العراقيون يعودون لأغاني عهد صدام

العراقيون يعودون لأغاني عهد صدام

غزة-دنيا الوطن

"فوت بيها وع الزلم خليها".. كلمات لواحدة من أشهر الأغاني الوطنية التي ظهرت إبان الحرب الأخيرة على العراق التي انتهت باحتلاله في إبريل 2003، كان التلفزيون العراقي يبثها مرات كثيرة يوميا قبل وأثناء الحرب، حتى ملها المواطن العراقي، غير أن الحال تغير الآن كثيرا.

فهذه الأغنية وغيرها من الأغاني التي طالما نفرت منها الأذن العراقية عادت مجددا إلى الظهور وبقوة، وصارت تلاقي رواجا كبيرا بين العراقيين، من مختلف الأعمار، وشتى الطبقات والشرائح الاجتماعية؛ وهو ما يعكس حالة من التحول في المزاج العراقي. وأصبحت الأغاني الوطنية العراقية القديمة تنافس اليوم ألبومات كبار المطربين العراقيين والعرب المشهورين، بل وتتفوق عليهم.

فبعد أكثر من عام وبضعة أشهر على سقوط العراق تحت الاحتلال الأمريكي البريطاني لم تتوفر في الساحة الفنية العراقية أغان وطنية جديدة تستطيع أن تنسي العراقيين ذكرياتهم مع الأغاني القديمة، خاصة أن الساحة العراقية ما زالت ساخنة حتى الآن، علاوة على تشكك كثير من العراقيين في الوعود الوردية التي سمعوا بها مرات ومرات حول رحيل الاحتلال، وتحول العراق إلى دولة حرة وديمقراطية.

حنين إلى الماضي

وحول أسباب العودة إلى الأغاني الوطنية القديمة قال مظفر الطاهر الباحث والمحلل النفسي العراقي لوكالة أنباء "قدس برس" السبت 3-7-2004: "أعتقد أن السبب الأساسي لذلك يعود إلى أن تلك الأغاني باتت تداعب وترا حساسا في نفسية الإنسان العراقي، يتمثل بالحنين إلى ماض بطولي، قسم كبير من العراقيين عاشوه وعايشوه على جبهات القتال في الحرب مع إيران؛ حيث ترتبط هذه الأغاني معهم بذكريات فيها المفرح وفيها الحزين".

وتابع الطاهر قائلا: "هذه الأغاني تشكل بالنسبة لهؤلاء فرصة للهرب من واقع باتوا يشعرون أنه أشد مرارة ربما من واقع تلك الحروب التي كانوا يعيشونها في جبهات القتال، وبما أنها صارت ماضيا؛ فحتما ستكون عزيزة على النفوس، ويشعر المرء تجاهها بالحنين".

وأضاف المحلل النفسي العراقي: "غير أن هناك أسبابا ربما تتعلق بالاحتلال نفسه؛ فبعد أكثر من عام من الاحتلال بات العراقي يشعر بأنه ممتهن الكرامة، وأن الغرباء حطموا ذلك الكبرياء الذي طالما تشدق به بعض العراقيين؛ فلا يجد المرء أمام ذلك سوى الهرب من واقعه إلى عالم الذكريات، وربما عالم الحماسة التي صارت هي الأخرى جزءا من ذكريات العراقي"، حسب رأيه.

التغني بصدام الأسير

ولم يقتصر الأمر على العودة إلى الأغاني الوطنية فحسب؛ بل عادت وبقوة أيضا الأغاني التي انتشرت بعد حرب الخليج عام 1991 والتي تتغنى بالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين.

وفي هذا يقول أحد المطربين الشعبيين العراقيين: "ليس هناك من عرس حضرته إلا وطلب الحاضرون مني أن أغني أغنية عن صدام حسين، وما إن أبدأ بالأغنية حتى تبدأ الطلقات النارية تنير سماء الليل".

وتابع المطرب العراقي -الذي طلب عدم الإعلان عن اسمه-: "إنهم ما إن يسمعوا اسم الرئيس في الأغنية حتى تتعالى زغاريد النساء، وأهازيج الرجال، وهذا عموما وجدته في العديد من الأعراس التي أحييتها في بغداد وبعض المناطق القريبة، وخاصة الريفية منها".

نغمات الجوال

وتماشيا مع العودة القوية للأغاني الوطنية بات العراقيون يفضلون نغمات الأغاني الوطنية على الهاتف الجوال على النغمات العادية.

ففي إحدى مقاهي الإنترنت كانت نغمة الهاتف الجوال لإحدى العراقيات لأغنية هي الأشهر في الحرب الأخيرة التي انتهت باحتلال العراق، وهي أغنية "فوت بيها وع الزلم خليها".

وردا على سؤال لـ"قدس برس" حول سبب اختيار تلك النغمة بالذات؟ قالت الفتاة العراقية رافضة ذكر اسمها: "إنها النغمة التي تبقيني على اتصال مع بلدي، وأن أعيش فيه".

وتابعت الفتاة العراقية: "هذه النغمة التي تسمعها اليوم ربما تختصر لي حكاية وطن استبيح على مذبح الخداع.. هذه الأغنية ارتبطت بفترة ليس من السهولة أن تمر دون أن تترك فينا وجعا وألما.. هذه النغمة أريد أن أسمعها دائما حتى أتذكر أن وطني أضحى سليبا؛ لذلك لا أجد بديلا عنها أو أفضل منها".

والأقراص المدمجة

وفي منطقة الباب الشرقي بوسط العاصمة العراقية بغداد المزدحم تجد أصحاب محلات بيع الأقراص المدمجة (سي دي) يجتهدون في عرض بضاعتهم من هذه الأغاني، بعد أن وجدوا أن الزبائن تبحث عنها، فراحوا يقدمون تلك الأغنيات مع عمل مونتاج جديد للأغنية؛ بحيث يظهر ذات اللحن والصوت والكلمات، مع صور جديدة، أغلبها لقطات من اشتباكات بين عناصر المقاومة العراقية وقوات الاحتلال.

وقال أحد الباعة: إنه يبيع الآن بين 10 و15 قرصا من هذه الأقراص، مشيرا إلى أن الطلب عليها في تزايد مستمر، وخاصة عندما تكون هناك اشتباكات ومواجهات مستمرة في منطقة ما من مناطق العراق، كما حدث في الفلوجة والنجف وكربلاء في الآونة الأخيرة.

وشهدت المدن الثلاث في إبريل 2004 مواجهات دموية عنيفة بين المقاومة العراقية وقوات الاحتلال الأمريكية، أسفرت عن مقتل نحو 700 عراقي وإصابة نحو ألف آخرين، إضافة إلى مقتل وإصابة العشرات من جنود الاحتلال في الفلوجة وحدها.

وشهدت الفلوجة في تلك الفترة موجة من إحياء الأغاني القديمة. فقد تعودت مساجدها على التكبير والتهليل أثناء القصف الجوي والمواجهات العنيفة، غير أن أحد تلك المساجد عمد إضافة إلى ذلك إلى ابتداع طريقة جديدة لتحميس المقاتلين، وذلك بأن بث عن طريق مكبرات الصوت أغانيَ وطنية، كان من بينها أغنية "أمن يا وطن ما نقدر نعوفك"، بحسب أحد رجال المقاومة بالمدينة.

وقال المقاوم العراقي -الذي فضل عدم الكشف عن اسمه-: إن هذه الأغنية كان لها فعل السحر بالمقاومين العراقيين في المدينة المحاصرة.

التعليقات