روبي أيقونة الأغنية الجديدة لماذا تحولت هدفاً سياسياً؟
اجتمع ضدها مثقفون "منفتحون" ومتطرفون "طهرانيون"
روبي" أيقونة" الأغنية الجديدة لماذا تحولت هدفاً سياسياً؟
غزة-دنيا الوطن
انها روبي. او رانيا حسين. ابنة المنيرة. الحي الشعبي المقيم على أطراف حي الأغنياء غاردن سيتي والمنغلقة على طموح أكبر من امكانياتها وحكاية عائلية تعطل أي موهبة. لكنها سعت وراء طموحها وتركت خلفها ميراث المشاكل وأصبحت "الممثلة الصغيرة "التي بدأت طريق الفن موديل إعلانات وظهرت اول مرة في فيلم "سكوت حا نصور". يوسف شاهين اختار لها اسمها الجديد (روبي الذى يعنى بالانجليزية الياقوت) وكأنه يفتح الباب امام حياة جديدة للبنت القادمة من مجتمع عاد للتعامل بحذر مع فكرة البنات والفن حتى انها بعد الفيلم وعملها في قناة "دريم" ثم "المحور" انتشرت إشاعة اعتزالها وارتدائها الحجاب. لكن روبي سارت في الاتجاه العكسى تماماً: عمرها الآن 22 سنة. مازالت تدرس في حقوق بني سويف (المدينة المقيمة بين القاهرة والصعيد) .لكنها صنعت صدمتها في كليب من اخراج شريف صبرى. غنت ورقصت. كانت ترتدي بدلة رقص مصرية وتركت نفسها حرة في التعبير عن مشاعر مكبوتة.
هنا تحولت إلى هدف في حرب اجتماعية.
سؤال في البرلمان وهجوم في مجلة فنية يتهمها بالاباحية وحكايات تنسي الفرق بينها وبين بنات الليل.
ومع كل هذا اعجاب خفي. ربما تأثير الصدمة. او كسر التابو من بنت مصرية. صحافي مشهور كتب عن التأثير الجنسي لأغنية روبي المصورة. والنميمة حكت عن مغامرات ووعدت الجمهور بعرض اقوى في الفيلم الجاهز تقريباً من اخراج شريف صبرى.
النظرة المريضة هي المسيطرة. والرواج من نصيب الخيال الذى يفتش عن الفضيحة. في المقابل كان هناك جمهور واسع شعر بالبهجة من الكليب واعتبره ثورة على الركود الحسي والفني. أعجبت البعض تيمات اللحن وبساطة الكلمات. وأصبحت روبي نجمة مثيرة للجدل.
تحالف الصوت العالي المهزوم
ومع الكليب الجديد تشكل تحالف غير مرئى اعتبر ان روبي: عار على الفن والاخلاق، وعلى الشعب المصري. المدهش ان هذا التحالف يضم مثقفين وكتاباً وشعراء وأساتذة في الجامعة اتفقوا في عنف الموقف من روبي مع الأعضاء النشيطين في الاخوان المسلمين من ناحية وتلفزيون الحكومة الذى قرر عدم عرض روبي على الشاشة.
وهو تحالف مثير للتأمل. فهو اولاً يجمع بلا تنسيق شتات أفكار قديمة لا تشعر بأزمتها الكبيرة غالباً. وثانياً يبدو هجوم هذا التحالف في ظاهره: عنيفاً لكنه في العمق: هو حالة من حالات دفاع عن النفس أو صيحة ديناصور يخاف من الانقراض وما يصاحب هذا من اعراض الازدواجية في المعايير وتأخر التفكير لصالح الانفعال وغواية الحكم والاتهام وليس التفكير والتأمل.
وسنجد مثلاً مجلة "الكواكب" واجهة الحملة ضد روبي في العدد الذي تعاملت فيه معها على انها فتاة ليل تبيع أي شيء من اجل ترويج بضاعتها.. نشرت في صفحتها الوسطى بوستر هدية لموديل إعلانات من سلوفاكيا (لاتقل إثارة عن المعايير التي تحاكم بها روبي).
من اين يأتي هذا التناقض؟
يمكن ان تكون اغاني روبي المصورة ضد الذوق الخاص لكاتب أو لمجموعة من الناس. ويمكن ان تكون طريقتها في التعبير عن المشاعر جريئة أكثر مما يحتمل شخص محافظ اخلاقياً. هنا سيكون الصراع حول الذوق أو المزاج الفني. لكن الأمر تحول إلى "بوليس" اخلاقي يفتش ويوجه الاتهامات ويحاكم.. ولا يفكر لماذا حازت روبي هذا الاهتمام وكيف اصبحت وهي فتاة عادية الجمال وبسيطة الملامح إلى "رمز حسي". أليس الفن هو ما فعل هذا ؟ ويمكن ان تكون مثل غيرها من "ايقونات الجنس" يصنعها الناس في فترة. ويلعنونها في فترة أخرى. ويشعرون بمحبة وامتنان لهن بعد الشيخوخة أو الموت. هذا ما حدث مع مارلين مونرو ومادونا ومع هند رستم ايضاً. الا يمكن ان يكون هذا نوعاً من صناعة "ايقونة" تشعل الحواس في مجتمع يضع حواسه في مخازن محرمة تحت الارض؟ ألا يعتبر الفن هو وسيلة ترقية وتحرير الحواس والأفكار؟! لماذا لم يتم التفكير في "ظاهرة" روبي. واكتفى المهاجمون بالادانة والاحكام الجاهزة؟
وهذا طبعاً يتكرر في لحظات الأزمات الاجتماعية.
الشيكولاته المحرمة
عندما ظهر محمد عبد الوهاب في فيلم "الوردة البيضاء" يغني وهو في "البانيو". كان هناك من يصرخ: كيف يظهر رجل نصف عار امام النساء المحتشمات في صالة العرض. وعندما غنت ليلى مراد: "بلاش تبوسني في عينيّ" كان هناك من يعتبر ان هذا خدش للحياء. الشيخ كشك في السبعينات كان يعتبر ان ام كلثوم وهي تغني:"خدني في حنانك خدني" مجرد امراة عجوز خرفاء تتصابى. كشك ايضاً هاجم شادية على اغنيتها "غاب القمر يا ابن عمي ياللا روحني" واعتبرها خاطئة لانها غابت عن البيت. شيخ آخر هو يوسف البدري قاد حملة في الثمانينات دفاعاً عن الاسلام لان صورة يسرا على افيش فيلم أوحت له بأنها فتاة ليل. هذا غير من سحب عبد الحليم إلى محاكم التكفير لانه قال: "جئت لا اعلم من اين..". وفي نهاية حياته جرجر محامي مهووس محمد عبد الوهاب إلى المحكمة ليتوب عن ردته لأنه غنى "جايين الدنيا ما نعرف ليه".
كل هذه الاسماء التى اصبحت نجوماً بل ورموز الفن كانت محور حملات هستيرية وهجوم شرس يختصر العمل الفني في شيء واحد هو: الاباحية والخروج على الاخلاق. الاختصار هذا لا يعبر عن اباحية الفنان أو خروجه. بل عن أزمة تقبل المجتمع لمغامرات الفن. وقتها لم يفكر احد من المهاجمين في اعطاء فرصة للفنان في ان يعبر عن طاقاته ...ولا لنفسه ليفكر في تقبل الذوق الجديد.
الكاتب الشهير عباس محمود العقاد كتب مرة عن طفلة صغيرة لا يتعدى عمرها اربع سنوات تسأل ضيف اسرتها الذى طلب منها ان تقبله: "تريدها قبلة سيما ؟".
ويحكي الكاتب الفخور بأخلاقه المحافظة: "..ازدادت بنا الدهشة حين اخذت تقبله تلك القبلة التي تعرض في الروايات الغرامية كثيراً على الستار الابيض: قبلة طويلة تتقلب على جوانب الفم كله حتى تنبهر منها الانفاس"..
العقاد اعتبر السينما خطراً على الاخلاق وطالب بمنع القبلات المثيرة. كان ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 1946 حين أحدث ظهور اشياء واقعية على شاشة السينما ابتداء من القطارات وحتى الجنس صدمة كانت تدفع الجمهور إلى الهروب من القاهرة خوفاً من ان يدوسها القطار أو تشعر بالغضب حين ترى امامها في العلن متعة الحب السرية بين الرجل والمرأة.
هذه هي "صدمة الفن" التي طورت المجتمعات ونقلت الوعي إلى مناطق جديدة تفتتت فيها اسوار المحرمات بالتدريج وتحولت شرائط الصور المتحركة إلى مصانع للخيال.. من هذه "الصدمة" تعلم الناس المشاعر والحب وانتقلت أفكار جديدة. تعلم الناس الحب والمبادئ والأفكار من السينما والاغاني.. وقبل هذا اختاروا نماذج الرجولة والانوثة.
لكن اجنحة الشيخوخة في المجتمعات عادة لا تفكر. تختار المصادرة من البداية وتستهل الاتهام بالاحلال أو فساد الذوق. كما فعل الراهب المنافق في فيلم جميل اسمه "شيكولاته" للفاتنة الفرنسية جولييت بينوش حين هبطت على قرية تخضع لسيطرة الراهب الفكرية والاجتماعية وارادت هي ان تفتح محلاً لمنتجات الشيكولاته علمت فيه الناس مذاقات مختلفة حركت احاسيس راكدة ميتة. لاحقها الراهب. اتهمها بالكفر وحرم الشيكولاته.
صدمة روبي حدثت في مناخ "الفن النظيف". كل فنانة تتحدث بفخر عن طهرها الاخلاقي في الفن. في ظاهرة ملفتة للنظر. وفي المقابل يتطرف الوجه الآخر. لتبدو الاغنيات الآن مثل ايام سلطانة الطرب منيرة المهدية. عودة إلى الميوعة والطراوة. هذه العودة ربما تكون مثيرة للصدمة الآن. لكن المدهش ان اسلوب ام كلثوم كان هو الصادم في بداية ظهورها وكتب النقاد يشكون أكثر من مرة عن فقدانها الليونة في صوتها والطراوة في الاداء.
كان الذوق يتغير. كما هي طبيعة الأشياء المتغيرة. وكانت ام كلثوم ضد الذوق السائد عندما ظهرت. بل صنعت ذوقاً يشعر اصحابه الآن انهم في لحظة دفاع عن النفس في مواجهة فوضى ستهدم القيم والذوق والفن.
لعنة ثقافة الشوارع
وهذا نوع من أنواع التطرف. لان هذه الفوضى هي مجرد اشارة إلى الرغبة في التغيير والخروج من الثبات وربما التمرد على حالة الأخلاق الراكدة. اخلاق تسعى في السر للزواج العرفي وزواج المتعة. وتلعن في العلن النساء والجنس. تتأفف من ذكر النجوم والنجمات في حالة تعالٍ اخلاقي سخيفة. وتسارع بالتلصص على صحف تبحث عن فضيحة أو اعلان من النجم.
وهذا ما يحدث في الفن اغاني الافراح في الريف والصعيد والحواري أكثر جرأة وحسية من اغنيات روبي. لكن افندية الطبقة الوسطى تعودوا ابعاد ثقافة الشوارع عن الواجهات الرسمية. وها هم يصدمون مع اول محاولات تقليدها في أجيال جديدة مازالت تبحث عن ذوق جديد يكسر الملل والحدود الغبية بين الافكار والحواس.
هذا الذوق الجديد يعبر عن حالات مختلفة عن التي تعودنا عليها. كيف يمكن ان تقبل غير الذى تعودنا عليه. هذه مشكلة اولى. لكن الاصعب كيف نستوعب لحظات التغيير؟ كيف نفكر في ما ارتحنا عليه ولا نشعر بالاضطهاد لان الزمن فات افكارنا القديمة. خاصة ان من لا تعجبه روبي يمكن بسهولة ان يضغط على زر ويغير المحطة إلى قناة تذيع نشرات اخبارية فقط أو برامج دينية. لكن ان يظل يلعن روبي وهو يلاحقها من محطة إلى محطة. أو يعتقد انه ممكن ان يفرض ذوقه على محطات تعتمد اساساً على الطلبات الخاصة القادمة عبر الموبايل.
يمكن ان تعلن نائب في البرلمان أو استاذة في الجامعة انها تشعر بالعار لان روبي مصرية. لكنها يجب ان تشعر بعار أكبر لانها في برلمان عاجز وفي جامعة متدهورة. ويمكن ان يتحدث كاتب عن مؤامرة روبي على الفن المصري ..لكنها ستكون اقل خطرا بالتأكيد من الموات الذى تعود عليه الناس في تلفزيون الحكومة. وتتصور ان النائب الاخواني في البرلمان يتهم روبي بأنها السبب في عدم تحرير فلسطين واحتلال العراق..رغم انه يعقد صفقات سرية مع اباطرة حزب الحكومة ليمرر وجوده السياسي.
روبي بنت مصرية انتخبها جمهور من شباب يبحث عن ذوقه ونماذجه وافكاره بطريقة مختلفة. على البريد الالكتروني وصل روبي 40 الف رسالة. وفي الشارع شباب متسكع محروم من حقوق كثيرة لا يدرك منها سوى حاجته إلى الحب والمشاعر... هؤلاء الشباب كلما رأوا فتاة جميلة يقولون لها الآن: "ادلعي ياروبي.." وكأن البنت العادية اضافت إلى كتالوج الحسناوات اسمها رغم انها بدون الفن كانت ستصبح مجرد بنت عادية تلعن ظروفها القاسية.
شيرين عبرت حواجز الهجوم إلى حدود كبيرة لانها تمتلك موقعاً في الطرب وهو فن له قواعد معروفة. اما روبي فهي نجمة في عالم جديد.. الفيديو كليب.. الذي اقترب من ان يكون فناً مستقلاً. لا هو غناء. ولا هو دراما. خليط. يعطي الفرصة للحرية اللانهائية.
هنا برعت "صواريخ الانوثة" لأن الفيديو كليب اصبح مساحة للتحرر من الاشكال القديمة (الغناء التقليدي مثلاً) . ولم يعد المقياس هو جمال الصوت أو الموهبة. بل القدرة على الاستعراض. وهنا كانت الجرأة في التعبيرات الجسدية هى اولى الصدمات في مجتمع ينشئ إثارة جنسية جديدة عن طريق الفضائيات محاولاً التحايل على كل أشكال الرقابات: الدينية والأخلاقية والاجتماعية. التحايل يأتي في الفيديو كليب بعدما عجز كل التحايل في السياسة. والتمرد والبحث عن فردية في اختيار النجم والنجمة أو المحطة أو الخروج من اختناق القنوات الحكومية في التلفزيون... هو التحرر الوحيد المتاح في مجتمع عاجز وخامل سياسياً.
وهذا ايضاً يحتاج إلى تفكير.
*المستقبل
روبي" أيقونة" الأغنية الجديدة لماذا تحولت هدفاً سياسياً؟
غزة-دنيا الوطن
انها روبي. او رانيا حسين. ابنة المنيرة. الحي الشعبي المقيم على أطراف حي الأغنياء غاردن سيتي والمنغلقة على طموح أكبر من امكانياتها وحكاية عائلية تعطل أي موهبة. لكنها سعت وراء طموحها وتركت خلفها ميراث المشاكل وأصبحت "الممثلة الصغيرة "التي بدأت طريق الفن موديل إعلانات وظهرت اول مرة في فيلم "سكوت حا نصور". يوسف شاهين اختار لها اسمها الجديد (روبي الذى يعنى بالانجليزية الياقوت) وكأنه يفتح الباب امام حياة جديدة للبنت القادمة من مجتمع عاد للتعامل بحذر مع فكرة البنات والفن حتى انها بعد الفيلم وعملها في قناة "دريم" ثم "المحور" انتشرت إشاعة اعتزالها وارتدائها الحجاب. لكن روبي سارت في الاتجاه العكسى تماماً: عمرها الآن 22 سنة. مازالت تدرس في حقوق بني سويف (المدينة المقيمة بين القاهرة والصعيد) .لكنها صنعت صدمتها في كليب من اخراج شريف صبرى. غنت ورقصت. كانت ترتدي بدلة رقص مصرية وتركت نفسها حرة في التعبير عن مشاعر مكبوتة.
هنا تحولت إلى هدف في حرب اجتماعية.
سؤال في البرلمان وهجوم في مجلة فنية يتهمها بالاباحية وحكايات تنسي الفرق بينها وبين بنات الليل.
ومع كل هذا اعجاب خفي. ربما تأثير الصدمة. او كسر التابو من بنت مصرية. صحافي مشهور كتب عن التأثير الجنسي لأغنية روبي المصورة. والنميمة حكت عن مغامرات ووعدت الجمهور بعرض اقوى في الفيلم الجاهز تقريباً من اخراج شريف صبرى.
النظرة المريضة هي المسيطرة. والرواج من نصيب الخيال الذى يفتش عن الفضيحة. في المقابل كان هناك جمهور واسع شعر بالبهجة من الكليب واعتبره ثورة على الركود الحسي والفني. أعجبت البعض تيمات اللحن وبساطة الكلمات. وأصبحت روبي نجمة مثيرة للجدل.
تحالف الصوت العالي المهزوم
ومع الكليب الجديد تشكل تحالف غير مرئى اعتبر ان روبي: عار على الفن والاخلاق، وعلى الشعب المصري. المدهش ان هذا التحالف يضم مثقفين وكتاباً وشعراء وأساتذة في الجامعة اتفقوا في عنف الموقف من روبي مع الأعضاء النشيطين في الاخوان المسلمين من ناحية وتلفزيون الحكومة الذى قرر عدم عرض روبي على الشاشة.
وهو تحالف مثير للتأمل. فهو اولاً يجمع بلا تنسيق شتات أفكار قديمة لا تشعر بأزمتها الكبيرة غالباً. وثانياً يبدو هجوم هذا التحالف في ظاهره: عنيفاً لكنه في العمق: هو حالة من حالات دفاع عن النفس أو صيحة ديناصور يخاف من الانقراض وما يصاحب هذا من اعراض الازدواجية في المعايير وتأخر التفكير لصالح الانفعال وغواية الحكم والاتهام وليس التفكير والتأمل.
وسنجد مثلاً مجلة "الكواكب" واجهة الحملة ضد روبي في العدد الذي تعاملت فيه معها على انها فتاة ليل تبيع أي شيء من اجل ترويج بضاعتها.. نشرت في صفحتها الوسطى بوستر هدية لموديل إعلانات من سلوفاكيا (لاتقل إثارة عن المعايير التي تحاكم بها روبي).
من اين يأتي هذا التناقض؟
يمكن ان تكون اغاني روبي المصورة ضد الذوق الخاص لكاتب أو لمجموعة من الناس. ويمكن ان تكون طريقتها في التعبير عن المشاعر جريئة أكثر مما يحتمل شخص محافظ اخلاقياً. هنا سيكون الصراع حول الذوق أو المزاج الفني. لكن الأمر تحول إلى "بوليس" اخلاقي يفتش ويوجه الاتهامات ويحاكم.. ولا يفكر لماذا حازت روبي هذا الاهتمام وكيف اصبحت وهي فتاة عادية الجمال وبسيطة الملامح إلى "رمز حسي". أليس الفن هو ما فعل هذا ؟ ويمكن ان تكون مثل غيرها من "ايقونات الجنس" يصنعها الناس في فترة. ويلعنونها في فترة أخرى. ويشعرون بمحبة وامتنان لهن بعد الشيخوخة أو الموت. هذا ما حدث مع مارلين مونرو ومادونا ومع هند رستم ايضاً. الا يمكن ان يكون هذا نوعاً من صناعة "ايقونة" تشعل الحواس في مجتمع يضع حواسه في مخازن محرمة تحت الارض؟ ألا يعتبر الفن هو وسيلة ترقية وتحرير الحواس والأفكار؟! لماذا لم يتم التفكير في "ظاهرة" روبي. واكتفى المهاجمون بالادانة والاحكام الجاهزة؟
وهذا طبعاً يتكرر في لحظات الأزمات الاجتماعية.
الشيكولاته المحرمة
عندما ظهر محمد عبد الوهاب في فيلم "الوردة البيضاء" يغني وهو في "البانيو". كان هناك من يصرخ: كيف يظهر رجل نصف عار امام النساء المحتشمات في صالة العرض. وعندما غنت ليلى مراد: "بلاش تبوسني في عينيّ" كان هناك من يعتبر ان هذا خدش للحياء. الشيخ كشك في السبعينات كان يعتبر ان ام كلثوم وهي تغني:"خدني في حنانك خدني" مجرد امراة عجوز خرفاء تتصابى. كشك ايضاً هاجم شادية على اغنيتها "غاب القمر يا ابن عمي ياللا روحني" واعتبرها خاطئة لانها غابت عن البيت. شيخ آخر هو يوسف البدري قاد حملة في الثمانينات دفاعاً عن الاسلام لان صورة يسرا على افيش فيلم أوحت له بأنها فتاة ليل. هذا غير من سحب عبد الحليم إلى محاكم التكفير لانه قال: "جئت لا اعلم من اين..". وفي نهاية حياته جرجر محامي مهووس محمد عبد الوهاب إلى المحكمة ليتوب عن ردته لأنه غنى "جايين الدنيا ما نعرف ليه".
كل هذه الاسماء التى اصبحت نجوماً بل ورموز الفن كانت محور حملات هستيرية وهجوم شرس يختصر العمل الفني في شيء واحد هو: الاباحية والخروج على الاخلاق. الاختصار هذا لا يعبر عن اباحية الفنان أو خروجه. بل عن أزمة تقبل المجتمع لمغامرات الفن. وقتها لم يفكر احد من المهاجمين في اعطاء فرصة للفنان في ان يعبر عن طاقاته ...ولا لنفسه ليفكر في تقبل الذوق الجديد.
الكاتب الشهير عباس محمود العقاد كتب مرة عن طفلة صغيرة لا يتعدى عمرها اربع سنوات تسأل ضيف اسرتها الذى طلب منها ان تقبله: "تريدها قبلة سيما ؟".
ويحكي الكاتب الفخور بأخلاقه المحافظة: "..ازدادت بنا الدهشة حين اخذت تقبله تلك القبلة التي تعرض في الروايات الغرامية كثيراً على الستار الابيض: قبلة طويلة تتقلب على جوانب الفم كله حتى تنبهر منها الانفاس"..
العقاد اعتبر السينما خطراً على الاخلاق وطالب بمنع القبلات المثيرة. كان ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 1946 حين أحدث ظهور اشياء واقعية على شاشة السينما ابتداء من القطارات وحتى الجنس صدمة كانت تدفع الجمهور إلى الهروب من القاهرة خوفاً من ان يدوسها القطار أو تشعر بالغضب حين ترى امامها في العلن متعة الحب السرية بين الرجل والمرأة.
هذه هي "صدمة الفن" التي طورت المجتمعات ونقلت الوعي إلى مناطق جديدة تفتتت فيها اسوار المحرمات بالتدريج وتحولت شرائط الصور المتحركة إلى مصانع للخيال.. من هذه "الصدمة" تعلم الناس المشاعر والحب وانتقلت أفكار جديدة. تعلم الناس الحب والمبادئ والأفكار من السينما والاغاني.. وقبل هذا اختاروا نماذج الرجولة والانوثة.
لكن اجنحة الشيخوخة في المجتمعات عادة لا تفكر. تختار المصادرة من البداية وتستهل الاتهام بالاحلال أو فساد الذوق. كما فعل الراهب المنافق في فيلم جميل اسمه "شيكولاته" للفاتنة الفرنسية جولييت بينوش حين هبطت على قرية تخضع لسيطرة الراهب الفكرية والاجتماعية وارادت هي ان تفتح محلاً لمنتجات الشيكولاته علمت فيه الناس مذاقات مختلفة حركت احاسيس راكدة ميتة. لاحقها الراهب. اتهمها بالكفر وحرم الشيكولاته.
صدمة روبي حدثت في مناخ "الفن النظيف". كل فنانة تتحدث بفخر عن طهرها الاخلاقي في الفن. في ظاهرة ملفتة للنظر. وفي المقابل يتطرف الوجه الآخر. لتبدو الاغنيات الآن مثل ايام سلطانة الطرب منيرة المهدية. عودة إلى الميوعة والطراوة. هذه العودة ربما تكون مثيرة للصدمة الآن. لكن المدهش ان اسلوب ام كلثوم كان هو الصادم في بداية ظهورها وكتب النقاد يشكون أكثر من مرة عن فقدانها الليونة في صوتها والطراوة في الاداء.
كان الذوق يتغير. كما هي طبيعة الأشياء المتغيرة. وكانت ام كلثوم ضد الذوق السائد عندما ظهرت. بل صنعت ذوقاً يشعر اصحابه الآن انهم في لحظة دفاع عن النفس في مواجهة فوضى ستهدم القيم والذوق والفن.
لعنة ثقافة الشوارع
وهذا نوع من أنواع التطرف. لان هذه الفوضى هي مجرد اشارة إلى الرغبة في التغيير والخروج من الثبات وربما التمرد على حالة الأخلاق الراكدة. اخلاق تسعى في السر للزواج العرفي وزواج المتعة. وتلعن في العلن النساء والجنس. تتأفف من ذكر النجوم والنجمات في حالة تعالٍ اخلاقي سخيفة. وتسارع بالتلصص على صحف تبحث عن فضيحة أو اعلان من النجم.
وهذا ما يحدث في الفن اغاني الافراح في الريف والصعيد والحواري أكثر جرأة وحسية من اغنيات روبي. لكن افندية الطبقة الوسطى تعودوا ابعاد ثقافة الشوارع عن الواجهات الرسمية. وها هم يصدمون مع اول محاولات تقليدها في أجيال جديدة مازالت تبحث عن ذوق جديد يكسر الملل والحدود الغبية بين الافكار والحواس.
هذا الذوق الجديد يعبر عن حالات مختلفة عن التي تعودنا عليها. كيف يمكن ان تقبل غير الذى تعودنا عليه. هذه مشكلة اولى. لكن الاصعب كيف نستوعب لحظات التغيير؟ كيف نفكر في ما ارتحنا عليه ولا نشعر بالاضطهاد لان الزمن فات افكارنا القديمة. خاصة ان من لا تعجبه روبي يمكن بسهولة ان يضغط على زر ويغير المحطة إلى قناة تذيع نشرات اخبارية فقط أو برامج دينية. لكن ان يظل يلعن روبي وهو يلاحقها من محطة إلى محطة. أو يعتقد انه ممكن ان يفرض ذوقه على محطات تعتمد اساساً على الطلبات الخاصة القادمة عبر الموبايل.
يمكن ان تعلن نائب في البرلمان أو استاذة في الجامعة انها تشعر بالعار لان روبي مصرية. لكنها يجب ان تشعر بعار أكبر لانها في برلمان عاجز وفي جامعة متدهورة. ويمكن ان يتحدث كاتب عن مؤامرة روبي على الفن المصري ..لكنها ستكون اقل خطرا بالتأكيد من الموات الذى تعود عليه الناس في تلفزيون الحكومة. وتتصور ان النائب الاخواني في البرلمان يتهم روبي بأنها السبب في عدم تحرير فلسطين واحتلال العراق..رغم انه يعقد صفقات سرية مع اباطرة حزب الحكومة ليمرر وجوده السياسي.
روبي بنت مصرية انتخبها جمهور من شباب يبحث عن ذوقه ونماذجه وافكاره بطريقة مختلفة. على البريد الالكتروني وصل روبي 40 الف رسالة. وفي الشارع شباب متسكع محروم من حقوق كثيرة لا يدرك منها سوى حاجته إلى الحب والمشاعر... هؤلاء الشباب كلما رأوا فتاة جميلة يقولون لها الآن: "ادلعي ياروبي.." وكأن البنت العادية اضافت إلى كتالوج الحسناوات اسمها رغم انها بدون الفن كانت ستصبح مجرد بنت عادية تلعن ظروفها القاسية.
شيرين عبرت حواجز الهجوم إلى حدود كبيرة لانها تمتلك موقعاً في الطرب وهو فن له قواعد معروفة. اما روبي فهي نجمة في عالم جديد.. الفيديو كليب.. الذي اقترب من ان يكون فناً مستقلاً. لا هو غناء. ولا هو دراما. خليط. يعطي الفرصة للحرية اللانهائية.
هنا برعت "صواريخ الانوثة" لأن الفيديو كليب اصبح مساحة للتحرر من الاشكال القديمة (الغناء التقليدي مثلاً) . ولم يعد المقياس هو جمال الصوت أو الموهبة. بل القدرة على الاستعراض. وهنا كانت الجرأة في التعبيرات الجسدية هى اولى الصدمات في مجتمع ينشئ إثارة جنسية جديدة عن طريق الفضائيات محاولاً التحايل على كل أشكال الرقابات: الدينية والأخلاقية والاجتماعية. التحايل يأتي في الفيديو كليب بعدما عجز كل التحايل في السياسة. والتمرد والبحث عن فردية في اختيار النجم والنجمة أو المحطة أو الخروج من اختناق القنوات الحكومية في التلفزيون... هو التحرر الوحيد المتاح في مجتمع عاجز وخامل سياسياً.
وهذا ايضاً يحتاج إلى تفكير.
*المستقبل

التعليقات