الاسرائيليون يحاولون السيطرة على المخابرات المركزية الامريكية

الاسرائيليون يحاولون السيطرة على المخابرات المركزية الامريكية

غزة-دنيا الوطن

تشهد كواليس واشنطن في اللحظة الراهنة معركة محتدمة تهدف إلى السيطرة على أجهزة المخابرات الأمريكية على وجه الإجمال، وعلى وكالة المخابرات المركزية بصفة خاصة. وثمة جانب في هذه المعركة يتعلق بالنهم إلى السلطة كدافع محرك للمشاركين في المواجهات الحالية بشأن هذه القضية، إلا أن الجانب الأساسي منها يظل جانباً سياسياً، ذلك أن الجميع يدركون أن من يسيطر على قنوات تدفق المعلومات إلى مراكز اتخاذ القرار بالولايات المتحدة يتمكن عادة من توجيه هذا القرار والتحكم في مساره وتداعياته.

ولم يكن تقرير لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ أو التقارير الأخرى التي تناولت إخفاقات أجهزة المخابرات في توقع وإحباط هجوم 11 سبتمبر هو السبب الوحيد في احتدام المعركة الحالية. ذلك أن المواجهة بدأت منذ بعض الوقت، ودخلت إلى أحد أكثر منعطفاتها وضوحاً خلال التحضير للحرب الأخيرة ضد العراق.

ذلك أن المخابرات المركزية - كمؤسسة - رفضت الانصياع لضغوط البعض في الإدارة "وفبركة" معلومات متعلقة بترسانة صدام حسين العسكرية أو علاقته بالقاعدة. إلا أن مديرها جورج تينت اتبع أسلوباً آخر يعتمد على مجاراة الإدارة ومحاولة الحد من ضغوطها عن طريق الاستجابة حيناً والرفض حيناً.

رغم ذلك فإن العاملين بالوكالة سربوا عدداً من التقارير يلقي ظلالاً من الشكوك حول مزاعم البعض في الإدارة بشأن القضيتين محل الخلاف، أي أسلحة صدام وعلاقته بالقاعدة. فقد سربت الوكالة أن مشتريات صدام من يورانيوم النيجر هي محض اختلاق رغم أن الرئيس بوش ذكرها في خطاب حالة الاتحاد عام 2003، كما سربت حقيقة أن محمد عطا لم يلتق أي دبلوماسيين عراقيين في براغ قبل أحداث 11 سبتمبر، فضلاً عن ذلك فإن محللين يعملون بها قالوا لصحيفة واشنطن بوست إن نائب الرئيس ديك تشيني يزور الوكالة بين الفينة والأخرى لممارسة ضغوط مباشرة على العاملين بها.

وبدا أن الصراع في تلك الآونة هو صراع بين مكتب دوجلاس فايث - وكيل وزارة الدفاع - الذي أسس ذراعاً استخباراتياً خاصاً يستمد معلوماته بصفة أساسية من المخابرات الإسرائيلية ومن معارضين عراقيين وبين وكالة المخابرات المركزية. وكان مكتب فايث يعتمد على معلومات صحيحة يجري تلقيمها للمصادر حتى يؤسسوا عليها قصصاً مختلقة. ولأن "البذرة" الأساسية لهذه القصص كانت تطابق ما لدى واشنطن من معلومات فإن نفيها كان صعباً رغم أنها مختلقة في كافة استنتاجاتها.

وبدلاً من محاسبة فايث وبقية "الفريق الإسرائيلي" الذي تسبب في تلك القضية المخابراتية فإن السؤال الذي طرح هو: لماذا لم يتمسك جورج تينت بنفي هذه القصص المختلقة بدلاً من الخط الذي انتهجه بالإمساك بالعصا من منتصفها كما يقولون؟ أي بدلاً من مجاراة الإدارة حيناً ومعارضتها حيناً؟ ولأن وظيفة تينت هي التأكد من أن المعلومات الصحيحة وحدها هي التي تصل إلى الرئيس وتؤكد الوكالة صحتها، ولأنه لم يفعل ذلك، فإن تينت خسر الجولة، إلا أن من تسببوا أصلاً في إرباك الأداء المخابراتي للأجهزة الأمريكية، أي الإفراط في الاستعانة بما أسماه تقرير الكونجرس "أجهزة المخابرات الأجنبية"، لم يتعرضوا لأي حساب حتى الآن.

إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فهؤلاء الذين أربكوا عمل الأجهزة الأمريكية واستعانوا بالأجهزة الأجنبية وفي مقدمتها المخابرات الإسرائيلية يحاولون الآن الاستيلاء على قيادة وكالة المخابرات المركزية بالكامل. فأحد الأسماء المطروحة لإدارة كل أجهزة المخابرات الأمريكية، أو وكالة المخابرات المركزية على الأقل، هو وزير البحرية الأسبق جون ليهمان. وليهمان بالمناسبة هو الذي سبق اتهامه علناً - وبالوثائق - عام 1983 بأنه قبل رشوة من تاجر سلاح إسرائيلي يدعي شلومو زابلودوفيتش، وبأن شريكه في تسلم الرشوة هو ريتشارد بيرل لا غيره. فضلاً عن ذلك فقد انضم ليهمان في مطلع التسعينات إلى مجموعة ممن تربطهم علاقة خاصة بإسرائيل وممن أسموا مجموعتهم "لجنة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط". وكان دوجلاس فايث - من قبيل السخرية التاريخية ربما - عضواً في اللجنة بالإضافة إلى بيرل وإيليوت إبرامز وفرانك جافني وبقية الجوقة الإسرائيلية إياها. ونشرت هذه اللجنة آنذاك إعلاناً على صفحة كاملة في أبرز الصحف الأمريكية تنتقد فيه بحدة بالغة جورج بوش الأب لأنه "يضغط على إسحاق شامير للقبول بالمشاركة في مؤتمر مدريد".

وفي كل الأحوال، وبصرف النظر عن ترديد اسم ليهمان الذي سيكون تعيينه كارثياً للشرق الأوسط وسيحمل خطر الحرب لبلدان عديدة فيه من القائمة المستهدفة بواسطة الإسرائيليين والمحافظين الجدد، فإن المعركة في واشنطن الآن تتمحور حول خيارات محددة. الأول هو تعيين مايسترو - ربما برتبة وزير - يدير أجهزة المخابرات الأمريكية التي تعمل خارج الولايات المتحدة والتي يبلغ عددها سبعة أجهزة ويتحكم في ميزانيتها التي تبلغ 40 مليار دولار. أما الخيار الثاني فهو إخراج كل تلك الأجهزة من تحت سيطرة مدير المخابرات المركزية، ما عدا وكالة المخابرات المركزية ذاتها.

ولتفسير هذا الخيار الثاني يتعين القول إن مدير المخابرات المركزية كان يعتبر مشرفاً عاماً على كل تلك الأجهزة. إلا أن الفقاعة الكبيرة في ذلك النظام، أي نظام إشراف مدير الوكالة على بقية الأجهزة، هي أن المدير لم يكن يملك التحكم في ميزانيات هذه الأجهزة. ولهذا فقد ظلت سلطته منقوصة وهو أمر أدى إلى تمرد بعض أبرز تلك الأجهزة، وأغلبها يتبع البنتاجون، على "قيادة" جورج تينت.

ويقضي هذا الخيار الثاني ليس بوضع الأجهزة تحت قيادة واحدة، ولكن بإلغاء النظام القديم وإعادة مدير الوكالة إلى الوكالة وحدها وهو أمر يجعل من تحديد المسؤوليات أمراً واضحاً. إذ سيتعذر وقتها أن يقول دوجلاس فايث، أو حتى أحمد الجلبي، إن المعلومات التي تخرج عن أجهزة البنتاجون قد "أجيزت" بواسطة "المشرف العام" جورج تينت، أو أي مدير آخر لوكالة المخابرات المركزية.

وهناك بالإضافة إلى هذين الخيارين اقتراح ثالث بتمديد مدة خدمة مدير الوكالة بما يتراوح بين 3 و5 سنوات غير قابلة للتجديد.

ويهدف هذا الخيار كما هو واضح إلى تقليل خضوع مدير الوكالة للشخص الجالس في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض. إذ إن النظام الحالي يتيح للرئيس - أي رئيس - أن يقيل مدير الوكالة أو أن يجدد له أو أن يعين مديراً جديداً بافتراض اعتماد الكونجرس لذلك المدير الجديد. ويعني هذا النظام أن مدير الوكالة قد يكون مضطراً إلى تملق الرئيس للاحتفاظ بمنصبه وهو أمر قد يتدخل في موضوعية المعلومات، إذ قد تصاغ لإرضاء الميول السياسية للرئيس. وهناك اقتراح معاكس يدافع عنه المحافظون الجدد وهو جعل مدير الوكالة خاضعاً بصفة شبه كاملة للكونجرس سواء في التعيين أو تجديد مدة الخدمة أو الفصل منها. وبديهي أن مثل هذا الاقتراح سيؤدي إلى تلوث المعلومات بالاعتبارات السياسية طالما أن من يجيزها يخضع لسيطرة هيئة سياسية بالكامل مثل الكونجرس.

أما الاقتراح الأفضل بالنسبة للشرق الأوسط فهو بالتأكيد أي خطوة تحافظ على موضوعية المعلومات وتفصلها عن تأثير المخابرات الإسرائيلية المباشر، أو عن "إشراف" أصدقاء إسرائيل سواء في الإدارة أو في الكونجرس. وبصورة أكثر تحديداً فإن الخيار الأفضل للمنطقة هو تعيين مدير للوكالة لمدة واحدة تتراوح بين 3 و5 سنوات بحيث يعرف هذا المدير أنه باق على أي حال سواء أغضب الرئيس أو خالف أنصار إسرائيل في الكونجرس أو لم يفعل.

ثمة أسماء كثيرة مطروحة الآن، وحول كل اسم منها يدور صراع خفي في واشنطن إذ أنه يمثل مصلحة هذا الفريق أو ذاك.

والمؤكد أن القرار الذي سيتخذه الرئيس بوش، الذي لا يزال غير متحمس لوضع "وزير" للاستخبارات، سيؤثر على أمور كثيرة مستقبلاً، إذ من الممكن أن تتكرر قصة المعلومات العراقية المفبركة ولكن بصورة رسمية هذه المرة وعبر اعتمادها بالكامل من وكالة المخابرات المركزية التي تضع تقارير تتناول أوضاع كل بلد في المنطقة على حدة ومدى استقرارها وتقدم اقتراحات حول خيارات الولايات المتحدة، وقد يستخدم كل ذلك لخدمة إسرائيل لو تمكن المحافظون الجدد من اقتحام قلعة المخابرات المركزية التي ظلت مغلقة في وجوههم.. حتى الآن على الأقل.

*واه عرباه

التعليقات