وثائق ومقابلات: الاحتلال الامريكي فشل في تحقيق الكثير من أهدافه
وثائق ومقابلات: الاحتلال الامريكي فشل في تحقيق الكثير من أهدافه
غزة-دنيا الوطن
تشير المقابلات المطولة والتفصيلية التي أجريت مع مسؤولين أميركيين وعراقيين، كما يؤكد البحث في الوثائق الداخلية الخاصة بسلطة التحالف في العراق، إلى ان الاحتلال الأميركي للعراق الذي سينتهي رسميا نهاية هذا الشهر، قد فشل في تحقيق الكثير من أهدافه، ووعوده بنقل البلاد إلى ديمقراطية مستقرة. وقد تعثر هذا المشروع الطموح بعد 15 شهرا من بدايته بسبب مسلسل من الأخطاء بدأت بتخصيص موارد لم تكن كافية، وتفاقمت نتيجة لعدم التفهم العميق للمسرح السياسي العراقي، وللتركيبة الدينية العراقية وللمجتمع العراقي بصفة عامة. وقال لاري دياموند، المحاضر بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد الذي عمل مستشارا لسلطة التحالف « فشلنا فشلا ذريعا في فهم الوضع بصورة صحيحة. وعندما تنظر إلى سجل أعمالنا لا يمكن أن تتجاهل حقيقة أننا أهدرنا فرصة لا سابق لها».
وإذا نظرنا إلى الاحتلال من زاوية بغداد، ومنذ أبريل (نيسان) 2003، نجده قد تحول من مشاركة متفائلة بين الأميركيين والعراقيين، إلى علاقة مزقها الإحباط والغضب. فالخبراء الأميركيون العاملون في إعادة الاعمار يتحدثون عن جحود العراقيين، وصار سكان أحد الأحياء البغدادية الذين استقبلوا القوات الأميركية بعصير البرتقال المثلج، يرسلون الآن صيحات الاستنكار عندما تمر الآليات الأميركية. وقبل عدة اسابيع كان عدد من شباب المنطقة يرقصون على حطام «همفي» أميركية عطلتها قنبلة ألقيت على قارعة الطريق، قبل أن يشعلوا فيها النيران.
ومن عدة وجوه أدى الاحتلال إلى تحولات في صفوف الغزاة وليس المغزوين. فما زال العراقيون قادرين على تحمل انقطاعات التيار الكهربائي وصفوف البنزين الطويلة ومعدلات البطالة العالية والمستقبل السياسي المجهول، والذي بدأ عندما تدافعت الدبابات الأميركية لتحتل شوارع بغداد. ولكن المسؤولين الأميركيين الذين كانوا يتجولون في كل أنحاء البلاد، ليشاركوا العراقيين في إعادة البناء، من مواقع شعورهم بأداء الرسالة، يواجهون الآن أخطارا قاتلة جعلتهم يعتصمون ببناياتهم العالية المحاطة بالأسلاك الشائكة. أما العراقيون الذي يأتون لمقابلتهم فعليهم أن يبرزوا وثيقتين ثبوتيتين وان يخضعوا للتفتيش ثلاث مرات.
وتذكر سلطة التحالف الانتقالية، وهي الجهة التي عهدت لها الولايات المتحدة بإدارة العراق، عدة نجاحات تحققت أثناء فترة حكمها. فقد تم ترميم حوالي 2500 مدرسة، و3 ملايين طفل لقحوا ضد الأمراض، ووزعت على اصحاب الأعمال الصغيرة حوالي 5 ملايين دولار من القروض، وطبعت 8 ملايين نسخة من الكتب المدرسية. وتقول سلطة التحالف ان عملة جديدة صدرت محل العملة التي كانت تحمل صورة الرئيس السابق صدام حسين. وكونت المجالس المحلية في كل مدينة وإقليم. وتعد الحكومة الانتقالية الوطنية بإجراء انتخابات عامة في يناير المقبل. ومع ذلك فإن سلطة التحالف قد فشلت في تحقيق أهدافها في كثير من المواقع التي يمكن حسابها كميا.
وقال بريمر انه عندما وصل إلى بغداد في 12 مايو (أيار) 2003، اصابته الصدمة لما رآه. فقوات الشرطة لم تكن تمارس نشاطها. ولم تكن تعمل محطتا توليد الكهرباء المتهالكتان. ومنشآت الحكومة المحلية كانت آيلة إلى السقوط. ولم يكن العراقيون الذين عادوا إلى العراق لإدارة البلاد على استعداد لاقتسام السلطة مع أولئك الذين عانوا تحت حكم صدام، وقاوموه من الداخل. ونسبة لغياب أي تهديد بانفجار العنف وقتها، شرع بريمر وموظفوه في محاولة إعادة بناء العراق من القاعدة فما فوق، مركزين على الحلول البعيدة المدى بدلا من الحلول السريعة والقصيرة المدى. وأعلنوا أن على العراقيين أن يعبروا سلسلة من معالم الطريق قبل أن تعيد الولايات المتحدة إليهم سيادتهم.
وبدلا من إعادة الجيش العراقي حاولت قوات الاحتلال أن تبني قوة دفاعية جديدة من الصفر. وقد وجه بريمر مساعديه لإعادة بناء الوزارات العراقية. وكان يميل إلى الإصلاحات الاقتصادية وفق قوانين السوق الحر. وللدلالة على التخلص من إرث الماضي، وجه بريمر بعدم السماح لكثير من أعضاء حزب البعث التابع لصدام حسين بالاشتراك في الحكومة.
وقال كثير من المسؤولين الحاليين والسابقين بسلطة التحالف الانتقالية، ان كثيرا من القرارات التي اتخذها بريمر كانت تعبر عن رؤية خيالية لا علاقة لها بالواقع العراقي، كما أنها تعبر عن الشعور بالامتياز الذي يحسه المنتصر. ويقول المعارضون داخل سلطة التحالف نفسها ان بريمر ارتكب أخطاء كبيرة عندما حاول تنفيذ أجندة إصلاح اقتصادي محافظة، خاصة في مجال تخفيض الضرائب وفرض قوانين التجارة الحرة بدلا من التركيز على توفير الخدمات الضرورية. وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية قضى عدة أشهر عاملا في سلطة التحالف «كانت هناك هذه الفكرة المتعالية القائلة اننا يمكن أن نخلق من العراق أمة نموذجية، أن نجعله نموذجا للديمقراطية، بدستور مثالي، واقتصاد مثالي وقوات مسلحة مثالية. ولم يكن كل ذلك سوى نوع من السذاجة».
* حسابات اقتصادية خاطئة
* كان من المفترض أن تكون محطة كهرباء الدورة، على سبيل المثال، نموذجا للجهود الأميركية في مجال إعادة بناء العراق. وكانت هذه المحطة قد تعرضت لقصف في حرب 1991 وتم إهمالها من قبل حكومة صدام حسين وهذا ما جعل قدرة المحطة محدودة بربع قدرتها الأصلية، وأدى ذلك إلى فترات أطول من انقطاع الكهرباء في العاصمة.
وبعد أن قام اختصاصيو سلطة التحالف بجولة في هذا المرفق المتهالك في الصيف الماضي أعلنوا عن تصميمهم الكامل على إعادة الحياة لها. وتم استئجار شركتين روسية وألمانية للقيام بإصلاحها وكان على رأس قائمة الأولويات بالنسبة للمشاريع المذمع تنفيذها الوصول إلى إنتاج طاقة كهربائية إلى 6000 ميغاواط على صعيد الوطن ككل. وكان بريمر يأمل أن يؤدي إنتاج طاقة كهربائية أكثر إلى تحسين الاقتصاد والحياة اليومية إلى الدرجة التي تقلص من العنف وتحقق استقرارا أكبر للعراق.
واليوم أصبحت محطة الدورة عن حق نموذجا للكيفية التي فشلت وفقها المساعي الأميركية للوصول إلى أهدافها. فالألمان قد هربوا سعيا وراء نجاتهم في أبريل الماضي، أما الروس فقد غادروا في نهاية مايو الماضي بعد أن قتل زميلان لهم على يد المتمردين حينما اقتربا بعربة صغيرة من محطة الدورة.
وفي داخل المحطة هناك قطع غيار ملقاة على الأرض بانتظار نصبها. ويتسكع التقنيون العراقيون في ثياب عملهم الزرقاء وهم يدخنون بانتظار من يوجههم لتنفيذ شد المعدات الجديدة. وفي حجرة التوربين (المحرك) خُط على أحد جدرانها شعار «تعيش المقاومة».
كانت نية إدارة سلطة التحالف أن تنتج محطة الدورة أكثر من 500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية عند حلول الأول من يونيو الحالي. لكن أفضل ما تمكنت من تحقيقه هو 100 ميغاواط وهذا يساوي نصف ما أنتجته في الصيف الماضي.
وقال بشير خلف «كان مفترضا أن نكون قد حسنا الإنتاجية لكننا جعلناها أسوأ».
* حسابات أمنية خاطئة
* حينما هاجم رجال الميليشيا المعادون لقوات التحالف مركز شرطة الرافدين يوم 4 أبريل بادر الضباط الموجودون داخل المبنى بدلا من المواجهة إلى جمع مقتنياتهم والهرب إلى بيوتهم. كان رجال الميليشيا أعضاء في «جيش المهدي» وهي قوة غير مدربة بشكل جيد لكنها مزودة بسلاح جيد وهي تحت سلطة رجل الدين المتشدد مقتدى الصدر الذي تعتبره إدارة سلطات التحالف خارجا عن القانون. وبادر أتباع الصدر بعد أن قامت وحدة أميركية بإغلاق صحيفته واعتقال بعض من مساعديه باحتلال مبان حكومية في عدة مدن دينية تقع إلى جنوب بغداد وفي مدينة الصدر وهي حي فقير يقع في العاصمة نفسها.
ولم يلق رجال الميليشيا أي مقاومة. ومركز شرطة الرافدين يقع في وسط مدينة الصدر وهو لم يكن حالة استثنائية. قال العريف فلاح حسن «إطلاق النار على أولئك الناس خطأ. إذا جاء رجل ما بمبادئ وهذه المبادئ أنا أؤمن بها فعند ذلك لن أطلق النار عليه».
وأدهش انهيار وحدات الشرطة والدفاع المدني أمام هجوم أتباع الصدر مسؤولي إدارة سلطات التحالف، إذ ظنوا أن أفراد هذه الوحدات سيقاتلون. وبعد عدة أيام لاحقة استغرب هؤلاء المسؤولون حينما تمردت كتيبة من الجيش العراقي الجديد بدلا من إطاعة الأوامر والمشاركة في القتال ضد المتمردين في مدينة الفلوجة.
على أثر ذلك استنتج بريمر ومسؤولون آخرون في إدارة سلطات التحالف أن عملية تأسيس قوات الأمن العراقية تمر بأزمة كبيرة. وجاء توظيف أكبر عدد ممكن من رجال الشرطة السابقين حتى بدون تدريب لطمأنة العراقيين من خلال وضع ضباط شرطة أكثر في الشوارع. لكن ذلك أدى إلى وضع آلاف من الرجال غير المدربين بشكل جيد وبعضهم لهم أواصر بالتمرد ضمن وحدات الأمن. ولم تكن إدارة سلطات التحالف قد أدركت خطأها حتى وقع تمرد الصدر.
قال دوغلاس براند آمر الشرطة البريطاني الذي عمل كمستشار لدى إدارة سلطات التحالف «كانت الكمية قبل النوعية. نحن قبلنا بالكثير من الأشخاص الذين لا يلبون شروطنا ثم وضعهم ضمن قوة الشرطة».
فمن بين التسعين ألف شرطي العاملين حاليا هناك 62 ألف منهم لم يتلق أي تدريب.
* حسابات سياسية خاطئة
* منذ بدء الاحتلال كان هناك تحد للجهود الأميركية الهادفة إلى تغيير النظام السياسي العراقي من قبل زعيم شيعي آخر هو آية الله العظمى علي السيستاني الذي يعد أكثر تأهيلا من الناحية الدينية من الصدر. وأدى عجز إدارة سلطات التحالف عن التعامل معه إلى تقديم سلسلة من التنازلات التي ستؤثر على العراق بعد مغادرة بريمر بفترة طويلة.
وظل السيستاني الذي هو الآن في السبعينات من عمره يعيش في عزلة منذ ستة أعوام داخل مدينة النجف مع أتباع له يبلغ عددهم بالملايين وهو يعتبر الزعيم الأكثر نفوذا بين العراقيين الشيعة الذي يشكلون أكثرية المجتمع. ويسعى كل السياسيين الشيعة عدم القيام بعمل يجعله على خلاف مع السيستاني.
يمكن اعتبار موقف السيستاني مباشرا: العراقيون لا الأميركيون هم الذين يقررون مستقبل العراق السياسي. ففي يونيو 2003 أصدر فتوى دعا فيها إلى كتابة الدستور من قبل نواب منتخَبين وهذا طلب يتعارض مع خطة إدارة بوش السياسية في نقل السلطة للعراقيين.
* العزلة عن بقية العراق
* لا تحمل الحياة داخل المنطقة الخضراء التي تخضع لاجراءات امنية مشددة، وهي المنطقة التي يسميها بعض العاملين في سلطة الائتلاف المؤقتة مازحين ايميرالد سيتي، أوجه شبه كبيرة بالحياة في بقية مناطق بغداد. فالكهرباء متوفرة على الدوام. وهناك باصات حديثة تتوفر في مقاعدها أحزمة للمسافرين. وتبقى المقاهي مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل.
وليس هناك جهد كبير للخضوع للتقاليد الاسلامية. فالبيرة تتوفر بيسر في المطاعم. والنساء يتمشين بالسراويل القصيرة. ويوجد لحم الخنزير على قوائم الطعام الذي توفره سلطة التحالف المؤقتة.
وقال أميركي عراقي يتمتع بموقع كبير في سلطة التحالف المؤقتة ويعيش في المنطقة الخضراء ولكنه يغامر بصورة متكررة في الخروج لرؤية الأقرباء «انه مكان يشبه كوكبا آخر. انه مقطوع من العراق الحقيقي».
وبسبب ان السيارات من طراز جي إم سي التي يستخدمها العاملون في سلطة التحالف المؤقتة والمتعاقدون الأجانب باتت هدفا مفضلا لدى المتمردين، فان التحرك خارج المنطقة الخضراء، الى المنطقة الحمراء التي تعني بقية مناطق العراق، يتطلب عربات مدرعة وحرسا مرافقين مسلحين وهو أمر مقصور على كبار المسؤولين. أما العاملون من المراتب الأدنى فيجب عليهم البقاء داخل المجمع أو التسلل بدون تفاصيل أمنية.
وعلى الرغم من أن سلطة التحالف حاولت جلب العراقيين الى مقراتها لغرض الاجتماعات وأحداث أخرى، حيث كانت هناك أيضا «أمسية ثقافية عراقية» في المنطقة الخضراء، فان العجز عن الاختلاط مع العراقيين قد عزل الأميركيين. وقال كبير مستشاري بريمر «نحن لا نعرف الخارج. كم منا أولئك الذين خرجوا لشراء قنينة حليب أو زوج من الجوارب»؟
وبدلا من اقامة الصلات في الفعاليات الاجتماعية في المدينة، فان العاملين في سلطة التحالف يتناولون المشروبات في حانتهم المؤثثة بمقاعد الخيزران في المنطقة الخضراء. وبدلا من التجوال في الأسواق المحلية يذهب العاملون في سلطة التحالف الى السوق التجاري في المنطقة الخضراء، حيث المنتجات الأكثر شيوعا هي تذكارات صدام حسين.
وجعلت الصلة المحدودة مع العراقيين خارج المنطقة الخضراء مسؤولي التحالف يعتمدون على آراء أولئك الذين اختارهم بريمر للعمل في مجلس الحكم. وعندما طلب مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الابراهيمي معلومات تفصيلية من سلطة التحالف حول عدد من العراقيين ممن كان يدرس امكانية منحهم مناصب في الحكومة المؤقتة، أبلغ مساعديه انه «شعر بالصدمة لاكتشافه شحة المعلومات التي كانوا يمتلكونها في الواقع» وفقا لما قاله احد المسؤولين الذين كانوا حاضرين في اللقاء.
وحتى داخل مكتب الاتصالات كان هناك احساس بأن الاحتلال لم يسر وفق ما كان يأمله الجميع. وقال احد العاملين «انه وقت الاستبطان».
وفي مكان آخر من القصر نشهد احساسا اكبر بالندم. وقال المستشار الكبير لبريمر انه شعر بـ«ضياع الفرصة». واضاف «كان طموحنا كبيرا. كنا نحمل أشياء كبيرة في أذهاننا من أجلهم. واعتقدنا ان بوسعنا القيام بذلك. ولكننا لم نستطع الوفاء بوعودنا».
* واشنطن بوست
غزة-دنيا الوطن
تشير المقابلات المطولة والتفصيلية التي أجريت مع مسؤولين أميركيين وعراقيين، كما يؤكد البحث في الوثائق الداخلية الخاصة بسلطة التحالف في العراق، إلى ان الاحتلال الأميركي للعراق الذي سينتهي رسميا نهاية هذا الشهر، قد فشل في تحقيق الكثير من أهدافه، ووعوده بنقل البلاد إلى ديمقراطية مستقرة. وقد تعثر هذا المشروع الطموح بعد 15 شهرا من بدايته بسبب مسلسل من الأخطاء بدأت بتخصيص موارد لم تكن كافية، وتفاقمت نتيجة لعدم التفهم العميق للمسرح السياسي العراقي، وللتركيبة الدينية العراقية وللمجتمع العراقي بصفة عامة. وقال لاري دياموند، المحاضر بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد الذي عمل مستشارا لسلطة التحالف « فشلنا فشلا ذريعا في فهم الوضع بصورة صحيحة. وعندما تنظر إلى سجل أعمالنا لا يمكن أن تتجاهل حقيقة أننا أهدرنا فرصة لا سابق لها».
وإذا نظرنا إلى الاحتلال من زاوية بغداد، ومنذ أبريل (نيسان) 2003، نجده قد تحول من مشاركة متفائلة بين الأميركيين والعراقيين، إلى علاقة مزقها الإحباط والغضب. فالخبراء الأميركيون العاملون في إعادة الاعمار يتحدثون عن جحود العراقيين، وصار سكان أحد الأحياء البغدادية الذين استقبلوا القوات الأميركية بعصير البرتقال المثلج، يرسلون الآن صيحات الاستنكار عندما تمر الآليات الأميركية. وقبل عدة اسابيع كان عدد من شباب المنطقة يرقصون على حطام «همفي» أميركية عطلتها قنبلة ألقيت على قارعة الطريق، قبل أن يشعلوا فيها النيران.
ومن عدة وجوه أدى الاحتلال إلى تحولات في صفوف الغزاة وليس المغزوين. فما زال العراقيون قادرين على تحمل انقطاعات التيار الكهربائي وصفوف البنزين الطويلة ومعدلات البطالة العالية والمستقبل السياسي المجهول، والذي بدأ عندما تدافعت الدبابات الأميركية لتحتل شوارع بغداد. ولكن المسؤولين الأميركيين الذين كانوا يتجولون في كل أنحاء البلاد، ليشاركوا العراقيين في إعادة البناء، من مواقع شعورهم بأداء الرسالة، يواجهون الآن أخطارا قاتلة جعلتهم يعتصمون ببناياتهم العالية المحاطة بالأسلاك الشائكة. أما العراقيون الذي يأتون لمقابلتهم فعليهم أن يبرزوا وثيقتين ثبوتيتين وان يخضعوا للتفتيش ثلاث مرات.
وتذكر سلطة التحالف الانتقالية، وهي الجهة التي عهدت لها الولايات المتحدة بإدارة العراق، عدة نجاحات تحققت أثناء فترة حكمها. فقد تم ترميم حوالي 2500 مدرسة، و3 ملايين طفل لقحوا ضد الأمراض، ووزعت على اصحاب الأعمال الصغيرة حوالي 5 ملايين دولار من القروض، وطبعت 8 ملايين نسخة من الكتب المدرسية. وتقول سلطة التحالف ان عملة جديدة صدرت محل العملة التي كانت تحمل صورة الرئيس السابق صدام حسين. وكونت المجالس المحلية في كل مدينة وإقليم. وتعد الحكومة الانتقالية الوطنية بإجراء انتخابات عامة في يناير المقبل. ومع ذلك فإن سلطة التحالف قد فشلت في تحقيق أهدافها في كثير من المواقع التي يمكن حسابها كميا.
وقال بريمر انه عندما وصل إلى بغداد في 12 مايو (أيار) 2003، اصابته الصدمة لما رآه. فقوات الشرطة لم تكن تمارس نشاطها. ولم تكن تعمل محطتا توليد الكهرباء المتهالكتان. ومنشآت الحكومة المحلية كانت آيلة إلى السقوط. ولم يكن العراقيون الذين عادوا إلى العراق لإدارة البلاد على استعداد لاقتسام السلطة مع أولئك الذين عانوا تحت حكم صدام، وقاوموه من الداخل. ونسبة لغياب أي تهديد بانفجار العنف وقتها، شرع بريمر وموظفوه في محاولة إعادة بناء العراق من القاعدة فما فوق، مركزين على الحلول البعيدة المدى بدلا من الحلول السريعة والقصيرة المدى. وأعلنوا أن على العراقيين أن يعبروا سلسلة من معالم الطريق قبل أن تعيد الولايات المتحدة إليهم سيادتهم.
وبدلا من إعادة الجيش العراقي حاولت قوات الاحتلال أن تبني قوة دفاعية جديدة من الصفر. وقد وجه بريمر مساعديه لإعادة بناء الوزارات العراقية. وكان يميل إلى الإصلاحات الاقتصادية وفق قوانين السوق الحر. وللدلالة على التخلص من إرث الماضي، وجه بريمر بعدم السماح لكثير من أعضاء حزب البعث التابع لصدام حسين بالاشتراك في الحكومة.
وقال كثير من المسؤولين الحاليين والسابقين بسلطة التحالف الانتقالية، ان كثيرا من القرارات التي اتخذها بريمر كانت تعبر عن رؤية خيالية لا علاقة لها بالواقع العراقي، كما أنها تعبر عن الشعور بالامتياز الذي يحسه المنتصر. ويقول المعارضون داخل سلطة التحالف نفسها ان بريمر ارتكب أخطاء كبيرة عندما حاول تنفيذ أجندة إصلاح اقتصادي محافظة، خاصة في مجال تخفيض الضرائب وفرض قوانين التجارة الحرة بدلا من التركيز على توفير الخدمات الضرورية. وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية قضى عدة أشهر عاملا في سلطة التحالف «كانت هناك هذه الفكرة المتعالية القائلة اننا يمكن أن نخلق من العراق أمة نموذجية، أن نجعله نموذجا للديمقراطية، بدستور مثالي، واقتصاد مثالي وقوات مسلحة مثالية. ولم يكن كل ذلك سوى نوع من السذاجة».
* حسابات اقتصادية خاطئة
* كان من المفترض أن تكون محطة كهرباء الدورة، على سبيل المثال، نموذجا للجهود الأميركية في مجال إعادة بناء العراق. وكانت هذه المحطة قد تعرضت لقصف في حرب 1991 وتم إهمالها من قبل حكومة صدام حسين وهذا ما جعل قدرة المحطة محدودة بربع قدرتها الأصلية، وأدى ذلك إلى فترات أطول من انقطاع الكهرباء في العاصمة.
وبعد أن قام اختصاصيو سلطة التحالف بجولة في هذا المرفق المتهالك في الصيف الماضي أعلنوا عن تصميمهم الكامل على إعادة الحياة لها. وتم استئجار شركتين روسية وألمانية للقيام بإصلاحها وكان على رأس قائمة الأولويات بالنسبة للمشاريع المذمع تنفيذها الوصول إلى إنتاج طاقة كهربائية إلى 6000 ميغاواط على صعيد الوطن ككل. وكان بريمر يأمل أن يؤدي إنتاج طاقة كهربائية أكثر إلى تحسين الاقتصاد والحياة اليومية إلى الدرجة التي تقلص من العنف وتحقق استقرارا أكبر للعراق.
واليوم أصبحت محطة الدورة عن حق نموذجا للكيفية التي فشلت وفقها المساعي الأميركية للوصول إلى أهدافها. فالألمان قد هربوا سعيا وراء نجاتهم في أبريل الماضي، أما الروس فقد غادروا في نهاية مايو الماضي بعد أن قتل زميلان لهم على يد المتمردين حينما اقتربا بعربة صغيرة من محطة الدورة.
وفي داخل المحطة هناك قطع غيار ملقاة على الأرض بانتظار نصبها. ويتسكع التقنيون العراقيون في ثياب عملهم الزرقاء وهم يدخنون بانتظار من يوجههم لتنفيذ شد المعدات الجديدة. وفي حجرة التوربين (المحرك) خُط على أحد جدرانها شعار «تعيش المقاومة».
كانت نية إدارة سلطة التحالف أن تنتج محطة الدورة أكثر من 500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية عند حلول الأول من يونيو الحالي. لكن أفضل ما تمكنت من تحقيقه هو 100 ميغاواط وهذا يساوي نصف ما أنتجته في الصيف الماضي.
وقال بشير خلف «كان مفترضا أن نكون قد حسنا الإنتاجية لكننا جعلناها أسوأ».
* حسابات أمنية خاطئة
* حينما هاجم رجال الميليشيا المعادون لقوات التحالف مركز شرطة الرافدين يوم 4 أبريل بادر الضباط الموجودون داخل المبنى بدلا من المواجهة إلى جمع مقتنياتهم والهرب إلى بيوتهم. كان رجال الميليشيا أعضاء في «جيش المهدي» وهي قوة غير مدربة بشكل جيد لكنها مزودة بسلاح جيد وهي تحت سلطة رجل الدين المتشدد مقتدى الصدر الذي تعتبره إدارة سلطات التحالف خارجا عن القانون. وبادر أتباع الصدر بعد أن قامت وحدة أميركية بإغلاق صحيفته واعتقال بعض من مساعديه باحتلال مبان حكومية في عدة مدن دينية تقع إلى جنوب بغداد وفي مدينة الصدر وهي حي فقير يقع في العاصمة نفسها.
ولم يلق رجال الميليشيا أي مقاومة. ومركز شرطة الرافدين يقع في وسط مدينة الصدر وهو لم يكن حالة استثنائية. قال العريف فلاح حسن «إطلاق النار على أولئك الناس خطأ. إذا جاء رجل ما بمبادئ وهذه المبادئ أنا أؤمن بها فعند ذلك لن أطلق النار عليه».
وأدهش انهيار وحدات الشرطة والدفاع المدني أمام هجوم أتباع الصدر مسؤولي إدارة سلطات التحالف، إذ ظنوا أن أفراد هذه الوحدات سيقاتلون. وبعد عدة أيام لاحقة استغرب هؤلاء المسؤولون حينما تمردت كتيبة من الجيش العراقي الجديد بدلا من إطاعة الأوامر والمشاركة في القتال ضد المتمردين في مدينة الفلوجة.
على أثر ذلك استنتج بريمر ومسؤولون آخرون في إدارة سلطات التحالف أن عملية تأسيس قوات الأمن العراقية تمر بأزمة كبيرة. وجاء توظيف أكبر عدد ممكن من رجال الشرطة السابقين حتى بدون تدريب لطمأنة العراقيين من خلال وضع ضباط شرطة أكثر في الشوارع. لكن ذلك أدى إلى وضع آلاف من الرجال غير المدربين بشكل جيد وبعضهم لهم أواصر بالتمرد ضمن وحدات الأمن. ولم تكن إدارة سلطات التحالف قد أدركت خطأها حتى وقع تمرد الصدر.
قال دوغلاس براند آمر الشرطة البريطاني الذي عمل كمستشار لدى إدارة سلطات التحالف «كانت الكمية قبل النوعية. نحن قبلنا بالكثير من الأشخاص الذين لا يلبون شروطنا ثم وضعهم ضمن قوة الشرطة».
فمن بين التسعين ألف شرطي العاملين حاليا هناك 62 ألف منهم لم يتلق أي تدريب.
* حسابات سياسية خاطئة
* منذ بدء الاحتلال كان هناك تحد للجهود الأميركية الهادفة إلى تغيير النظام السياسي العراقي من قبل زعيم شيعي آخر هو آية الله العظمى علي السيستاني الذي يعد أكثر تأهيلا من الناحية الدينية من الصدر. وأدى عجز إدارة سلطات التحالف عن التعامل معه إلى تقديم سلسلة من التنازلات التي ستؤثر على العراق بعد مغادرة بريمر بفترة طويلة.
وظل السيستاني الذي هو الآن في السبعينات من عمره يعيش في عزلة منذ ستة أعوام داخل مدينة النجف مع أتباع له يبلغ عددهم بالملايين وهو يعتبر الزعيم الأكثر نفوذا بين العراقيين الشيعة الذي يشكلون أكثرية المجتمع. ويسعى كل السياسيين الشيعة عدم القيام بعمل يجعله على خلاف مع السيستاني.
يمكن اعتبار موقف السيستاني مباشرا: العراقيون لا الأميركيون هم الذين يقررون مستقبل العراق السياسي. ففي يونيو 2003 أصدر فتوى دعا فيها إلى كتابة الدستور من قبل نواب منتخَبين وهذا طلب يتعارض مع خطة إدارة بوش السياسية في نقل السلطة للعراقيين.
* العزلة عن بقية العراق
* لا تحمل الحياة داخل المنطقة الخضراء التي تخضع لاجراءات امنية مشددة، وهي المنطقة التي يسميها بعض العاملين في سلطة الائتلاف المؤقتة مازحين ايميرالد سيتي، أوجه شبه كبيرة بالحياة في بقية مناطق بغداد. فالكهرباء متوفرة على الدوام. وهناك باصات حديثة تتوفر في مقاعدها أحزمة للمسافرين. وتبقى المقاهي مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل.
وليس هناك جهد كبير للخضوع للتقاليد الاسلامية. فالبيرة تتوفر بيسر في المطاعم. والنساء يتمشين بالسراويل القصيرة. ويوجد لحم الخنزير على قوائم الطعام الذي توفره سلطة التحالف المؤقتة.
وقال أميركي عراقي يتمتع بموقع كبير في سلطة التحالف المؤقتة ويعيش في المنطقة الخضراء ولكنه يغامر بصورة متكررة في الخروج لرؤية الأقرباء «انه مكان يشبه كوكبا آخر. انه مقطوع من العراق الحقيقي».
وبسبب ان السيارات من طراز جي إم سي التي يستخدمها العاملون في سلطة التحالف المؤقتة والمتعاقدون الأجانب باتت هدفا مفضلا لدى المتمردين، فان التحرك خارج المنطقة الخضراء، الى المنطقة الحمراء التي تعني بقية مناطق العراق، يتطلب عربات مدرعة وحرسا مرافقين مسلحين وهو أمر مقصور على كبار المسؤولين. أما العاملون من المراتب الأدنى فيجب عليهم البقاء داخل المجمع أو التسلل بدون تفاصيل أمنية.
وعلى الرغم من أن سلطة التحالف حاولت جلب العراقيين الى مقراتها لغرض الاجتماعات وأحداث أخرى، حيث كانت هناك أيضا «أمسية ثقافية عراقية» في المنطقة الخضراء، فان العجز عن الاختلاط مع العراقيين قد عزل الأميركيين. وقال كبير مستشاري بريمر «نحن لا نعرف الخارج. كم منا أولئك الذين خرجوا لشراء قنينة حليب أو زوج من الجوارب»؟
وبدلا من اقامة الصلات في الفعاليات الاجتماعية في المدينة، فان العاملين في سلطة التحالف يتناولون المشروبات في حانتهم المؤثثة بمقاعد الخيزران في المنطقة الخضراء. وبدلا من التجوال في الأسواق المحلية يذهب العاملون في سلطة التحالف الى السوق التجاري في المنطقة الخضراء، حيث المنتجات الأكثر شيوعا هي تذكارات صدام حسين.
وجعلت الصلة المحدودة مع العراقيين خارج المنطقة الخضراء مسؤولي التحالف يعتمدون على آراء أولئك الذين اختارهم بريمر للعمل في مجلس الحكم. وعندما طلب مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الابراهيمي معلومات تفصيلية من سلطة التحالف حول عدد من العراقيين ممن كان يدرس امكانية منحهم مناصب في الحكومة المؤقتة، أبلغ مساعديه انه «شعر بالصدمة لاكتشافه شحة المعلومات التي كانوا يمتلكونها في الواقع» وفقا لما قاله احد المسؤولين الذين كانوا حاضرين في اللقاء.
وحتى داخل مكتب الاتصالات كان هناك احساس بأن الاحتلال لم يسر وفق ما كان يأمله الجميع. وقال احد العاملين «انه وقت الاستبطان».
وفي مكان آخر من القصر نشهد احساسا اكبر بالندم. وقال المستشار الكبير لبريمر انه شعر بـ«ضياع الفرصة». واضاف «كان طموحنا كبيرا. كنا نحمل أشياء كبيرة في أذهاننا من أجلهم. واعتقدنا ان بوسعنا القيام بذلك. ولكننا لم نستطع الوفاء بوعودنا».
* واشنطن بوست

التعليقات