محاكمة صدام رسميا لن تجري قبل بداية السنة المقبلة

محاكمة صدام رسميا لن تجري قبل بداية السنة المقبلة

غزة-دنيا الوطن

وقف صدام حسين أول من أمس أمام محكمة عراقية بعد قضائه سبعة أشهر محتجزا لدى الأميركيين، لكن محاكمته رسميا لن تجري على الأكثر قبل بداية السنة المقبلة حسبما قال المسؤولون العراقيون.

والسؤال المهم الان هو ما إذا كانت المحكمة العراقية الخاصة والمستندة إلى قانون عراقي وخبرة قانونية أميركية قادرة على تحقيق مسار محاكمة شفاف، أم أنها لن تكون أكثر من عدالة المنتصر على المهزوم أو انتقام الضحية.

من جانب، يمكن لمحاكمة الدكتاتور العراقي السابق ان تمنح قدرا من القوة لبلد ما زال يعاني من حكم صدام حسين المتميز بالقسوة المتطرفة، ومن جانب آخر، فإنها يمكن أن تمنح المتهم منصة سياسية يستخدمها لصالحه.

ولدى مقارنتها بمحاكم تتراوح بين محاكم نورمبرغ وسيراليون تبدو المحكمة العراقية الخاصة فريدة من نوعها، فهي من جانب ليست محكمة دولية مستقلة. وظلت الحكومة العراقية تصر على محاكمته في الداخل وحسب قوانين وقضاة عراقيين. وتم إرسال محامين وخبراء في القانون للتحقق من الأدلة المطروحة ضد صدام حسين وفي جرائم المقابر الجماعية بحثا عن أدلة جنائية لجرائمه وتطوير استراتيجية خاصة بالمحاكمة.

لكن المنتقدين للمحاكمة يتساءلون إن كان النظام القضائي العراقي الذي أصابه الشلل نتيجة لسنوات من العزلة والقمع جديرا بتنفيذ مهمة من هذا النوع. كذلك فهم يطرحون أسئلة حول مدى التأثير الأميركي في مسار المحاكمة ككل. ويقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي بقيادة التحقيق جنبا إلى جنب مع مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية ووكلاء من وزارة العدل. ويحرس الجنود الأميركيون صدام حسين حتى بعد نقله إلى سجن عراقي، وتمول واشنطن المحكمة.

قال ريتشارد ديكر رئيس العدالة الانتقالية لمنظمة «مراقبة حقوق الإنسان» المتمركزة في نيويورك «يمكن النظر إلى المحاكمة والقانون التشريعي بأنهما عالم مصغر لمشروع أكبر. إن ذلك هو مسعى يتم بناء على دعم من الاحتلال مع قضاة ومحامين عراقيين».

وقال الأميركيون الذين يسيّرون العملية بأنهم يبذلون كل جهودهم لضمان الحفاظ على استقلالية المحكمة ومصداقيتها. الخبرة الأميركية ضرورية الآن لإعادة بناء نظام قضائي تعرض للتآكل تحت حكم دكتاتوري. لكن مع الوقت والتدريب فإن العراقيين حسبما يقولون سيكونون متحكمين تماما بنظامهم القضائي.

وقال خبير قانون أميركي يعمل مع المحاكمة إن كل القرارات الرئيسية بما فيها تلك المتعلقة بالأمور التي سيتم التحقيق فيها وأي اتهامات، يجب طرحها، وأي أدلة يجب سماعها، سيقررها القضاة العراقيون الذين سيجلسون كلجنة في كل جلسة محاكمة. وقال هذا الخبير الذي تحدث شرط عدم الكشف عن اسمه إن القضاة العراقيين قد يطلبون من الأميركيين التنحي جانبا. مشيرا الى انه «سيأتي وقت تقول المحكمة العراقية الخاصة فيه: نحن وصلنا النقطة التي أصبحنا فيها مهيئين للانطلاق لوحدنا، نحن لا نريد أي مساعدة من الآخرين».

ومن المرجح أن تتراوح التهم التي ستوجه ضد صدام حسين بين جرائم ضد البشرية، وهذا يشمل عمليات الإبادة الجماعية في ما يقرب من عشر حوادث ابتداء من تصفية الانتفاضة الشيعية التي وقعت عام 1991 إلى هجمات الغاز السام التي وقعت عام 1988 ضد اهالي مدينة حلبجة الكردية والتي أدت إلى مقتل 5000 كردي في. وحسب النظام القانوني الذي وضع للمحاكمة في ديسمبر (كانون الاول) الماضي ستكون أي جريمة ارتكِبت بين يوليو(حزيران) 1968 ومايو (أيار) 2003 تقع في صلب عمل هذه المحكمة.

ومع ذلك لا تزال هناك عدة قضايا حيوية لم تحل بعد. فقانون الادلة لا يزال تحت الصياغة. ويجب اعداد برنامج لحماية الشهود، والادلة الموثقة متناثرة عبر البلاد، عرضة للتلاعب فيها او ضياعها. وأدى التمرد واسع النطاق الي صعوبة تعيين قضاة ومدعين. والمجموعة المحدودة التي تم اختيارها، لم تعلن بعد، خوفا على وضعهم الامني. كما لم يتم اختيار مقرا آمن لهيئة المحكمة.

وستختلف التجربة العراقية عن الهيئات البروتوكولية المتزايدة في المحاكمات الجنائية الدولية في عدة مجالات.

فمحكمة جرائم الحرب الدولية ليوغوسلافيا والمحكمة المماثلة لرواندا عقدت خارج البلاد، في محاولة لمنع المحاكمة من اثارة المزيد من المتاعب، بينما المحكمة الخاصة في سيراليون، وإن عقدت في البلاد، فهي تستمد قانونيتها من قانون حقوق الانسان الدولي، ومشكلة من قضاة ومحامين من سيراليون ومن خارجها. ولا يوجد حظر، كما هو هنا، لمحاكمة مواطن من دولة اخرى.

وستعتمد المحكمة العراقية الخاصة على مزيج من القوانين الدولية والمحلية. وأوضح سالم الجلبي رئيس المحكمة وابن شقيق احمد الجلبي: «نحاول الالتزام بأكبر قدر ممكن من المستويات الدولية، في الوقت الذي نحافظ على الصيغة المحلية للمحكمة».

ويقول العديد من العراقيين انهم لا يريدون من صدام حسين ان يستخدم المحكمة للدعاية لافكاره السياسية، مثلما فعل سلوبودان ميلوسفتش في محكمة لاهاي.

وأوضح دارا نور الدين وهو قاض عراقي كردي سجنته حكومة صدام حسين، ولذا لن يشارك في محكمة صدام حسين، ان «محاكمنا ستحاول التوصل الى حكم بأسرع وقت ممكن». وذكرت مجموعة من المحامين الاميركيين سيتولون مساعدة المحكمة العراقية، ان «قانون الاجراءات العراقي سيمنح القضاة حقا تقديريا لمنع المتهمين من استخدام المحكمة لدعاية سياسية».

وكان بول بريمر الحاكم الاداري الاميركي الذي غادر بغداد يوم الاثنين الماضي، قد ذكر بعد نقل السلطة رسميا للعراق، انه تأثر تأثرا كبيرا بمدى معاناة العراقيين. وقال بريمر في مقابلة صحافية قبل مغادرة العراق ان عودة العراق الى الاوضاع الطبيعية سيعتمد، في بعض المجالات، على العثور على وسيلة لعلاج الندوب النفسية الناجمة عن حكم صدام.

وقال بريمر «لقد عاش هؤلاء في مجتمع حيث كان يمكن ان يصبح فيه أي خطأ قاتلا».

وروى قصة حديث في حفل عشاء مع امرأة عراقية. فقد ابلغته المرأة وهي تبكي ان عناصر الامن قبضوا على شقيقها الاصغر في المدرسة بعد مزحة انتقد فيها صدام حسين. ولم يشاهد الولد مرة اخرى، وقالت المرأة لبريمر انها كانت خائفة من خيانة بعض افراد اسرتها لدرجة انها انتظرت 20 سنة حتى القبض على صدام حسين في شهر ديسمبر الماضي، قبل أن تبلغ اولادها بأنها فقدت واحدا من اخوتها.

وكان البعض يشعرون بالقلق من امكانية تعرض حقوق المتهمين لمشاكل اذا ما تعاملوا معهم طبقا لقوانين عراقية تمت صياغتها في عهد صدام حسين، وعدلها الاميركيون. ورد خبير قانوني على ذلك بقوله ان التغييرات التي اجرتها سلطات الاحتلال كانت تستهدف الغاء المواد المضرة، بما فيها بعض المواد التي تميز بين الافراد اعتمادا على العرق او المعتقدات السياسية.

* نيويورك تايمز

التعليقات