نصيحة لله.. الرد على رسالة القرضاوي لمصطفى محمود
الرد على رسالة القرضاوي لمصطفى محمود
في مسألة الشفاعة
بسم الله الرحمان الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
لقد أخطأ الدكتور مصطفى محمود عندما نفى وجود الشفاعة الكبرى ، وهي أن يشفع الرسول عليه السلام في الخلق ، كي يبدأ الله تعالى الحساب ، بل هذه الشفاعة ثابتة بالقرآن والسنة ، فهذا ما وُفقت فيه أيها القرضاوي .
أما مسألة الشفاعة للمذنبين ، وخروج العصاة من النار ، فهذا ما ضللت فيه عن الحق ، ولِعلْمِك ، فإن معرفتي لمستواك العلمي من فهم وتحليل من خلال قراءتي لبعض كتاباتك جعلني غير مصدق لما كتبته كَرد على مصطفى محمود:
حتى نضع النقاط على الحروف ، الله تعالى يقول :{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات } - آل عمران -
حسب هذه الآية ، يوجد في القرآن آيات محكمات ،أي واضحات الدلالة ، لاتحتمل إلا تفسيرا واحدا، وتوجد كذلك آيات متشابهات ، وهي التي لم يفهم معناها ،كأوائل السور :ألم ، حم، ن، عسق، ... ،أو المحتملات ،أي التي تحتمل أكثر من معنى ، فالواجب على المسلم أن يأخذ المحكمات هي الأصل ، ويفسر المتشابهات بحيث تتطابق مع المحكمات .
أولا: قلت أنه يجب رد المتشابهات إلى المحكمات، الحق هو ما قلتَه، لكني رأيتك لم تطبق هذا المبدأ على نفسك فجئت تفسر المتشابهات وتركت المحكمات جانبا ولم تقم بأي محاولة للتقريب بينهما فمثلا:
قال تعالى:{فما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع}- غافر- فسرت الظالم بالكافر وقلت بأن الذي لا تناله الشفاعة هو المشرك أما العاصي فلا يدخل ضمن هذه الآية، مع أن كلمة الظالم لا تعني دائما الكافر، فقد قال تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءا بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم }- المائدة -
وقال أيضا:{ومن يفعل ذ لك فقد ظلم نفسه }- الطلاق -
{ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلاِئك هم الظالمون}- المائدة-
{وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين}- الأنعام – {ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ... ومن لم يتب فألائك هم الظالمون }- الحجرات - .
ومثل ذلك كثير في القرآن، إذن لا يمكن أن تفسر الظالم في هذه الآية بمعنى الشرك فقط , بل لها معنى آخر وهو مرتكب المعصية ، وأنت استدللت بها على أنها مُحكمة.
ثانيا: في قول الله عز وجل: {لابثين فيها أحقابا }- عم-، قلت بأن الأحقاب مهما يطل أمَدها فلا بد لها نهاية ؟
إذن سوف يأتي اليومُ الذي تغلق فيه أبواب النار فلا يبقى فيها عاص ولا مشرك، و هذ ا يناقض ما قلته بأن الخلود يكون للمشركين من جهة، ومن جهة أخرى يناقض الآيات الصريحة:
{فاليوم لا يُخرَجون منها ولاهم ُيستَعتبون }- الجاثية-، {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها }- فاطر- ، { وما هم بخارجين من النار } - البقرة - { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } - المائدة - { وما هم عنها بغائبين }- ولايدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } - الأعراف - ؛ ...
بالله عليك، أين وضعت آيات القرآن التي تقول:{خالدين فيها} وما أكثرها في القرآن ؟ أهي كلها متشابهات في رأيك؟، فات بالتشابه، أما إ ذا كانت مُحكمات فما عساك أن تأخذ إلا معناها الذي ُيفيد الخلود الأبدي في النار.
ثم إن لبعض الْمفسرين رأي آخر في تفسير هذه الآية:
تفسير الجلالين: أحقابا:دُهورًا لا نهاية لها.
تفسير الطبري: قال ثنا سعيد عن قتادة قال الله :{لابثين فيها أحقابا } وهو مالا انقطاع له ،.
،
وغير ذلك كثير. ما معنى هذه الأحاديث؟ من اقترف ذنبا واحدا ولم يتب منه إستوجب النار، وتأتي سيادتك وتقول بأن دخول العبدِ النارَ بمعصية واحدة هو ظلم ! ألا ترى معي أنك تضرب النصوص بعضها ببعض؟ وأنت الذي قلت في رَدك
إذن الله تعالى يعبث عندما أنزل هذه الآيات ؟ والرسول يعبث عندما نطق بهذه الأحاديث؟ تعالى الله عن العبث علوا كبيرا ، وحاشا للرسول أن يعبث وهو الذي زكى الله لسانه عندما قال عز مِن قائل:{ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}
عاشرا: قلت:[إن في القرءان آيات تُجيز خرو ج العصاة من النار بمشيئة الله ، لقوله تعالى:{فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والاَرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يُريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والارض إلا ما شاء ربك عطاءً غير مجذوذ }- هود - ] ، فإليك الرد :
1) لماذا لم تقل كذلك :إن هذه الآية تُجِيز خروج السعداء من الجنة بمشيئة الله ؟ ، فإذا شاء الله وخرجوا ، ترى إلى أين سيذهبون ؟ إلى النار ؟ يصبحون ترابا ؟ .
2) لا يمكن أن نفهم من هذه الآية أنه حتْمًا سوف يأتي اليوم الذي يشاء الله فيه إخراج العصاة [والمشركين كذلك] من النار ، بل إذا شاء الله خرجوا ، وإذ لم يشأْ لن يخرجوا .
إذن لا يمكن أن تأتي بهذه الآية المتشابهة لترد بها الآيات المحكمات كقوله تعالى:{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حُدودَه ندخِلْه نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}- النساء –
وقوله عز وجل :{ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنمُ خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} -النساء-
مع أنك قلت في كتابك- الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم - : [فاتباع المحكمات واتخاذها الأصل و القاعدة في التفكير والسلوك من شأن الراسخين في العلم، واتباع المتشابهات من شأن الذين في قلوبهم زيغ ودغل ].
رابعا: لاحظ التناقض الصارخ والعجيب في بحثك ، بحيث لم تكتف بضرب نصوص القرآن والسنة بعضها ببعض، بل وضربت كلامك بعضه ببعض ، وأغلب ظني أنك لست مؤمنا بما تقول :
قلت : [أي غرابة في أن يشفع عليه السلام في أهل الكبائر من أمته؟ أي غرابة في أن يشفع بعض الربانيين من أمته في بعض العصاة الذين ماتوا على التوحيد؟ أي غرابة في أن يشفع الشهداء من أمته لعدد كذا وكذا من أهلهم وأقاربهم مكافأة لهم على استشهادهم وبذلهم لأرواحهم؟ ]
وناقضت كلامك هذا بما قلته في أول البحث:[هناك حقائق لا يجوز الخلاف عليها:
أولا:سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة موقوفة على عمله لا على الإتكال على غيره ،فهو الذي يسعد نفسه أو يشقيها ،وليس غيره هو الذي يجلب له السعادة والشقاء ] وأتيت بعدة أدلة.
وقلت كذلك :[خامسا: أن الأوهام التي شاعت بين المسلمين عن الشفاعة لا اساس لها ،وهي أن يقترف الإنسان كبائر الإثم والفواحش ويبغي في الأرض بغير الحق ... ثم يتكل على أن الرسول أو الأولياء سيشفعون له،فهذا أشبه بما كان عليه المشركون في الجاهلية...]
ثم عقبت قائلا:[فالواقع أن باب الشفاعة ليس مفتوحا لكل الناس ،بل يفتحه الله متى شاء لمن شاء فيما يشاء من الذنوب ] ، فمادام بابُ الشفاعة متعلق بمشيئة الله ، فالإنسان الذي اقترف كبائر الإثم والفواحش وبغي في الأرض بغير الحق ربما تناله الشفاعة !
ثم قلت [والشفاعة الأخرى الثابتة بالقرآن والسنة هي الشفاعة للمذنبين ،والمراد بالمذنبين هم أهل الكبائر ،سواءا كانت هذه الكبائر فعل محظور كأكل الربا وشرب الخمر والزنى أو ترك مأمور كترك الصلاة، ومنع الزكاة ، والإفطار بلا عذر في رمضان]، تارة أوهام لا أساس لها وتارة أخرى ثابتة بالقرآن والسنة ! .
مع أن الله تعالى لعن آكل الربا ولعن ثلاتة معه، ولعن الخمر ولعن معها عشرا، ومع أن الصديق أبا بكر حكم على مانعي الزكاة بالردة وقاتلهم ، ومع أن...ومع أن...، وكلنا يعلم أن اللعنة هي الطرد من رحمة الله .
ثم أين وضعت الآية التي ذكرها مصطفى محمود ولم تعقب عليها ؟ وهي قول الله تعالى : {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } ؟ أم انك وجدت لها تفسيرا آخر وصنفتها ضمن المتشابهات ؟ ، لماذا تأخذ من النصوص ما يؤيد رأيك ، وتترك ما يخالفه ، وإن كان صريح المعنى لا يقبل أي تأويل ؟ .
والذي أوقعك في هذا التناقض هو أنك سلمت بأن صحيح البخاري هو أصدق الكتب بعد القرآن رغم ما فيه من التناقض ، وأن الحق مع المذاهب الأربعة ، وما قال به غيرهم هو الباطل ، تيقنت من هذا ، فصرت كما قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام : من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين ، يقف أحدهم على ضُعف ما أخذ إمامُه ، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يُقلده ، ويترك ما شهد به الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة ، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ، نضالا عن مقلده ]
خامسا: قلت :[في جانب الفضل نجد أن الحسنات إذا أديت على وجهها ، لا يُحبطها إلا الشِرك] ، من قال هذا ؟ ألم تقرأ قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}- الحجرات-
وهل رفع الصوت على رسول الله شرك ؟ لا ، بل أي معصية إذا اقترفها العبد ،ومات مصرا عليها ولم يتب منها ، فإنه هالك لا محالة ، حتى وإن أتى بالحسنات كجبال تهامة ، وهذا لا يمكن أن يسمى ظلما مِن الله تعالى كما يقول بعض الجهَلة ، لعدة أسباب :
* فتح الله لنا باب التوبة على مصراعيه. * إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِر ، ولم تظهر أشراط الساعة الكبرى .
* إن الله يأمرنا أن نتوب ، وفي نفس الوقت يَعِدنا بالدخول إلى الجنة إذا تُبنا .
* إن الله تعالى يقبل توبة عبده مهما عَظُمت ذنوبه .
* إن الله لا يكتفي بقَبول توبة عبده ، بل يدخله ضِمن الذين يحبهم ، قال عز من قائل :{إن الله يحب التوابين } .
* ليست التوبة مقبولة في مكان معين وفي وقت معين ، بل في كل زمان وفي كل مكان .
هنا يتجلى فضل الله تعالى علينا ، وليس مخالفةُ الله تعالى لما شرع يسمى فضلا ؟
كيف ؟ الله تعالى وعد العصاة بدخول النار ، وتأتي فتقول أن إدخال العاصي إلى الجنة هو فضل من الله !
ربما يقول قائل : بما أن الله قادر على كل شيء ، إذن هو قادر على إدخال العاصي إلى الجنة .
لكني أقول : نعم الله قادر على كل شيء ، ولكنه أخذ العهد على نفسه أن لا يُخلِف وعده إذ يقول :{ولا يخلف الله وعده } وقال أيضا :{إن الله لا يخلف الميعاد }
سادسا : قلت :[ثالثا : لو لم نُجَوزخروج العصاة من أهل الإيمان من النار، لسوينا بين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر]،
هل في هذه المسألة مساحة للرأي ؟ ، حتى تقول نُجَوز أو لا نُجَوز؟ ،إن مما لا يختلف فيه جاهلان، فضلاً أن يختلف فيه عالمان ، أنه لا يمكن لأحد وإن بلغ من العلم ما بلغ أن يُبدي رأْيه في مسائل قد حكم الله فيها حُكمَه ، وهو الذي يقول في كتابه الحكيم :{لا مُعقب لِحكمه وهو سريع الحساب } - الرعد –
الإسلام قد أصدر حكمه في أصحاب الكبائر في القرآن والسنة ، و الله تعالى يقول : {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حُدودَه ندخِلْه نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}- النساء –
:{ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنمُ خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} - النساء –
والرسول عليه السلام يقول :
،
... الخ ،
أنُفسِر القرآن والسنة حسب أهوائنا وندعي أننا مسلمون ؟ وندعوا الناس إلى اتباع مذهب أهل السنة والجماعة ؟ ألا زلت متمسكا بقولك : [ وأن تجتمع الأمة على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي في عهد الرسول ] ؟ هل هذا فكر الرسول ؟ ثِق جيدا أن الرسول سيحاسبنا بين يدي الله تعالى ، لأننا نسبنا الضلال إليه ، وادعينا أننا من أتباع سنته ، فإذا بنا نضرب بعضها ببعض ، هذا من جهة ،
ومن جهة أخرى ، نعم ، الموحد العاصي والمشرك ، يتساويان في دخول النار والخلود فيها ، فاللهُ هو الذي سوى بينهما وليس أحدٌ غيرُ اللهِ ، حسبما ذكرت من آيات وأحاديث ، لكن يختلفان في الدركات كما يختلف المؤمنون الموفون في الدرجات في الجنة ،
قلت :[عن الآثار الإلاهية :الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأزيد ،والسيئة عندي بمثلها وأعفو].
نعم ، من فضل الله على عباده أنه جعل الحسنة تتضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ، والله يضاعف لمن يشاء ، والسيئة بمثلها ، أما قولك [وأعفو] ، فإن عفو الله عن مرتكب الكبيرة مقترن بشيء أساسي وهو التوبة ، لقول الله تعالى :{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى }- طه - ، فمغفرة اللهِ مُقترنة بالتوبة ، فيستحيل أن يغفر الله يوم القيامة لعبد أصر على معصية الله ولم يتب منها ، لذلك نجد الله تعالى يأمرنا أمرا ويقول :{وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ، قرن الله الفلاح بالتوبة ، وقال أيضا :{ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} تكفير السيئات والدخول إلى الجنةأولا : بالإيمان العملي وليس بالإكتفاء بالشهادتين لفظا ، ثانيا : ليس التوبة فقط ، بل التوبة النصوح ، وهي أن يعزم العبد على عدم العودة إلى هذه المعصية أبدا، أما أن يتمادى الإنسان في المعاصي ، ثم يتكل على شفاعة الرسول ، فإنه تمسك بأمل زائف ، أو أن يقول : إن الله تعالى يقول : { ورحمتي وسعت كل شيء } ، لكن اللهَ يُعقب فيقول : {فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذين هم بئاياتنا يومنون ، الذين يتبعون الرسولَ النبيءَ الأميَ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويُحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إِصْرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولائك هم المفلحون } - الأعراف -
كفى تعاميا عن الحق ، إذا كنا ندعي الإسلام ، فإن دستور المسلم هو القرآن الكريم ، أما إذا اتبعنا أهواءنا وتمنينا على الله الأماني ، فإن ذلك ليس في صالحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة وقد قال جل شأنه :{ أرأيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } – الفرقان - وقال أيضا : { أفرأيت من إتخذ إلاهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون }- الجاثية-
سابعا : قلت بأن هناك أحاديث كثيرة وصحيحة ،تؤكد أن الرسول سيشفع في العصاة ؟
إذا كان الرسول سيشفع في العصاة ، لماذا لم يشفع في خادمه الأمين الذي صاحبه في إحدى غزواته ، فأتاه سهم غرب فقتله ، فقال الصحابة هنيئا له الجنة ، فقال لهم الرسول : والله إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ؟ ، لماذا لم يشفع الرسول في المرأة التي تقوم اليل وتصوم النهار لكنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فقال عنها الرسول هي في النار ؟ ، لماذا لم يشفع الرسول في الصحابي الذي رآه الصحابة في المعركة كالأسد الهصور يقاتل المشركين وقد فعل فيهم الأفاعيل ، فقال لهم الرسول هو في النار , فاحتار الصحابة في أمره ، وعزموا على تتبعه ، إلى أن جن اليلُ بعد انتهاء المعركة وكان طريحا على الأرض ، مثخنَ الجراح ، فأخذ سيفه وغرزه في بطنه لما اشتد به الألم فمات ، فعلم الصحابة أن قتله لنفسه هو سبب حكم الرسول عليه أنه في النار ؟ ، وهذه الأحاديث صحيحة لا ينكرها أحد ،
ثامنا: قلت أن مسألة خلود العصاة في النار ، وعدم وجود شفاعة للعصاة يوم القيامة هو رأي الخوارج ، وأتيت بأحاديث تخبرنا عن هذه الفرقة الضالة ، وعليه ، فهم ضالون في رأيهم في هذه المسألة ،
هل هذا الكلام يكون دليلا على تصويب رأيك في هذه القضية ؟ لا ، بل لا يَمنع أن يكونوا صائبين في هذه المسألة ، لكن ضلالَهم نتيجة آراء أخرى غير هذه ، إذن إيرادك لهذه الأحاديث إذا سلمنا بصحتها ، ليس في محله ، بل يجب أن ننظر إلى القول لا إلى قائله ، فإذا كان صوابا قبلناه حتى وإن كان قائله مخالفا ،
تاسعا : من التناقض الذي نجده في صحيح البخاري وغيرُه :
ما زعموا ان الرسول عليه السلام قال هذا من جهة ، وبين قوله عليه السلام
،
... الخ ،
** كيف تفسر هذا التناقض يا دكتور ؟ ، وأنا عندما أقول هذا لا ألوم البخاري نفسه ، فهو قد أفضى إلى ما قدم ، ولكن اللوم هو على العلماء أمثالك الذين يأخذون الضلال ويبلغونه ، مكبلين عقولهم ،
** ألا نفهم من أنه يقول للمسلمين : حاربوا الله بكل أنواع المعاصي والكبائر من زنى وقتل ولواط وعقوق وسرقة وووو... ، إلا شيئاً واحدا وهو لا تشركوا بالله شيئا ، فأنا أضمن لكم الجنة ! !
وهل بعد هذا العبث عبث ؟؟؟ ، وللأسف الشديد ، إذا سألت عاصيا منغمسا في الكبائر وغارقا فيها ، مادمت مؤمنا وأن الله سيحاسبك على أعمالك ، فلماذا لا تتوب ؟، سوف يجيبك حتما ، بأن الرسول سيشفع فيه ! !
وأخيرا أيها الشيخ القرضاوي : إعلم جيدا أنك لن تنجوَ بين يدي الله إذا تكبرت على الحق ، وأنك مسؤول عن الملايين المُمَلْينة من المسلمين الذين يدينون بأقوالك ، فإذا أخذت بأيديهم إلى الحق نجوت وأنجيْت، أما إذا بقيت على رأيك بعدما تبين لك الحق ، فاعلم أن الحساب عسير، وأنك ستحاسب وحدك يوم القيامة بين يدي الله تعالى ، ولن ينفعك أحد إلا عملُك، لن ينفعك البخاري ولا مسلم ولا الشافعي ولا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحد غيرهم ، ممن تدين بأقوالهم ، لأن هؤلاء ليسوا معصومين من الخطإ ، وأقوالهم ليست تنزيلا من حكيم حميد ، فكل عالم مأخوذ من كلامه ومردود إلا صاحب الرسالة العصماء ، محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت قد وهبك الله عقلا لا لتُكبلَه ، بل لتفرق به بين الحق والباطل ، وبين الضلال والهدى ، وبين الغث والسمين ،
وفي الختام ، أذكرك بما كتبته في كتابك – الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم - :
[يجب أن يتحرر المرء من التعصب لآراء الأشخاص ، وأقوال المذاهب ، لا يقيد الإنسان نفسه إلا بالدليل فإن لاح له الدليل ، بادر إلى الإنقياد له ، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يعظمه ، أو الطائفة التي ينتسب إليها ، فالحق أحق أن يتبع من قول زيد أو عَمر ، وما تعبدنا اللهُ بقول فلان أو علان من العلماء والأئمة ، إنما تعبدنا الله بما جاء في كتابه ، وما صح عن نبيه ]
[من التعصب المذموم ، التعصب للمذهب ، شأن غلاة المقلدين ، الذين يكادون يضفون على مذاهبهم العصمة ، وعلى أئمتهم القداسة ، وهم يبنون تعصبهم على دعائم غير مسلمة لهم]
[ ومع العلم المقطوع به ، أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ، ولم يوجب اللهُ ولا رسولُه ، اتباع زيد وعمر من الناس بأعيانهما ، وإن بلغا من العلم والفضل ما بلغا ]
[ قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام : من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين ، يقف أحدهم على ضُعف ما أخذ إمامُه ، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يُقلده ، ويترك ما شهد به الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة ، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ، نضالا عن مقلده ]
[ من أخلاقيات التحرر من التعصب: أن ينظر إلى القول لا إلى قائله، وأن تكون لديه الشجاعة لنقد الذات ، والاعتراف بالخطأ ، والترحيب بالنقد من الآخرين ، وطلب النصح والتقويم منهم ، والاستفادة مما عند الآخرين من علم وحكمة ، والثناء على المخالف فيما أحسن فيه ، والدفاع عنه إذا اتهم بالباطل ، أو تطاول عليه أحد بغير حق ]
نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ، ويرزقنا إتباعه واتباع أهله ، وحبه وحب أهله ، وأن ُيلهمنا رشدنا ، ويهدينا إلى سواء السبيل،
كتبها الفقير إلى ربه ، ق. داوود، الذي فهم من الدين أنه النصيحة ،كما قال عليه أزكى الصلاة والتسليم ، فقام بما ظن أنه واجبه ، والله ولي التوفيق .
أرجوا منك تعقيبا على كلامي لأرى مدى إقتناعك من عدمه . – انتهى -
في مسألة الشفاعة
بسم الله الرحمان الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
لقد أخطأ الدكتور مصطفى محمود عندما نفى وجود الشفاعة الكبرى ، وهي أن يشفع الرسول عليه السلام في الخلق ، كي يبدأ الله تعالى الحساب ، بل هذه الشفاعة ثابتة بالقرآن والسنة ، فهذا ما وُفقت فيه أيها القرضاوي .
أما مسألة الشفاعة للمذنبين ، وخروج العصاة من النار ، فهذا ما ضللت فيه عن الحق ، ولِعلْمِك ، فإن معرفتي لمستواك العلمي من فهم وتحليل من خلال قراءتي لبعض كتاباتك جعلني غير مصدق لما كتبته كَرد على مصطفى محمود:
حتى نضع النقاط على الحروف ، الله تعالى يقول :{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات } - آل عمران -
حسب هذه الآية ، يوجد في القرآن آيات محكمات ،أي واضحات الدلالة ، لاتحتمل إلا تفسيرا واحدا، وتوجد كذلك آيات متشابهات ، وهي التي لم يفهم معناها ،كأوائل السور :ألم ، حم، ن، عسق، ... ،أو المحتملات ،أي التي تحتمل أكثر من معنى ، فالواجب على المسلم أن يأخذ المحكمات هي الأصل ، ويفسر المتشابهات بحيث تتطابق مع المحكمات .
أولا: قلت أنه يجب رد المتشابهات إلى المحكمات، الحق هو ما قلتَه، لكني رأيتك لم تطبق هذا المبدأ على نفسك فجئت تفسر المتشابهات وتركت المحكمات جانبا ولم تقم بأي محاولة للتقريب بينهما فمثلا:
قال تعالى:{فما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع}- غافر- فسرت الظالم بالكافر وقلت بأن الذي لا تناله الشفاعة هو المشرك أما العاصي فلا يدخل ضمن هذه الآية، مع أن كلمة الظالم لا تعني دائما الكافر، فقد قال تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءا بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم }- المائدة -
وقال أيضا:{ومن يفعل ذ لك فقد ظلم نفسه }- الطلاق -
{ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلاِئك هم الظالمون}- المائدة-
{وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين}- الأنعام – {ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ... ومن لم يتب فألائك هم الظالمون }- الحجرات - .
ومثل ذلك كثير في القرآن، إذن لا يمكن أن تفسر الظالم في هذه الآية بمعنى الشرك فقط , بل لها معنى آخر وهو مرتكب المعصية ، وأنت استدللت بها على أنها مُحكمة.
ثانيا: في قول الله عز وجل: {لابثين فيها أحقابا }- عم-، قلت بأن الأحقاب مهما يطل أمَدها فلا بد لها نهاية ؟
إذن سوف يأتي اليومُ الذي تغلق فيه أبواب النار فلا يبقى فيها عاص ولا مشرك، و هذ ا يناقض ما قلته بأن الخلود يكون للمشركين من جهة، ومن جهة أخرى يناقض الآيات الصريحة:
{فاليوم لا يُخرَجون منها ولاهم ُيستَعتبون }- الجاثية-، {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها }- فاطر- ، { وما هم بخارجين من النار } - البقرة - { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } - المائدة - { وما هم عنها بغائبين }- ولايدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط } - الأعراف - ؛ ...
بالله عليك، أين وضعت آيات القرآن التي تقول:{خالدين فيها} وما أكثرها في القرآن ؟ أهي كلها متشابهات في رأيك؟، فات بالتشابه، أما إ ذا كانت مُحكمات فما عساك أن تأخذ إلا معناها الذي ُيفيد الخلود الأبدي في النار.
ثم إن لبعض الْمفسرين رأي آخر في تفسير هذه الآية:
تفسير الجلالين: أحقابا:دُهورًا لا نهاية لها.
تفسير الطبري: قال ثنا سعيد عن قتادة قال الله :{لابثين فيها أحقابا } وهو مالا انقطاع له ،.
،
وغير ذلك كثير. ما معنى هذه الأحاديث؟ من اقترف ذنبا واحدا ولم يتب منه إستوجب النار، وتأتي سيادتك وتقول بأن دخول العبدِ النارَ بمعصية واحدة هو ظلم ! ألا ترى معي أنك تضرب النصوص بعضها ببعض؟ وأنت الذي قلت في رَدك
إذن الله تعالى يعبث عندما أنزل هذه الآيات ؟ والرسول يعبث عندما نطق بهذه الأحاديث؟ تعالى الله عن العبث علوا كبيرا ، وحاشا للرسول أن يعبث وهو الذي زكى الله لسانه عندما قال عز مِن قائل:{ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}
عاشرا: قلت:[إن في القرءان آيات تُجيز خرو ج العصاة من النار بمشيئة الله ، لقوله تعالى:{فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والاَرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يُريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والارض إلا ما شاء ربك عطاءً غير مجذوذ }- هود - ] ، فإليك الرد :
1) لماذا لم تقل كذلك :إن هذه الآية تُجِيز خروج السعداء من الجنة بمشيئة الله ؟ ، فإذا شاء الله وخرجوا ، ترى إلى أين سيذهبون ؟ إلى النار ؟ يصبحون ترابا ؟ .
2) لا يمكن أن نفهم من هذه الآية أنه حتْمًا سوف يأتي اليوم الذي يشاء الله فيه إخراج العصاة [والمشركين كذلك] من النار ، بل إذا شاء الله خرجوا ، وإذ لم يشأْ لن يخرجوا .
إذن لا يمكن أن تأتي بهذه الآية المتشابهة لترد بها الآيات المحكمات كقوله تعالى:{ومن يعص الله ورسوله ويتعد حُدودَه ندخِلْه نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}- النساء –
وقوله عز وجل :{ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنمُ خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} -النساء-
مع أنك قلت في كتابك- الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم - : [فاتباع المحكمات واتخاذها الأصل و القاعدة في التفكير والسلوك من شأن الراسخين في العلم، واتباع المتشابهات من شأن الذين في قلوبهم زيغ ودغل ].
رابعا: لاحظ التناقض الصارخ والعجيب في بحثك ، بحيث لم تكتف بضرب نصوص القرآن والسنة بعضها ببعض، بل وضربت كلامك بعضه ببعض ، وأغلب ظني أنك لست مؤمنا بما تقول :
قلت : [أي غرابة في أن يشفع عليه السلام في أهل الكبائر من أمته؟ أي غرابة في أن يشفع بعض الربانيين من أمته في بعض العصاة الذين ماتوا على التوحيد؟ أي غرابة في أن يشفع الشهداء من أمته لعدد كذا وكذا من أهلهم وأقاربهم مكافأة لهم على استشهادهم وبذلهم لأرواحهم؟ ]
وناقضت كلامك هذا بما قلته في أول البحث:[هناك حقائق لا يجوز الخلاف عليها:
أولا:سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة موقوفة على عمله لا على الإتكال على غيره ،فهو الذي يسعد نفسه أو يشقيها ،وليس غيره هو الذي يجلب له السعادة والشقاء ] وأتيت بعدة أدلة.
وقلت كذلك :[خامسا: أن الأوهام التي شاعت بين المسلمين عن الشفاعة لا اساس لها ،وهي أن يقترف الإنسان كبائر الإثم والفواحش ويبغي في الأرض بغير الحق ... ثم يتكل على أن الرسول أو الأولياء سيشفعون له،فهذا أشبه بما كان عليه المشركون في الجاهلية...]
ثم عقبت قائلا:[فالواقع أن باب الشفاعة ليس مفتوحا لكل الناس ،بل يفتحه الله متى شاء لمن شاء فيما يشاء من الذنوب ] ، فمادام بابُ الشفاعة متعلق بمشيئة الله ، فالإنسان الذي اقترف كبائر الإثم والفواحش وبغي في الأرض بغير الحق ربما تناله الشفاعة !
ثم قلت [والشفاعة الأخرى الثابتة بالقرآن والسنة هي الشفاعة للمذنبين ،والمراد بالمذنبين هم أهل الكبائر ،سواءا كانت هذه الكبائر فعل محظور كأكل الربا وشرب الخمر والزنى أو ترك مأمور كترك الصلاة، ومنع الزكاة ، والإفطار بلا عذر في رمضان]، تارة أوهام لا أساس لها وتارة أخرى ثابتة بالقرآن والسنة ! .
مع أن الله تعالى لعن آكل الربا ولعن ثلاتة معه، ولعن الخمر ولعن معها عشرا، ومع أن الصديق أبا بكر حكم على مانعي الزكاة بالردة وقاتلهم ، ومع أن...ومع أن...، وكلنا يعلم أن اللعنة هي الطرد من رحمة الله .
ثم أين وضعت الآية التي ذكرها مصطفى محمود ولم تعقب عليها ؟ وهي قول الله تعالى : {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار } ؟ أم انك وجدت لها تفسيرا آخر وصنفتها ضمن المتشابهات ؟ ، لماذا تأخذ من النصوص ما يؤيد رأيك ، وتترك ما يخالفه ، وإن كان صريح المعنى لا يقبل أي تأويل ؟ .
والذي أوقعك في هذا التناقض هو أنك سلمت بأن صحيح البخاري هو أصدق الكتب بعد القرآن رغم ما فيه من التناقض ، وأن الحق مع المذاهب الأربعة ، وما قال به غيرهم هو الباطل ، تيقنت من هذا ، فصرت كما قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام : من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين ، يقف أحدهم على ضُعف ما أخذ إمامُه ، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يُقلده ، ويترك ما شهد به الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة ، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ، نضالا عن مقلده ]
خامسا: قلت :[في جانب الفضل نجد أن الحسنات إذا أديت على وجهها ، لا يُحبطها إلا الشِرك] ، من قال هذا ؟ ألم تقرأ قوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}- الحجرات-
وهل رفع الصوت على رسول الله شرك ؟ لا ، بل أي معصية إذا اقترفها العبد ،ومات مصرا عليها ولم يتب منها ، فإنه هالك لا محالة ، حتى وإن أتى بالحسنات كجبال تهامة ، وهذا لا يمكن أن يسمى ظلما مِن الله تعالى كما يقول بعض الجهَلة ، لعدة أسباب :
* فتح الله لنا باب التوبة على مصراعيه. * إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِر ، ولم تظهر أشراط الساعة الكبرى .
* إن الله يأمرنا أن نتوب ، وفي نفس الوقت يَعِدنا بالدخول إلى الجنة إذا تُبنا .
* إن الله تعالى يقبل توبة عبده مهما عَظُمت ذنوبه .
* إن الله لا يكتفي بقَبول توبة عبده ، بل يدخله ضِمن الذين يحبهم ، قال عز من قائل :{إن الله يحب التوابين } .
* ليست التوبة مقبولة في مكان معين وفي وقت معين ، بل في كل زمان وفي كل مكان .
هنا يتجلى فضل الله تعالى علينا ، وليس مخالفةُ الله تعالى لما شرع يسمى فضلا ؟
كيف ؟ الله تعالى وعد العصاة بدخول النار ، وتأتي فتقول أن إدخال العاصي إلى الجنة هو فضل من الله !
ربما يقول قائل : بما أن الله قادر على كل شيء ، إذن هو قادر على إدخال العاصي إلى الجنة .
لكني أقول : نعم الله قادر على كل شيء ، ولكنه أخذ العهد على نفسه أن لا يُخلِف وعده إذ يقول :{ولا يخلف الله وعده } وقال أيضا :{إن الله لا يخلف الميعاد }
سادسا : قلت :[ثالثا : لو لم نُجَوزخروج العصاة من أهل الإيمان من النار، لسوينا بين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر]،
هل في هذه المسألة مساحة للرأي ؟ ، حتى تقول نُجَوز أو لا نُجَوز؟ ،إن مما لا يختلف فيه جاهلان، فضلاً أن يختلف فيه عالمان ، أنه لا يمكن لأحد وإن بلغ من العلم ما بلغ أن يُبدي رأْيه في مسائل قد حكم الله فيها حُكمَه ، وهو الذي يقول في كتابه الحكيم :{لا مُعقب لِحكمه وهو سريع الحساب } - الرعد –
الإسلام قد أصدر حكمه في أصحاب الكبائر في القرآن والسنة ، و الله تعالى يقول : {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حُدودَه ندخِلْه نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}- النساء –
:{ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنمُ خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} - النساء –
والرسول عليه السلام يقول :
،
... الخ ،
أنُفسِر القرآن والسنة حسب أهوائنا وندعي أننا مسلمون ؟ وندعوا الناس إلى اتباع مذهب أهل السنة والجماعة ؟ ألا زلت متمسكا بقولك : [ وأن تجتمع الأمة على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي في عهد الرسول ] ؟ هل هذا فكر الرسول ؟ ثِق جيدا أن الرسول سيحاسبنا بين يدي الله تعالى ، لأننا نسبنا الضلال إليه ، وادعينا أننا من أتباع سنته ، فإذا بنا نضرب بعضها ببعض ، هذا من جهة ،
ومن جهة أخرى ، نعم ، الموحد العاصي والمشرك ، يتساويان في دخول النار والخلود فيها ، فاللهُ هو الذي سوى بينهما وليس أحدٌ غيرُ اللهِ ، حسبما ذكرت من آيات وأحاديث ، لكن يختلفان في الدركات كما يختلف المؤمنون الموفون في الدرجات في الجنة ،
قلت :[عن الآثار الإلاهية :الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأزيد ،والسيئة عندي بمثلها وأعفو].
نعم ، من فضل الله على عباده أنه جعل الحسنة تتضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ، والله يضاعف لمن يشاء ، والسيئة بمثلها ، أما قولك [وأعفو] ، فإن عفو الله عن مرتكب الكبيرة مقترن بشيء أساسي وهو التوبة ، لقول الله تعالى :{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى }- طه - ، فمغفرة اللهِ مُقترنة بالتوبة ، فيستحيل أن يغفر الله يوم القيامة لعبد أصر على معصية الله ولم يتب منها ، لذلك نجد الله تعالى يأمرنا أمرا ويقول :{وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } ، قرن الله الفلاح بالتوبة ، وقال أيضا :{ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} تكفير السيئات والدخول إلى الجنةأولا : بالإيمان العملي وليس بالإكتفاء بالشهادتين لفظا ، ثانيا : ليس التوبة فقط ، بل التوبة النصوح ، وهي أن يعزم العبد على عدم العودة إلى هذه المعصية أبدا، أما أن يتمادى الإنسان في المعاصي ، ثم يتكل على شفاعة الرسول ، فإنه تمسك بأمل زائف ، أو أن يقول : إن الله تعالى يقول : { ورحمتي وسعت كل شيء } ، لكن اللهَ يُعقب فيقول : {فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذين هم بئاياتنا يومنون ، الذين يتبعون الرسولَ النبيءَ الأميَ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويُحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إِصْرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولائك هم المفلحون } - الأعراف -
كفى تعاميا عن الحق ، إذا كنا ندعي الإسلام ، فإن دستور المسلم هو القرآن الكريم ، أما إذا اتبعنا أهواءنا وتمنينا على الله الأماني ، فإن ذلك ليس في صالحنا لا في الدنيا ولا في الآخرة وقد قال جل شأنه :{ أرأيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } – الفرقان - وقال أيضا : { أفرأيت من إتخذ إلاهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون }- الجاثية-
سابعا : قلت بأن هناك أحاديث كثيرة وصحيحة ،تؤكد أن الرسول سيشفع في العصاة ؟
إذا كان الرسول سيشفع في العصاة ، لماذا لم يشفع في خادمه الأمين الذي صاحبه في إحدى غزواته ، فأتاه سهم غرب فقتله ، فقال الصحابة هنيئا له الجنة ، فقال لهم الرسول : والله إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ؟ ، لماذا لم يشفع الرسول في المرأة التي تقوم اليل وتصوم النهار لكنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فقال عنها الرسول هي في النار ؟ ، لماذا لم يشفع الرسول في الصحابي الذي رآه الصحابة في المعركة كالأسد الهصور يقاتل المشركين وقد فعل فيهم الأفاعيل ، فقال لهم الرسول هو في النار , فاحتار الصحابة في أمره ، وعزموا على تتبعه ، إلى أن جن اليلُ بعد انتهاء المعركة وكان طريحا على الأرض ، مثخنَ الجراح ، فأخذ سيفه وغرزه في بطنه لما اشتد به الألم فمات ، فعلم الصحابة أن قتله لنفسه هو سبب حكم الرسول عليه أنه في النار ؟ ، وهذه الأحاديث صحيحة لا ينكرها أحد ،
ثامنا: قلت أن مسألة خلود العصاة في النار ، وعدم وجود شفاعة للعصاة يوم القيامة هو رأي الخوارج ، وأتيت بأحاديث تخبرنا عن هذه الفرقة الضالة ، وعليه ، فهم ضالون في رأيهم في هذه المسألة ،
هل هذا الكلام يكون دليلا على تصويب رأيك في هذه القضية ؟ لا ، بل لا يَمنع أن يكونوا صائبين في هذه المسألة ، لكن ضلالَهم نتيجة آراء أخرى غير هذه ، إذن إيرادك لهذه الأحاديث إذا سلمنا بصحتها ، ليس في محله ، بل يجب أن ننظر إلى القول لا إلى قائله ، فإذا كان صوابا قبلناه حتى وإن كان قائله مخالفا ،
تاسعا : من التناقض الذي نجده في صحيح البخاري وغيرُه :
ما زعموا ان الرسول عليه السلام قال هذا من جهة ، وبين قوله عليه السلام
،
... الخ ،
** كيف تفسر هذا التناقض يا دكتور ؟ ، وأنا عندما أقول هذا لا ألوم البخاري نفسه ، فهو قد أفضى إلى ما قدم ، ولكن اللوم هو على العلماء أمثالك الذين يأخذون الضلال ويبلغونه ، مكبلين عقولهم ،
** ألا نفهم من أنه يقول للمسلمين : حاربوا الله بكل أنواع المعاصي والكبائر من زنى وقتل ولواط وعقوق وسرقة وووو... ، إلا شيئاً واحدا وهو لا تشركوا بالله شيئا ، فأنا أضمن لكم الجنة ! !
وهل بعد هذا العبث عبث ؟؟؟ ، وللأسف الشديد ، إذا سألت عاصيا منغمسا في الكبائر وغارقا فيها ، مادمت مؤمنا وأن الله سيحاسبك على أعمالك ، فلماذا لا تتوب ؟، سوف يجيبك حتما ، بأن الرسول سيشفع فيه ! !
وأخيرا أيها الشيخ القرضاوي : إعلم جيدا أنك لن تنجوَ بين يدي الله إذا تكبرت على الحق ، وأنك مسؤول عن الملايين المُمَلْينة من المسلمين الذين يدينون بأقوالك ، فإذا أخذت بأيديهم إلى الحق نجوت وأنجيْت، أما إذا بقيت على رأيك بعدما تبين لك الحق ، فاعلم أن الحساب عسير، وأنك ستحاسب وحدك يوم القيامة بين يدي الله تعالى ، ولن ينفعك أحد إلا عملُك، لن ينفعك البخاري ولا مسلم ولا الشافعي ولا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحد غيرهم ، ممن تدين بأقوالهم ، لأن هؤلاء ليسوا معصومين من الخطإ ، وأقوالهم ليست تنزيلا من حكيم حميد ، فكل عالم مأخوذ من كلامه ومردود إلا صاحب الرسالة العصماء ، محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت قد وهبك الله عقلا لا لتُكبلَه ، بل لتفرق به بين الحق والباطل ، وبين الضلال والهدى ، وبين الغث والسمين ،
وفي الختام ، أذكرك بما كتبته في كتابك – الصحوة الإسلامية بين الإختلاف المشروع والتفرق المذموم - :
[يجب أن يتحرر المرء من التعصب لآراء الأشخاص ، وأقوال المذاهب ، لا يقيد الإنسان نفسه إلا بالدليل فإن لاح له الدليل ، بادر إلى الإنقياد له ، وإن كان ذلك على خلاف المذهب الذي يعتنقه، أو قول الإمام الذي يعظمه ، أو الطائفة التي ينتسب إليها ، فالحق أحق أن يتبع من قول زيد أو عَمر ، وما تعبدنا اللهُ بقول فلان أو علان من العلماء والأئمة ، إنما تعبدنا الله بما جاء في كتابه ، وما صح عن نبيه ]
[من التعصب المذموم ، التعصب للمذهب ، شأن غلاة المقلدين ، الذين يكادون يضفون على مذاهبهم العصمة ، وعلى أئمتهم القداسة ، وهم يبنون تعصبهم على دعائم غير مسلمة لهم]
[ ومع العلم المقطوع به ، أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ، ولم يوجب اللهُ ولا رسولُه ، اتباع زيد وعمر من الناس بأعيانهما ، وإن بلغا من العلم والفضل ما بلغا ]
[ قال الإمام عز الدين ابن عبد السلام : من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين ، يقف أحدهم على ضُعف ما أخذ إمامُه ، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يُقلده ، ويترك ما شهد به الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة ، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ، نضالا عن مقلده ]
[ من أخلاقيات التحرر من التعصب: أن ينظر إلى القول لا إلى قائله، وأن تكون لديه الشجاعة لنقد الذات ، والاعتراف بالخطأ ، والترحيب بالنقد من الآخرين ، وطلب النصح والتقويم منهم ، والاستفادة مما عند الآخرين من علم وحكمة ، والثناء على المخالف فيما أحسن فيه ، والدفاع عنه إذا اتهم بالباطل ، أو تطاول عليه أحد بغير حق ]
نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ، ويرزقنا إتباعه واتباع أهله ، وحبه وحب أهله ، وأن ُيلهمنا رشدنا ، ويهدينا إلى سواء السبيل،
كتبها الفقير إلى ربه ، ق. داوود، الذي فهم من الدين أنه النصيحة ،كما قال عليه أزكى الصلاة والتسليم ، فقام بما ظن أنه واجبه ، والله ولي التوفيق .
أرجوا منك تعقيبا على كلامي لأرى مدى إقتناعك من عدمه . – انتهى -

التعليقات