رشوة بـ100 دولار للحصول على جواز السفر العراقي الجديد

رشوة بـ100 دولار للحصول على جواز السفر العراقي الجديد

غزة-دنيا الوطن

وقف سعد صالح سلمان قبل الثامنة صباحا في صف طويل لتقديم طلبه لنيل جواز سفر عراقي عليه خاتم الحكومة الانتقالية الجديدة. وقال بصوت عال وهو ينظر إلى الجمهور الذي تزاحم خلفه «لا أعرف ما إذا كان هناك مسؤول نعطيه طلباتنا ونقودنا أم لا». وقد بدأ تزاحم الناس أمام مكاتب استخراج الجوازات بحي المنصور، منذ أن قررت الحكومة الانتقالية إصدار جوازات السفر هذا الشهر، مما خلق جبلا من الطلبات التي لم ينظر فيها بعد، كما خلق في نفس الوقت نظاما من الرشاوى التي تمكن الناس من تفادي انتظار أدوارهم.

ومع ان كلفة الجواز لا تزيد عن خمسين سنتا، إلا أن الرشاوى للحصول عليه وصلت حاليا إلى 100 دولار، وهو ارتفاع يجعل الحصول على الجواز بلونه الأخضر البهي، في غير متناول أغلب العراقيين. ومع أن المسؤولين عن مكاتب الجوازات ينكرون بشدة أن مثل هذه الممارسات تحدث في مكاتبهم، إلا أن المواطنين العاديين يؤكدون أن هذا بالضبط هو الواقع مما يزيل ثقتهم في أن تتمكن الحكومة من إقامة نظام ديمقراطي نظيف طالما أن مسؤوليها يتورطون في الفساد قبل أن يبلغ مشروع الجوازات اسبوعه الثالث.

وتقول بعض المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، إن المزورين في سوق المريدي بمدينة الصدر يخرجون الجوازات المزورة مستخدمين ماكينات كانوا قد سرقوها من مكاتب الجوازات بعد سقوط صدام حسين. ومع أن الجوازات التي تصدر حاليا أصغر حجما من تلك التي كانت تصدر في عهد صدام، وبعلامات مختلفة، فإن المزورين يستخدمون علاقاتهم مع الموظفين الحكوميين للحصول على التصميمات الجديدة.

ولم ينكر الليفتنانت كولونيل خالد حسان العقيلي، مدير مكتب المنصور للجوازات، أن بعض الناس ربما يدفعون ثمنا غاليا للجوازات، ولكنه قال إن موظفيه لا علاقة لهم بهذا الأمر. وقال «لا أستطيع أن أقول إنه لا يوجد فساد، ولكن ليس في مكتبي. نحن نقوم بعملنا على خير وجه، وأنا أراقب موظفي».

وكان خالد حسان غاضبا وهو يقول هذا الكلام. ولم يكن مسموحا للعراقيين بالسفر خارج العراق في عهد صدام حسين. والقلة المحظوظة التي كانت تسافر لم تكن تفعل ذلك إلا بعد دفع مبالغ طائلة. وما دامت فرص السفر أصبحت مفتوحة أمام العراقيين حاليا، فإنهم يتزاحمون على مكاتب الجوازات بأعداد غير عادية.

وقال طالب الطب الذي يدرس في لندن، عبد الحسين، 21 سنة، إن العراقيين لا يصدقون آذانهم عندما يسمعون أنهم يمكن أن يسافروا إلى كل أنحاء العالم وهم الذين لم يكونوا قادرين على السفر حتى بين مدنهم. وعندما تتأخر الجوازات فإنهم يدخلون أياديهم في جيوبهم باعتبار أن هذه هي الأساليب التي تعلموها تحت نظام صدام حسين. إن جهدا كبيرا يجب أن يبذل حتى يقتنع العراقيون بتغيير أساليبهم. وقال عبد الحسين إن جدته قدمت لاستخراج الجواز لأنها تنوي الذهاب إلى الحج هذا العام. وقد وافقت الجهات المختصة على استخراج الجواز حسب القواعد التي تتبعها. ولكن عندما ذهبت إلى الوزارة قالوا لها إن جوازها لن يخرج هذا العام، بل عليها أن تعود السنة المقبلة. وقد ظهرت الحقيقة لاحقا، إذ أن بعض الموظفين باعوا اسمها لشخص آخر خرج باسمه الجواز. وقال عبد الحسين إن من الصعب، حتى في الظروف العادية ان تشرح لامرأة في الخامسة والستين من عمرها، على أميتها، ما يعنيه العراق الديمقراطي، أما وقد حدثت لها هذه التجربة الشخصية فإن الأمر يصبح مستحيلا.

وفي مكتب جوازات زيونة، الأسبوع الماضي، احتدم النقاش مع ارتفاع الحرارة، وقد قذف الموظف بملف كان يحمله في يده أحد المواطنين لانه كان يسأل عن موعد تسلمه لجوازه. وقال رجل آخر يقف في الصف مع زوجته، إن «الحيوانات نفسها تتلقى معاملة أكرم منا».

وفي حي المنصور قالت امرأة رفضت التصريح باسمها خوفا من ألا تحصل على جواز، إنها ظلت تقف هناك لخمسة أيام من دون جدوى، وأنك لا يمكن أن تتسلم جوازا إلا إذا دفعت مائة دولار. وقد عبرت النساء الواقفات إلى جانبها عن موافقتهن على ما تقول بطرقعة ألسنتهن.

وقال العقيلي مدير مكتب المنصور إن هذا الضيق ونفاد الصبر ليس من العدالة في شيء. وقال إن موظفيه البالغ عددهم 19 قد استخرجوا حتى الآن 3500 جواز. وقال إن معدل الطلبات اليومية يبلغ 450 طلبا.

وعندما كان العقيلي يتجول حول مكتبه اقتربت منه امرأة وطلبت منه استخراج جوازها مباشرة، فقال لها ارجعي إلى موقعك وانتظري دورك في الصف. واقترب منه طبيب شاب وخطيبته، لاستخراج جواز للخطيبة، فقال لهما إن القانون يقتضي أن يأتي والد الفتاة معها ما دامت غير متزوجة. وعندما خرج الطبيب خائبا مع خطيبته كان يبكي وهو يلعن الأوضاع في البلد. وقال وهو يشير إلى الرشوة التي تبلغ 100 دولار «أنا أستطيع أن أدفع. أستطيع أن أدفع أي مبلغ ولكن ماذا عمن لا يستطيعون الدفع»؟

* واشنطن بوست

التعليقات