فيتنام تكشف التناقضات الأميركية والعراق يعريها

فيتنام تكشف التناقضات الأميركية والعراق يعريها

هل هناك ثمة تماثل بين حرب الرئيس ليندون جونسون في فيتنام وحرب الرئيس جورج دبليو بوش على العراق؟ الوقائع والدلائل تؤكد ان هناك تماثلاً واضحاً بين الحالتين محوره التناقض الصارخ بين الأسباب المعلنة للحربين والأهداف الحقيقية وراءهما، اضافة الى تشابه الممارسات الأميركية.

مات الجنود الأميركيون في فيتنام لأن الرؤساء كذبوا على الشعب الأميركي حول الحاجة للحرب. الجنود الاميركيون في العراق يموتون لأن الرئيس الاميركي كذب على الشعب الأميركي حول الحاجة للحرب.

في الحربين وضعت الادارة الأميركية فرضية كاذبة لتبرير التورط الأميركي ـ في فيتنام نظرية الدومينو التي شبهت دول شرق وجنوب شرق آسيا بقطع الدومينو والتي يؤدي سقوط واحدة منها الى سقوط المجموعة بأكملها، وفي العراق اسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع منظمات «ارهابية».

وفي البلدين، كان الافتراض ان القوة الاميركية المتفوقة ستحسم امر الاعداء بسرعة. في فيتنام وجهت الولايات المتحدة في نهاية المطاف سلاحها نحو الشعب الذي قالت انها اتت لتحريره، الشيء ذاته يحدث الآن في العراق.

في فيتنام طال أمد الحرب ـ بدأت عام 1961 بالمستشاريين الاميركيين وانتهت عام 1973، وقد قتل فيها 60 الف جندي اميركي، وبضعة ملايين من الفيتناميين. ترى كم سيطول أمد الحرب في العراق التي تم شنها والدفع باتجاه خوضها، بكذبة؟ الى متى تستمر حكومة الولايات المتحدة تقول لمواطنيها ان عليها تدمير بلد ما لانقاذه واشاعة الحرية والديمقراطية فيه وفي غياب أي مسوغ قانوني أو أخلاقي؟

وقف المد الشيوعي

التدخل الأميركي في فيتنام ليس أول تدخل لواشنطن في شئون الدول الأخرى، إلا أن ما نتج عن ذلك التدخل من هزيمة نكراء لحقت بالجيش الأميركي سيظل ماثلاً في الذاكرة الجمعية للشعب الأميركي. وتعود أسباب الصراع في فيتنام الى الحرب التحررية التي قادها الفيتناميون ضد الاستعمار الفرنسي والتي تواصلت خلال الفترة 1946 ـ 1954 وانتهز الثوار الفيتناميون هزيمة اليابان فاحتلوا هانوي عاصمة البلاد مرغمين الامبراطور الفيتنامي «باو داي» على التنحي عن الحكم، لكن فرنسا بادرت باستعادة مستعمرتها فيتنام نهاية عام 1945 مجهضة بذلك احلام الثوار في حكم بلادهم.

وفي يوليو 1954 تم التوقيع على اتفاق جنيف الذي ينهي الحرب بين فرنسا وفيتنام بحضور وفدي فيتنام وفرنسا ووفود اخرى من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية والولايات المتحدة، وكان من نتائج الاتفاق تقسيم فيتنام الى شطرين يفصل بينهما خط العرض 17، ورغم حضورهما في جنيف فإن الولايات المتحدة وحكومة سايغون الموالية لها لم توقعا على الاتفاق وفور رحيل فرنسا من فيتنام بدأت واشنطن تساعد حكومة سايغون عسكرياً بزعم وقف المد الشيوعي في المنطقة.

وفي اكتوبر 1954 منح الرئيس الاميركي ايزنهاور مساعدات مالية سخية لحكومة سايغون ظلت قيمتها في ازدياد مع الزمن، كما بدأ المستشارون العسكريون الاميركيون يتوافدون على فيتنام الجنوبية من أجل تدريب الجنود هناك.

وفي اكتوبر 1955 ظهرت أول حكومة منتخبة في سايغون، وكان أول قرار اتخذته هو الامتناع عن أي استفتاء من شأنه أن يؤدي الى اتحاد الشطرين الفيتناميين مبررة ذلك بعدم حرية السكان في الجزء الشمالي الذي ادعت انه يخضع لحكم الشيوعيين.



ظلت أميركا تساند حكومة سايغون مدعية حماية وتطوير النظام الديمقراطي ورافضة الوحدة بين شطري فيتنام، في حين كانت حكومة هانوي الشيوعية في شمال فيتنام مصممة على توحيد شطري البلاد.

وفي فبراير 1959 أسس الثوار الجنوبيون «فييت كونغ» أول منظمة، كما تم تأسيس جبهة التحرير الوطني، وهي الاطار السياسي والعسكري الذي سيتولى مهمة الحرب ضد أميركا وحكومة سايغون. وقد تأجج الصراع بين الشطرين وبلغ مداه حين أعلن الحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم في الشمال مساندة الثوار في الجنوب وامدادها بالعدة والعتاد.

وأعلنت الولايات المتحدة وقوفها خلف حكومة سايغون، وأعلن الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي مساعدة سايغون اقتصادياً وعسكرياً حتى تقوى على التصدي للمد الشيوعي فوصلت طلائع الجيش الأميركي الى فيتنام الجنوبية، وكانت في البداية 400 جندي، وفي السنة التالية (1962) بلغ عدد الجنود الأميركيين في فيتنام الجنوبية 11 ألف جندي.

وجدت أميركا ذريعة لشن حرب ضد فيتنام الشمالية حينما ادعت ان قوات جبهة التحرير الوطني هاجمت بعض قاذفاتها البحرية في خليج تونكيف، فما كان من الرئيس الاميركي جونسون إلا أن أصدر أمراً الى الطيران العسكري الأميركي بقصف المواقع الفيتنامية الشمالية كرد فعل لما أصاب القاذفات الأميركية.

ولم تترك أميركا أي وسيلة عسكرية إلا واستخدمتها في الضغط على هانوي، بدءاً بالتجميع القسري للسكان ومروراً بتصفية الثوار الشيوعيين الموجودين في الارياف الجنوبية واستعمال طائرات بي 52 لتدمير الغطاء النباتي، وانتهاء بتكثيف القصف للمدن والمواقع في فيتنام الشمالية واستخدام النابالم والاسلحة الاخرى المحرمة دولياً والتي لاتزال الآثار التي ألحقتها بمئات الآلاف من الفيتناميين باقية في الذاكرة.

ومع ما تكبدته أميركا من خسائر بشرية ومادية نتيجة لصمود وبسالة الفيتناميين، ظهرت في الشارع الاميركي دعوة الى انهاء الحرب، وتمثلت تلك الدعوة في المظاهرات العارمة التي عمت المدن الاميركية وفي الحملات الصحفية، وازدادت قوة المطالبة بايقاف الحرب عندما نشرت وسائل الإعلام الاميركية الممارسات البشعة واللاإنسانية التي عامل بها الجيش الأميركي المواطنين الفيتناميين.

ومن أشهر تلك المظاهر الوحشية إبادة الملازم الاميركي وليام كالي للمدنيين العزل في قرية لاي عام 1968 وصور النساء والاطفال الذين حول النابالم أجسادهم الى قطع متفحمة.

وتسجل حرب فيتنام سلسلة من الكفاح ضد الأميركيين لاقامة دولتهم الخاصة، كما تؤكد أن الولايات المتحدة كانت حمقاء لاستثمار قوتها العسكرية في فيتنام. ومع ذلك يحمد للإدارة الأميركية رفضها لاستخدام السلاح النووي رغم الضغوط الشديدة التي تعرضت لها.

وبرغم ذلك، فإن حرب فيتنام لم تكن مجرد هزيمة عسكرية أو نكبة على السمعة الأميركية، بل كانت بمثابة ضربة قاسية لقدرة الولايات المتحدة في المحافظة على هيمنتها على العالم كقوة عسكرية، اضافة الى انها فضحت الاكاذيب التي ساقها المؤيدون لتلك الحرب الشنيعة مثل وقف المد الشيوعي واشاعة الحرية والديمقراطية في تلك المنطقة من العالم والتي اعتمدت فيها على نظرية «الدومينو» التي أثبتت فشلها هي الاخرى.

المستنقع العراقي

وبعد مضي ثلاثين عاماً من حربها في فيتنام، دخلت الولايات المتحدة المستنقع العراقي من خلال حرب كان شعارها «ازالة أسلحة الدمار الشامل» ووقف تعاون نظام الحكم العراقي مع «الارهاب» ونشر الديمقراطية في عراق حر وجديد.

وبرغم الادعاءات الاميركية ومسوغات الحرب، إلا انه تكشف للعالم ان العراق خال من أسلحة الدمار الشامل، وألا علاقة له مع «الارهاب»، كما لم يتم «تحرير العراق» ولم يشهد العالم اقامة «عراق جديد»، بل وتكشفت الديمقراطية الأميركية في «أبشع» صورة لها بعد ان شاهد العالم عمليات التعذيب البشعة التي مارسها جنود الاحتلال على الأسرى العراقيين، وأصيب العالم بالدهشة من تلك الممارسات التي يقوم بها جنود الدولة التي تنادي باحترام حقوق الانسانية وسيادة القوانين والتشريعات الدولية الخاصة بأسرى الحرب.

إن أميركا وبعد أن احتلت العراق لم تمارس أي ديمقراطية حقيقية فيه، فقد استهلت عملها بتدمير كامل بنى الدولة العراقية، وليس اسقاط النظام فقط.

فالجيش وقوى الأمن جرى تسريح العاملين فيهما، والمؤسسات العامة تم نهب محتوياتها، وقام وكيلها في بغداد بتشكيل «مجلس الحكم» عن طريق من اعتبرهم ممثلي التكوينات الاجتماعية العراقية، واحتفظ لنفسه بحق الفيتو ضد أي قرار لا يقتنع به، وتم الغاء العلم العراقي فيما يشبه المحاكاة المفضوحة للعلم الصهيوني.

وعلى صعيد الأمن شهد العراق انفلاتاً أمنياً لم يشهده طوال تاريخه، وانهارت البنى التحتية لمختلف القطاعات بما في ذلك الصحة والتعليم، وانتشر الفقر والبطالة وسط العراقيين بالدرجة التي تحولت معها حياتهم الى جحيم.

ومن الواضح ان المستنقع العراقي الذي انزلقت اليه واشنطن لا يقف عند حدود الخسائر العسكرية الفادحة، ولا عند حدود عجز الادارة الأميركية عن ادارة البلاد والتعامل مع المجتمع العراقي والقوى السياسية والفشل في تطبيق الخطط المعدة سلفاً حول تعمير العراق، بل وتكشفت ضحالة هذه الخطط، ولم يقف المأزق عند حدود «الجنود المرتزقة» الذين استأجرهم القادة العسكريون الأميركيون في قمع المقاومة أو عند حدود فضائح عقود شركات الإعمار وارتباطها بكبار المسئولين الأميركيين.

ولم تكتف واشنطن بكل ما سبق من اخفاقات وفشل، بل أضافت الى سجلها العامر بالبشاعة الفضائح التي تكشفت مؤخراً في سجن أبو غريب والتي حاولت التبرؤ منها، لكن التحقيقات مع الجنود المتهمين بارتكاب تلك الفظاعات بدأت تكشف عن أن هذه الممارسات ارتكبت وفق ترتيب عالي المستوى واستناداً الى عقيدة أميركية مناهضة للعرب والمسلمين.

وما يدلل على تراتبية تلك الممارسات اللاإنسانية التي ارتكبت ضد أبناء العراق، رجالاً ونساء أن الصور التي وقف العالم أمامها مذهولاً تؤكد ما يلي:

ـ إن القناة التي بثتها حصلت عليها من البنتاغون ويعود تاريخ التقاطها الى نهاية عام 2003، مما يؤكد أن القيادة الأميركية لم تحرك ساكنا طوال تلك المدة.

ـ إن البيت الأبيض طلب من الصحافة المقروءة مراعاة النشر في أضيق حدود ممكنة بدون أي اثارة صحفية.

ـ إدارة البيت الابيض وقيادات الحزب الجمهوري عملوا على عدم توسيع دائرة نشر الصور وتداولها، أي العمل على تجاوز الخبر/الصدمة بسرعة حتى لا يؤثر على الناخبين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ـ الإدارة السياسية التزمت الصمت طوال هذه المدة اتساقاً مع فهم هذه الإدارة ونظرتها للشعوب المستهدفة بالغزو.

إن هناك الكثير الذي يجمع بين حرب أميركا في فيتنام وحربها في العراق، ويتجلى هذا في حيرة الشعب الأميركي تجاه مغزى هاتين الحربين. فلقد ادعت إدارة بوش قبل اندلاع الحرب العراقية بحوزة العراق على أسلحة محرمة ووجود علاقات بين صدام حسين وتنظيم القاعدة،

فكان لابد لواشنطن أن تستخدم القوة لإزالة هذه التهديدات الأمنية. ولكن الحقائق الموضوعية أثبتت بطلان الحجتين السابقتين، فراحت الإدارة الأميركية تسوق رؤية اخرى مفادها ان أميركا في حاجة الى «نشر الديمقراطية» في العراق بغية تهيئة ظروف ملائمة للتنمية الاقتصادية، وبناء عراق موحد لا يدعم «الارهاب» ولا يشكل أي تهديد للسلام العالمي.

إلا أن تفاقم الأوضاع في العراق يدفع المرء للتساؤل حول الكيفية التي تستطيع بها إدارة بوش تحقيق هذه الأهداف، خاصة وان الموقف الأميركي ينتقل من تناقض الى آخر إن اتساع مقارنة الحرب في فيتنام بحرب العراق يقلق إدارة جورج دبليو بوش بشكل مخيف.

ويكفي هنا أن نشير إلى رد فعل الادارة الأميركية على تصريح النائب الديمقراطي ادوارد كنيدي الذي قال فيه: «العراق فيتنام عهد بوش» حيث انبرى نواب الحزب الجمهوري لشن هجوم ضده، وخرج كولن باول ليذكره بـ «اننا الآن في حرب».

وعلى الرغم من أن هذا التشبيه ليس في محله، إلا أن ممارسات واشنطن في فيتنام والعراق تكشف عن تناقضات عديدة.

إن على الإدارة الأميركية أن تستخلص العبر من حرب فيتنام، صحيح ان الشعب الأميركي يخلص في السير وراء الرئيس الذي هو في الوقت نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة شريطة أن يكونوا على بينة وثقة بأهمية ما يتخذه من تدابير وتحركات. أما إدارة بوش الحالية القائمة على تغيير الاقنعة واللغة والأهداف تكاد لا تقوم إلا على دعوة الشعب الأميركي بالتحلي بالثبات والعزيمة القوية.

ومع الاعتراف بأن مثل هذه الارادة جديرة بالاحترام والتقدير، إلا أن الثبات فقط بمعنى الثبات دون هدف قد يصبح صلفاً طائشاً.

ويقول روبرت أوكلي الدبلوماسي الأميركي الأسبق في سايغون خلال حرب فيتنام: «إن الرئيس جونسون كان مستسلماً لأوهامه في نشر الديمقراطية في فيتنام الجنوبية، كما يرى روبرت ان ممارسات ادارة بوش الحالية في العراق شبيهة جداً بما فعله جونسون آنذاك، فمن الأرجح أن ينتهي الرئيس بوش الى النتيجة نفسها التي انتهى اليها الرئيس جونسون، وهي استمرار التورط الأميركي وبقاء الجنود الأميركيين أهدافاً للضرب والهجمات».

وكل ذلك ليس إلا نتيجة لكذبة أطلقها جونسون وأخرى أطلقها بوش وكما يقول المثل العربي «حبل الكذب قصير» ولعل هذا ما يشفع للإدارة الأميركية باتخاذ كل هذه المواقف المتناقضة.

قراءات:

الأميركان تقشعر أبدانهم «صحيفة دنيا الوطن»

العراق وفيتنام حربان والمستنقع واحد «بول كروغمان»



درس عملي في الديمقراطية الأميركية «وجهات نظر»



سجن أبو غريب يعمق مأزق الاحتلال «محمد سليمان»



في أبو غريب عريت مبادرة الاصلاح الأميركية «عوني فرسخ»

*المصدر: صحيفة البيان الاماراتية

التعليقات