قائم بين البلدين في تبادل وتقاسم المعلومات الخاصة بمكافحة الارهاب ، حيث تم تشكيل" فريق عمل مشترك لمحاربة الارهاب " الذى اصبحت اسرائيل بموجبه جهة من الجهات التى دائما ما تلجأ الهند اليها للتشاور في هذا المجال .. كثيرا ما ترسل الهند فرقا من قواتها الخاصة لاخذ تدريبات عسكرية في مجال مكافحة الارهاب .. وكونها اقرب الحلفاء العسكريين للهند وشريك تعاون في المجال الاستخبارى ، قدمت اسرائيل لها صواريخ موجهة جو – جو من طراز باراك , و طائرات بلا طيار ، و انظمة انذار مبكر معقد وفائق الدقة ، وانظمة خاصة بالحرب الالكترونية التي يمكن تركيبها على السفن الحربية و غيرها من الاسلحة و المعدات الحربية ذات التقنيات العالية .
فبعد ان اعربت الولايات المتحدة في مطلع عام 2003 عن عدم معارضتها على بيع اسرائيل لطائرات " الفالكون " التي تحمل انظمة الانذار المبكر ، اقرت اللجنة الامنية في مجلس الوزراء الاسرائيلي في التاسع والعشرين من شباط 2004 بيع الهند ثلاث طائرات منها بقيمة مليار ومائة مليون دولار اميركي ، وتعتبر هذه الصفقة اكبر الصفقات العسكرية التي ابرمت بين البلدين الى يومنا هذا .. وتستعد الهند الان لشراء نظام مضاد للصواريخ الموجهة اعدته وانتجته كل من الهند واسرائيل بشكل مشترك والبالغ قيمته 2.5 مليار دولار اميركي .. وبما ان اسرائيل نجحت في تطوير الاسلحة والمعدات السوفياتية ، اصبحت عملية تحديث المقاتلات الهندية من طراز ميغ سوفياتية الصنع من اهم مجالات التعاون الامنى بين الهند و اسرائيل .. كما ان ثمة نوعا جديدا من الطائرات العمودية حديثة الطراز التى صممتها وانتجتها شركة صناعة الطائرات الاسرائيلة بالتعاون مع مع شركة الطيران الهندستانية قد دخلت في الفترة الاخيرة وبقوة سوق القطاع الصناعي العالمي للطائرات ، وهذا النوع من الطائرات العمودية يمكن استخدامه في المجالات العسكرية والامنية والمدنية ، وقد لاقت ترحيبا كبيرا في معرض بنجاور الدولي للطيران عام 2003 ..
ثالثا: العوامل التى ساهمت فى تفعيل العلاقات الهندية – الاسرائيلية
لقد جاءت تلك التغييرات الكبيرة التى طرأت على العلاقات الهندية – الاسرائيلية نتيجة انتهاج الحكومة الهندية لسياسة خارجية موضوعية متوازنة .. فبعد انتهاء الحرب الباردة دخلت التشكيلة الدولية والعلاقات الدولية في مرحلة حافلة بالاضطرابات واعادة التنظيم .. وهذا ما دفع بالحكومة الهندية الى تغيير سياستها الخارجية بعد ان كانت تتخذ من تميز العلاقات الهندية – السوفياتية كاساس لاستراتيجيتها الديبلوماسية ، للعمل بجد على تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ، وهذا ما ساعد على فتح صفحة جديدة فى علاقاتها مع اسرائيل . فوجهت الحكومة الهندية دعوتها لشارون لزيارة نيودلهي ، كدلالة على انهائها للسياسة المنحازة للعالم العربى و القضية الفلسطينية ، وبداية انتهاج دبلوماسية اكثر مرونة وتوازنا في الصراع العربي الاسرائيلي ، رافعة بذلك افق علاقاتها مع اسرائيل ..
وهناك ثمة دوافع و مسببات اخرى وراء تطور العلاقات الهندية – الاسرائيلية :
1 ) مقتضيات المصالح الاستراتيجية الاساسية لكلا البلدين . تتخذ الهند من تمثيها لدور يليق بها كاحدى الدول الكبرى فى آسيا والعالم كهدف استراتيجي لها ، ومن تعزيز وتطوير تسلحها وانشاء قوة دفاعية ضخمة كسند استراتيجى لتحقيق اهدافها كدولة كبرى .. ومن الصعوبة بمكان ان تنجز الهند عملية تحديث التقنيات العسكرية بعيدا عن مساعدة الدول الاخرى ، وهناك في اسرائيل اسلحة ذات تقنية عالية ، الهند في امس الحاجة اليها .. خاصة وان الولايات المتحدة وغيرها من الدول المعنية قامت بفرض عقوبات على الهند ووقف بيع الاسلحة لها نتيجة قيامها في تسعينات القرن الماضي بعدة تجارب نووية غير ابهة بالمعارضة الامريكية والدول الغربية ، فعادت الهند بحاجة اكثر الى الاسلحة الاسرائيلية .. اضف الى ذلك استغلال الهند للتعاون مع اسرائيل لاقامة علاقات غير مباشرة مع سوق الاسلحة الامريكية , للتقليل من درجة اعتمادها على الاسلحة الروسية ، ودفع علاقاتها مع الولايات المتحدة نحو الافضل .
أما بالنسبة لاسرائيل التى تناصب منذ زمن طويل العداء للدول العربية المحيطة ، فهى فى امس الحاجة الى تطوير علاقاتها مع الهند التى تعد ثانى اكبر دول العالم من حيث التعداد السكانى و احدى القوى المؤثرة فى العالم الثالث ، للخروج من العزلة الدولية الخانقة التي تعيشها .. تأمل اسرائيل تكوين محور استراتيجى " ديمقراطى " جديد يضم اسرائيل – الهند – امريكا اضافة الى التحالف الاستراتيجى القائم حاليا والذى يضم اسرائيل – تركيا – امريكا ، طمعا منها فى الوصول الى تحسين البيئة الجيو أمنية التي تعيشها الاّن .. و فوق ذلك كله فان تطوير علاقاتها مع الهند سيوفر لها فرصا اكثر واكبر لتوسيع فضائها الخارجى اقتصاديا من ناحية ، و من ناحية اخرى تجد مخرجا للقطاعات الحربية المحلية الضخمة ، وتحافظ على حيوية الصناعات الحربية وضمان مصالحها الامنية ..
2 ) تفرض الحاجة على البلدين تعزيز التعاون فى مكافحة الارهاب ، ذلك لان كلاهما يتعرض لتهديدات حركة الاصولية الاسلامية .. تتفشى هذه الحركة بشكل مثير فى الهند ذات الـ 130 مليون مسلم ، وباتت تشكل تهديدا خطيرا للمجتمع ، بينما اسرائيل ظلت تعيش منذ نشأتها فى حصار من قبل الدول العربية التى تكن لها العداء الكبير ، وان القوى الاسلامية المتطرفة و حركة الاصولية الاسلامية ظلت تتخذ من القضاء على اسرائيل كهدف لها .. و قد ادرك البلدان مدى ضرورة التعاون في مكافحة الارهاب في ظل مواجهتهما سويا لتهديدات حركة الاصولية الاسلامية .. فالهند بحاجة الى المعلومات الاستخبارية الاسرائيلية ، بينما اسرائيل بحاجة الى الدعم السياسي والدبلوماسي الهندي .. فخلال زيارة L.K.ADVANI وزير الداخلية الهندي لاسرائيل في يونيو / حزيران 2000 قال " ان كلا من الهند و اسرائيل يعتبران الارهاب من اخطر التهديدات على أمنهما ، ويتعرضان لهجمات نزعة الاصولية الدينية ، و ان موقفهما الموحد في مجال مكافحة الارهاب يعتبر حجرا هاما في اساس التعاون القائم بين البلدين ، وان لدى اسرائيل تجربة غنية في مكافحة الارهاب " . ] ملاحظة 3[ . هذا و كان المتحدث باسم السفارة الاسرائيلية لدى الهند قد اعرب فى تصريح لـ (( نيويورك تايمز )) عن " ان الارهاب يعد اخطر التحديات التى تواجهها الهند و اسرائيل , اننا نتفهم بعضنا البعض ، و يستشعر كل واحد منا بظروف الطرف الاّخر ".] ملاحظة 4[ كما ان بوراجيشى ميشالا مستشار الامن القومى الهندى كان قد دعا وبشكل علني خلال مشاركته في الدورة السنوية السابعة و التسعين لـ " لجنة يهود الولايات المتحدة " التي عقدت فى 8 مايو 2003 قائلا " على الهند و اسرائيل و الولايات المتحدة ضرورة تشكيل جبهة موحدة لتنيسق الجهود ضد التهديد المشترك – الارهاب " ] ملاحظة 5[ ، بل ذهب الى حد دعوة الولايات المتحدة واسرائيل والهند الى انشاء " تحالف يتمتع بارادة سياسية وصلاحيات انسانية ، تخوله في اتخاذ قرارات كبيرة وجريئة في الاوقات الحرجة والصعبة من مواجهة العناصر الارهابية " . ] ملاحظة 6[
3 ) الجناح اليميني هو الحاكم في كل من الهند واسرائيل ، وان المفاهيم السياسية متقاربة بينهما . ففي اسرائيل بقى حزب العمل اليسارى فى سدة الحكم قرابة ثلاثين سنة من بين الخمس والخمسين سنة من عمر دولة اسرائيل التي تأسست عام 1948 ، بينما استولت كتلة الليكود اليمنية على السلطة في اسرائيل ، ولاول مرة ، عام 1977 ، حيث شكلت حكومة يمينية برئاسة بيجين ، مما قلب موازين الوضع السياسى الاسرائيلى الذى كان حزب العمل يوجه دفته لفترة طويلة .. الا انه وفي الاعوام الاخيرة ، وبسبب استمرار تزايد العمليات الانتحارية الفلسطينية وتفاقم حدة الاشتباكات الفلسطينية الاسرائيلية ، باءت بالفشل تلك السياسة المعتدلة التى كانت تنتهجها حكومة حزب العمل نحو عرفات ، مما مهد الطريق امام كتلة الليكود للفوز في الانتخاب العامة ، ليصبح شارون رئيس الدورة الثلاثين للحكومة الاسرائيلية ، حيث اتجهت اسرائيل كليا نحو اليمين , وراحت حكومة شارون تتخذ مواقف اكثر تشددا و تشنجا تجاه الفلسطينيين ، وتزيد من قوة ملاحقتها وضرباتها للقوى الوطنية الفلسطينية المتصلبة والمعادية لاسرائيل ، وذهب بها الحد الى انتهاج اسلوب التصفية الجسدية الموقعية لرموزها وقادتها .. اما بالنسبة للهند التي تأسست قبل اسرائيل بعام واحد ، فهي ايضا ظل يحكمها الجناح اليساري المتمثل " بحزب المؤتمر الوطني " الذي قادته عائلة نهرو لاكثر من اربعين عاما في النصف القرن الماضي .. ومن قبيل الصدف ان حزب الشعب الهندى اليمينى هو الاخر بدأ مسيرته فى الحلبة السياسية الهندية وقيادة البلاد عام 1977 ، فراح واجباييVAJPAYEE ATAL BIHARI وزير الخارجية الهندية انذاك يطبق نوعا من السياسات الخارجية اللانهروية علما بان حزب الشعب الهندى الذى يتخذ العقيدة الهندوسية منهجا له ، تطغى عليه الصبغة القومية الهندوسية . وقد فاز بـ 161 مقعدا فى الدورة الحادية عشر للانتخابات البرلمانية التى جرت عام 1996 ليشكل بذلك الاغلبية التي اهلته لتشكيل حكومة هندية جديدة بقيادته . وفي الدورتين الثانية عشر والثالثة عشر للبرلمان عامي 1998 و 1999 عاد وفاز ب 179 و 182 مقعدا ليشكل الاغلبية البرلمانية في الدورتين المتتاليتين . ] ملاحظة7 [ . بعد ان تولي واجباييVAJPAYEE ATAL BIHARI رئاسة الوزراء عام 1998 ، واصل انتهاجه وترسيخه لتلك السياسة اللانهروية فى السياسة الخارجية الهندية . و من المعلوم ان الهندوس يشكلون نسبة 80 بالمائة من المجموع الكلى لسكان الهند البالغ مليار نسمة ، بينما يصل عدد المسلمين فى الهند الى 130 مليون نسمة . ونظرا لسيطرة الاحزاب اليمينية على السلطة في كل من الهند واسرائيل ، فقد وجدت لغة مشتركة بينهما في مواجهة الحركة الاصولية الاسلامية ، ليس على صعيد المفاهيم السياسية فحسب , بل وايضا في وضع السياسات وطرق ممارستها وتنفيذها ..
4 ) وجود قوة تأثير اميركية قوية لدفع العلاقات الهندية الاسرائيلية . فمن المعلوم للجميع ان هناك تأثير كبير للكتلة اليهودية التى تتحرك خارج الكونغرس الامريكى على توجهات السياسة الامريكية حيال الشرق الاوسط . ففي السنوات الاخيرة بدأ تأثير الكتلة الهندية يزداد لدى قوى النفوذ في اللولايات المتحدة .. ان تعاظم المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين الهنود في الولايات المتحدة والبالغ عددهم مليون ونصف المليون هندي ، وازدياد تأثيرهم السياسي لا يمكن مقارنته مع أى جماعة مهاجرة جديدة ، مع الاشارة الى ان عدد الكفاءات الهندية المتخصصة فى مجالات الحاسوب ، والالكترونيات ، والهندسة المعمارية ، والعلوم والتكنولوجيا المتطورة التي تعيش فى الولايات المتحدة اكثر من نظرائهم العاملين فى وطنهم الام – الهند . وان نسبة 40% من المشاريع الجديدة التى تم تنفيذها في منطقة GUI GU يمتلكها اميركيون من اصول هندية . وبعد ان حقق هؤلاء كل ذلك الاستثمار الاقتصادي ، ذهبوا يقحمون انفسهم في الحلبة السياسية ، واصبحوا احدى المصادر المالية الهامة لانتخابات مجلسي الشيوخ و النواب الامريكيين . و مع تزايد القوة المؤثرة للكتلة الهندية عملت الحكومة الهندية على تسخيرهم للتأثير على الكونغرس والحكومة .. ان السفارة الهندية لدى الولايات المتحدة ذهب بها الحد عام 1998 الى استدعاء بعض الشركات العاملة في مجال العلاقات العامة لرسم سيناريوهات تساعدها على فرض تأثيرات على المواقف الامريكية ازاء الهند . ] ملاحظة8 [ ، ثم اصبح بين هذه الجماعات الهندية وبين اليهود الامريكان صلة وثيقة جدا تتجه مع مر الزمن نحو العمل المشترك فى هذا السياق , بدليل ان " لجنة العمل السياسى الهندية الامريكية " و " لجنة الشؤون اليهودية الامريكية " و " لجنة شؤون العلاقات العامة الاسرائيلية الامريكية " ( الايباك ) قد نظمت فى يوليو/ تموز 2003 مؤتمرا صحفيا مشتركا فى واشنطن . وهنا لا بد من الاشارة الى ان موافقة البيت الابيض على بيع اسرائيل طائرات للانذار المبكر للهند له علاقة كبيرة مع هذا النوع من التأثير .. و قد قام جنسون . آساكس مسؤول مكتب لجنة الشؤون اليهودية الامريكية فى واشنطن بوصف الهند واسرائيل بانهما " دولتان ديمقراطيتان محاصرتان من قبل الكثير من دول الجوار فائقة التسلح " ، وان اجراء التعاون بينهما في بعض المجالات ذات المصالح المشتركة هو امر طبيعي .
رابعا : التعاون الهندى – الاسرائيلى يتماشى والمصالح الامريكية
لقد ساعد تحسن العلاقات الامريكية – الهندية على تطوير العلاقات الهندية - الاسرائيلية الى حد كبير . ففي اعقاب الحرب الباردة ، راحت الولايات المتحدة تعيد ترتيب سياستها تجاه جنوب آسيا حيث استبدلت السياسة المتمثلة بالتقارب مع باكستان و التباعد عن الهند بسياسة ايلاء اهتمامات مماثلة بتطوير علاقاتها مع الهند و باكستان مع الميول اكثر باتجاه الهند . و يمكن القول بان الدعم الامريكى لتطوير العلاقات الهندية – الاسرائيلية هو امتداد للتوجهات الامريكية نحو تعزيز العلاقات الاستراتيجية الامريكية – الهندية . فالولايات المتحدة تسعى من وراء ذلك ايضا الى تحسين البيئة المحيطة باسرائيل لتخفيف من حدة ضغوط التزاماتها وحدها تجاه اسرائيل، كما ويمكنها تسخير بيع اسرائيل للمعدات الحربية لخدمة اهداف استراجيتها فى آسيا . و قد بدأت ترتفع حرارة العلاقات الامريكية الهندية منذ مارس / اّذار 2000 ، حين قام الرئيس الامريكي كليتون بزيارة رسمية لنيودلهى , ثم أخذت تتعزز بصورة اوثق اعقاب " حادثة الحادي عشر من سبتمبر " وخاصة فى المجال العسكرى ، حيث قام رئيس المجلس الامريكى المشترك لرؤساء اركان الحرب بزيارة للهند ثلاث مرات خلال سنتين ، في حين ان فرنادس – وزير الدفاع الهندى المعروف بانتمائه الى جناح الصقور هو الاخر قام بزيارة للولايات المتحدة تمخض عنها ابرام العديد من صفقات الاسلحة واتفاقيات في مجال التعاون العسكرى . و ان حقيقة تطور التعاون العسكرى الاسرائيلى – الهندى تعكس , بحكم العلاقات الامريكية – الاسرائيلية المتميزة , مدى الجهود المشتركة الامريكية – الاسرائيلية فى تسليح الهند، ذلك لان اسرائيل يستحيل عليها بيع انظمة للانذار المبكر المحمولة جوا وانظمة الدفاع الصاروخية وغيرها من الانظمة المتطورة للهند دون موافقة مسبقة من البنتاغون الامريكى . هذا فان رابين – رئيس الوزراء الاسرائيلى الاسبق قد اشار بكل وضوح فى حديث له مع (( الهندوستان تايمز )) الى ان " التعاون العسكرى الهندى – الاسرائيلي مقيدا بالالتزامات الاسرائيلية تجاه الولايات المتحدة " . ] ملاحظة9 [
وان النوايا الامريكية فى بناء التحالف الامريكى – الهندى – الاسرائيلى تتصل بشكل قوي بالمخططات الاستراتيجية الجديدة التى وضعتها الولايات المتحدة لمحاربة الارهاب على المستوى العالمى . فقد تعرضت الحرب العراقية التى شنتها الولايات المتحدة فى مطلع العام الماضى الى موجة من المعارضة الحازمة من قبل فرنسا و المانيا و روسيا , و من الجدير بالذكر ان قوى " اوربا القديمة " التى تضم فرنسا و المانيا قد باتت تشكل عائقا فى وجه الولايات المتحدة لتطبيق استراتيجيتها العالمية . لذا تتجه الولايات المتحدة ضمن هذه الحسابات ، وبشكل حثيث ، نحو غيرهما من دول العالم لتشكيل نوعا آخرا من التحالفات التي تساهم فى تحقيق اهدافها الاستراتيجية . فلم تكن الحرب العراقية التى شنتها الولايات المتحدة الا عملا قام به " حلف المتطوعين " الذى شكلته مع بريطانيا واكثر من ثلاثين دولة اخرى . وتسعى الولايات المتحدة اليوم الى تشكيل " المحور الديمقراطى " بالاتحاد مع اسرائيل و الهند في محاولة منها لتكوين مجموعة عسكرية اقليمية ذات نطاق اوسع . و سوف يكون لهذا " المحور الديمقراطى " الامريكى – الهندى – الاسرائيلى و الذى ما زال فى طور تكوينه الاهمية الاستراتيجية الاخطر لتحقيق الاهداف الامريكية البعيدة المدى و الرامية الى محاربة الارهاب على النطاق العالمى لكون اسرائيل تمتلك القوة العسكرية فائقة التقنية الى جانب التجارب و القدرات العسكرية الغنية جدا التى صقلتها نيران الحروب التى خاضتها، في حين ان الهند تعد من احدى الدول الاسيوية الكبرى عسكريا كما انها لم تكف في السنوات القليلة الماضية عن تطوير قوتها الدفاعية حيث تزداد نفقاتها العسكرية بنسبة كبيرة، الى جانب ان قوتها البحرية قد وصلت الى مياه بحر الصين الجنوبى و غيرها من المناطق المائية الاخرى , و جملة القول ان قوتها العسكرية تتطور اليوم بشكل ملفت للانظار . و الهدف الأخر من الجهد الامريكى المكثف فى اقامة التحالف الثلاثى الاطراف – امريكا – اسرائيل – الهند هو الحد من قوة الصين و روسيا ، اذ ان حكومة بوش التى تمثل الجناح اليمينى المحافظ للحزب الجمهورى الامريكى تشدد بشكل حازم على المصالح الامريكية العالمية كقوة عظمى , باعتبار ان نهوض غيرها من الدول الكبرى و خاصة روسيا و الصين يمس بالمكانة الامريكية كقوة عظمى وحيدة فى العالم. و لذلك فان حكومة بوش تحاول جهدها فى استمالة الهند حتى تتباعد عن روسيا من ناحية و تشاغل الصين من ناحية اخرى و فوق ذلك فانها ترفع عاليا مكانة الهند فى خريطة الاستراتجيات الامريكية الخارجية بغية الهاء الهند عن تطوير العلاقات الثلاثية الاطراف – الصين – روسيا – الهند بما يصب فى خدمة الاستراتيجية الامريكية التى تستهدف آسيا و اوروبا . و ما تقدم ذكره هو من اهم الدوافع وراء الجهود الامريكية المكثفة لتعزيز العلاقات الهندية- الاسرائيلية و محاولاتها تشكيل تحالف " المحور الديمقراطى " الامريكى – الهندى – الاسرائيلى .
خلاصة القول ، باعتبارها دولة اقليمية ذات تأثير كبير ، فلا شك من أن التطورات المستجدة التى طرأت بشكل متلاحق على العلاقات الاسرائيلية – الهندية و خاصة ما سجله تعاونهما العسكري من تقدم وتطور ستقلب بلا محالة موازين المصالح الاستراتيجية فى منطقة جنوب آسيا , و تؤجج حدة سباق التسلح فى المنطقة . وهذا فان العلاقات الهندية – الاسرائيلية فى مجال الامن قد اثارت مسبقا مخاوف شديدة لدى باكستان ، اذ ترى انه من شأن الاجازة الامريكية لاسرائيل ببيع طائرات الانذار المبكر من طراز " فالكون " للهند ان يزيد من حدة اختلال التوازن في الاسلحة التقليدية بالمنطقة .. فبعد اقامة العلاقات الدبلوماسية بين الهند و اسرائيل ، كانت باكستان قد وجهت اصابع الاتهام بتواطئهما ضد العالم الاسلامى . ] ملاحظة 10[ .. و عندما بدأت الهند تتعاون مع اسرائيل فى المجال النووي عام 1998 ، و استخدام الهند لمعدات اسرائيلية فى قاعدة بكلن للتجارب النووية ، ابدت باكستان ردود فعل عنيفة ، كما اعربت الدول العربية عن استيائها لذلك . وان حقيقة تعزيز التعاون الامنى الهندى - الاسرائيلى ستحفز باكستان نحو خطوة اوسع فى طريق تطوير التقنيات النووية , و تؤجج نيران سباق التسلح بينها و بين الهند بما في ذلك سباق التسلح النووى مما يزيد من حدة خطورة انتشار الاسلحة النووية . و من الجدير بالذكر ان العديد من الطائرات الحربية الاستطلاعية بلا طيار اسرائيلية الصنع قد استخدمتها الهند فعليا فوق الحدود الهندية- الباكستانية و الحدود الهندية- الصينية . وان ما يجرى فى مجال الدفاع الوطنى الهندى من عمليات تحديث تقني بمساعدة اسرائيل ستؤدى بلا شك الى تأزيم الاوضاع السائدة فى منطقة جنوب آسيا ، هذا من ناحية ، و من ناحية اخرى فان التحالف الامريكى – الهندى – الاسرائيلى سيكون , فى حالة انجازه , مع الاحلاف القائمة اصلا كالتحالف الامريكى – التركى – الاسرائيلي ، و التحالف الامريكى – اليابانى – الكورى الجنوبي ، شبه دائرة ، مشكلة بمجموعها كتلة عموم آسيا للانقضاض على العلاقات الدولية والتشكيلة الاستراتيجية القائمة حاليا في منطقة الشرق الاوسط واّسيا ، وهذا ما قد يؤدي الى سلسلة من عمليات اعادة الترتيب والتنظيم للبنية التى تقوم عليها المصالح بالاضافة الى النسيج الامنى .
لكن الهند من ناحية مغايرة محكومة بالعلاقات التقليدية التى تربطها بالدول العربية، واعتمادها المفرط على بترول الشرق الاوسط، فان الهند ليست راغبة فى ان تلحق اضرارا اكبر بعلاقاتها مع الدول العربية حين تطور علاقاتها الجوهرية مع اسرائيل , بل و ستبذل جهودا أكيدة فى ايجاد افضل نقطة توازن للعلاقات الهندية – العربية بما يحقق اكبر قدر ممكن من مصالحها القومية .
معهد دراسات اوروبا الشرقية و آسيا الوسطى و الغربية التابع لاكادمية العلوم الاجتماعية فى شانغهاى
(1) The week ,February 9, 1992 p.37
(2) 孙培钧 华壁云:(印度国情与综合国力),中国城市出版社 2001年版 ,第164页。الصفحة 164 من كتاب ( احوال الهند وقدرتها الوطنية ) الصادر عن دار النشر للمدن الصينية
(3) India today, June 26 ,2000
(4) New York Times ,Sept 7,2003
(5) Alliance with Israel, US tope Indian agenda, The Times of India, Sept .3, 2003.
(6) The guardian, Sept.9,2003.
(7) 孙培钧 华碧云,(印度国情与综合国),中国城市出版社 2001年版。第239页。لصفحة 239 من كتاب ( احوال الهند وقدرتها الوطنية ) الصادر عن دار النشر للمدن الصينية
(8) (美)斯蒂芬。特亨, (大象和孔雀: 解读印度大战略),新华出版社2002年版,第313页 。
(9) P.R.Kumaraswamy, “India and Israel Evolving Strategic Partnership” . Mideast security and Policy Studies, No.40,Sept.1998
(10) Maqsudul Hasan Nuri, “The Indo-Israeli Nexus,” Regional Studies (Islamabad), Vol.13, No3,Summer1994,pp3----54
المصدر : مجلة ابحاث القضايا الدولية الصادرة عن مركز دراسات القضايا الدولية الصيني .. العدد الرابع لعام 2004 ..
المركز العربي للمعلومات

التعليقات