التوتر بين أنقرة وتل أبيب سببه التوغل الإسرائيلي في المناطق الكردية وليس اغتيال قادة حماس

التوتر بين أنقرة وتل أبيب سببه التوغل الإسرائيلي في المناطق الكردية وليس اغتيال قادة حماس

غزة-دنيا الوطن

نقلت مجلة «نيويوركر» الاميركية عن مسؤولين في الاستخبارات الاميركية ان التوغل الاسرائيلي في كردستان العراقية عبر زرع عملاء بالاستخبارات الاسرائيلية «الموساد»، ادى الى توتر بالغ في العلاقات التركية ـالاسرائيلية عكس نفسه فى الانتقادات الشديدة العلنية التي وجهها كبار المسؤولين الاتراك للسياسة الاسرائيلية في الشرق الاوسط، كلما حلت مناسبة لتوجيه انتقادات علنية. ووفقا لمسؤول تركي بارز فان وزير الخارجية التركي عبد الله غول وصف في اجتماع مغلق للحكومة التركية السياسات الاسرائيلية فى كردستان العراق بأنها لا تترك لأنقرة خيارات تذكر بين «بقاء الدولة وتحالفها مع اسرائيل».

وكان غول قد اعلن فى 26 مايو (أيار) الماضي ان بلاده سحبت سفيرها من تل ابيب احتجاجا على اغتيال اسرائيل لعدد من قادة حركة المقاومة الاسلامية «حماس»، كما قال ان انقرة قررت تعزيز علاقاتها مع السلطة الوطنية الفلسطينية. وبحسب مسؤول الاستخبارات الاميركية فان التوتر التركي ـ الاسرائيلي لم يكن على خلفية السياسة الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بل بسبب الدور الذي تلعبه اسرائيل في كردستان العراقية، والذي يهدف الى الحد من الخسائر الاستراتيجية المحتملة لتل ابيب في حال فشل الولايات المتحدة في احلال الاستقرار والديمقراطية في العراق.

وكما جاء في تقرير لسيمور هيرش فى مجلة «نيويوركر» الاميركية التي صدرت اول من امس، فقد قال مسؤول اميركي بارز التقاه هيرش ان الاتراك ابلغوا الاسرائيليين ساعتها ان المسألة الكردية شديدة الحساسية بالنسبة لأنقرة وانه من غير الممكن التلاعب بها، خاصة ان تركيا لا تعلم ما الذي يمكن ان يؤدي اليه تعزيز اكراد كردستان وتدريبهم استعدادا لأي مواجهات مستقبلية محتملة مع الشيعة. وقال المسؤول الاميركي ان الاتراك اشاروا الى ان خروج الامور عن السيطرة يمكن ان يؤدي الى دفع اكراد العراق الى السعي للانفصال، وهو السيناريو الذي يثير مخاوف اصيلة في انقرة تحسبا لاعادة تأجيج النزعة الانفصالية لأكراد تركيا. وذكر مسؤول تركي كبير «الاسرائيليون كانوا ناشطين في كردستان العراق قبل الحرب، واصبحوا ناشطين اكثر الآن، ان هذا خطير جدا بالنسبة لهم ولنا». وتابع «نحن لا نريد ان نرى عراقا مقسما، ولن نتجاهل ذلك»، ثم اختتم بمثل تركي قديم يقول «سوف نحرق الغطاء لقتل البعوضة». فيما قال مسؤول آخر بلهجة اشد «رسالتنا لاصدقائنا الاسرائيليين والأكراد هي ان نوايا تركيا الطيبة مع وحدة الاراضي، ولن نساند خيارا آخر».

ومن ناحيته، قال مسؤول آخر سابق بالاستخبارات الاميركية ان «علاقات اسرائيل مع اكراد العراق اهم لديها من تحالفها المتزايد مع تركيا»، فيما اوضح المسؤول الاسرائيلي «نحن نحب تركيا، لكن يجب ابقاء الضغوط على ايران». وفي مطلع يونيو (حزيران) الجاري، ذكرت مذكرة سرية تم تداولها بين مسؤولي الاستخبارات الاميركية الكبار، صدرت عن اثنين من عملاء «سي آي إيه» في مطلع التسعينات بعد حرب الخليج الاولى ومنع الطيران العراقي من التحليق فوق شمال وجنوب العراق «ان مصادر تركية ذكرت ان مسؤولين اتراكا اعربوا عن قلقهم من تزايد نفوذ تل ابيب في كردستان العراقية، والانباء عن دعمها طموح الاكراد هناك لتكوين دولة مستقلة»، واضافت المذكرة ان «الاتراك لاحظوا ان اعدادا كبيرة من عناصر الاستخبارات الاسرائيلية تعمل في شمال العراق ضد مصالح سورية وايران، وتتضمن هذه النشاطات مساعدة الاكراد الايرانيين والاكراد السوريين الذين يعارضون حكوماتهم المحلية». وذكر هيرش انه طبقا للخطة الاسرائيلية للتوغل فى كردستان العراق والتي اطلق عليها الموساد اسم «الخطة ب»، فان تل ابيب يجب ان توطد علاقاتها القوية اصلا مع اكراد العراق، للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة اذا تدهورت الاوضاع الميدانية في العراق وفشلت واشنطن في تأمين مصالحها والمصالح الاسرائيلية. وتقضي الخطة التي وضعتها الحكومة الاسرائيلية برئاسة ارييل شارون، بتوسيع النفوذ الاسرائيلي في كردستان العراق عبر تدريب قادة الفصائل الكردية وفرق كوماندوس كردية تكون جاهزة للتدخل ضد شيعة العراق لمنعهم من تكوين دولة دينية على غرار ايران، لضمان حفاظ تل ابيب علي مصالحها الاستراتيجية، خاصة ان اطاحة الرئيس العراقي صدام حسين ادت الى تعزيز الوضع الاستراتيجي لإيران التي تعتبرها تل ابيب القوى الاقليمية الاساسية المعادية لها. وذكر هيرش ان اكراد العراق انتابهم غضب عارم ضد الولايات المتحدة عندما صدر مطلع الشهر الجاري قرار الامم المتحدة بشأن نقل السيادة للعراقيين، لان الدستور المؤقت لم يمنح الاكراد حق النقض (الفيتو) على الدستور الدائم. وطبقا لهيرش فان قادة اكراد العراق حذروا الرئيس الاميركي جورج بوش في خطاب من انهم لن يشاركوا في اي حكومة شيعية تحكم العراق ما لم يضمنوا حقوقهم تحت الدستور، مشيرين في خطابهم لبوش الى ان «الشعب الكردي لن يقبل وضع المواطنة من الدرجة الثانية». وذكر ان الاكراد يرون في الاسرائيليين «المؤيد البديل» في حال عدم وفاء واشنطن بتطلعات الاكراد. وذكر هيرش ان هناك مخاوف من ان يقوم الاكراد بالسيطرة على مدينة كركوك اذا لم يتم التوافق على الدستور الدائم، وهو ما ينذر بحرب اهلية في العراق. وبحسب مسؤول الماني بارز، فان المشكلة هي ان هناك اجنحة داخل ادارة الرئيس الاميركي لا تمانع في استقلال كردستان العراق، ومن بين هذه الاجنحة تيار نائب وزير الدفاع الاميركي بول وولفويتز، غير ان المسؤول الالماني يرى ان هذا سيكون خطأ بالغا وبمثابة خلق «اسرائيل جديدة» في المنطقة المتوترة اصلا، مشيرا بشكل خاص الى ان هذا السيناريو يهدد امن ايران وتركيا وسورية، وقد يؤدي الى اندلاع حرب. ويقول هيرش ان الوجود الاستخباراتي الاسرائيلي فى كردستان يهدف الى كبح جماح الايرانيين في العراق، عبر الحد من نفوذ المسؤولين الذين تدعمهم طهران مثل الزعيم الشيعي مقتدى الصدر. ووفقا لمسؤول في «سي آي إيه»، فان هدف الصدر هو تقويض عمل الولايات المتحدة في العراق لصالح النفوذ الايراني والشيعي عموما، وهو ما تحاول اسرائيل التصدي له عبر تقوية الاكراد كي يتصدوا لهذه المحاولات. وقال مسؤول آخر بالاستخبارات الاميركية ان هدف اسرائيل بعد تسليم السيادة للعراقيين في 30 يونيو (حزيران) الجاري هو انشاء وحدات عسكرية كردية لتوازي الميليشيات الشيعية «خاصة تلك التي تعادي المخططات الاسرائيلية في كردستان». وقد اعترف مسؤول سابق بالموساد ان اسرائيل تقوم منذ صيف العام الماضي بتدريب وحدات عسكرية كردية «للقيام بما لم تستطع الولايات المتحدة القيام به، وهو جمع المعلومات الاستخباراتية وقتل القادة الشيعة او السنة المسؤولين عن التفجيرات» المنتشرة في العراق، وذكر هيرش ان المسؤول لم يذكر له ما اذا كان اي من هذه المهام قد تم تنفيذه. وقال هيرش ان المسؤول الاسرائيلي ابلغه ان عناصر من الموساد عبرت مع عدد من الاكراد الى الحدود مع ايران، حيث قاموا بزرع اجهزة تجسس ولواقط حساسة في محيط منشآت نووية ايرانية.

ومن ناحيته، ذكر المسؤول الاستخباراتي الالماني ان نشاطات عناصر الموساد تمتد الى سورية، حيث يتم جمع معلومات استخباراتية وغير ذلك من الانشطة. وكان مسؤولون سوريون ولبنانيون قد اتهموا اسرائيل بإثارة الاضطرابات وأعمال العنف التي شهدتها مناطق كردية في سورية خلال مارس (آذار) الماضي والتي اسفرت عن مقتل نحو ثلاثين شخصا في اعقاب المواجهات بين الاكراد وقوات الامن السورية، وكانت المناطق الكردية التي شهدت الاضطرابات تقع على حدود المناطق الكردية في العراق وتركيا. وقال هيرش ان الترتيبات الاسرائيلية في كردستان العراق يمكن ان تؤدي الى تغيير ترتيبات التحالفات في المنطقة، مشيرا بصفة خاصة الى ان سيناريو دولة كردية مستقلة سيوجه ضربة شديدة للعلاقات التركية ـ الاسرائيلية، وفي المقابل ستعزز المخاطر التي تشكلها اسرائيل في كردستان العراق على التعاون التركي ـ السوري ـ الايراني، وهي دول كثيرا ما جمعتها علاقات متوترة، خاصة تركيا وسورية اللتين كانتا على وشك حرب في نهاية التسعينات على خلفية ايواء سورية لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان، ولم يتم السيطرة على الازمة الا عندما قررت دمشق طرد اوجلان الى خارج اراضيها.

التعليقات