شيء من التراث: خبرات الشدادين لا تنفع مع الحداثة
شيء من التراث: خبرات الشدادين لا تنفع مع الحداثة
غزة-دنيا الوطن
شيئان ارتبطا معاً ليكونا معلماً مميزاً من معالم التراث الفلسطيني، أصل كل منهما حيواني: بيوت الشعر التي تنتشر في نظم المضارب الرعوية، ولحف الصوف وتوابعها التي لم تفارق ذات يوم داراً من دور الفلسطينيين، في معظم مناطق فلسطين التاريخية.
وفي الوقت الذي بات فيه الآن غزل الصوف وصناعة بيوت الشعر ضرباً من اللاموجود في أزقة الحواري القروية والأحياء الريفية، غير أن صناعة اللحف اليدوية ما زالت تتمتع ببعض البريق، وما زال الإحساس بأهميتها العملية والتراثية موجوداً، لكنه بات "إحساساً هشاً".
ويظن بائع أغطية قماشية يلف الصوف بها، أن العمل في صناعة الصوف وبيع مستلزماته لم يعد بتلك الصورة التي كان موجوداً بها قبل عشرين عاماً من الآن.
ويقول: في الغالب اتجه الناس نحو الأشياء المصنعة أوتوماتيكياً، وأصبحوا بعيدين عن الالتفات نحو الشد المنزلي، الذي يقوم به "شدادون" يستعملون المطراق الحديدي والإبرة اليدوية.
ولم يعد الكثيرون من مالكي المواشي في هذه الأيام يجنون الكثير من بيع الصوف الذي يجزونه من مواشيهم، في محاولة لتبريد أجسامها في فصلي الصيف والربيع، إذ وحتى الماضي القريب، شكلت صناعة الصوف وغزله فناً تراثياً، أبدعت في حياكته النسوة لاسيما العجائز منهن، حيث كن يمضين جل وقتهن في غزل الصوف وصباغته ومن ثم تصنيعه إلى مطرزات يدوية، يصار إلى عملها بيوت من الشعر والبسط الأرضية، فيما كانت الأولوية الأولى في هذه الصناعة لصنع اللحف والوسائد.
وكان هذا الفن التراثي يعتمد بالدرجة الأولى على الأغنام البلدية البيضاء "النعاج"، المشهورة بصوفها الكثيف الذي كان يؤخذ منها مع بداية فصل الصيف، ليشكل بعد ذلك المادة الخام لهذه الصناعة.
ووجدت الحاجة زهيدة (80 عاماً) من مدينة طوباس في الحديث عن هذا الموضوع فرصة مواتية لاسترجاع العمل الأحب إليها، والذي يكاد يكون مندثراً في هذه الأيام على حد تعبيرها.
وذكرت، " كنا نقيم ولائم خاصة في أيام الغزل، حيث كان يتم دعوة كل امرأة تجيد حياكة الصوف إلى تلك الوليمة، التي ما إن ينتهي إعدادها، حتى يكون غزل بيت الشعر قد تم"، وقالت الحاجة الثمانينية وقد راحت تشرح بكلتا يديها عن الآلية التي تتم فيها حياكة الصوف وغزله، وتشير إلى أنه كان هناك أغاني وأهازيج خاصة، كانت تصدح من أفواه النساء العاملات في الغزل، وكانت في مجملها تمجد هذه الصناعة، وتحث النسوة على مزيد من الاجتهاد لإنجاز العمل في أقل وقت ممكن، موضحة أن تلك الأهازيج كانت تسمي كل امرأة باسمها واسم عائلتها، الأمر الذي يكون مثار فخر واعتزاز لها، فتمضي في صناعتها بكل جد وإتقان.
وعبثا حاولت هذه الحاجة استذكار أية من تلك الأغاني التي طالما راحت ترددها بكل فخر وزهو في أيام الصبا، غير أنها باتت الآن عاجزة عن استذكار أية منها، بعدما أخذ الزمن الكثير من صحتها وعافيتها وقوتها.
ولم تتوقف أهمية الصوف وصناعاته عند هذا الحد، بل أنها كانت تعتبر جزءاً أساسياً من جهاز كل عروس، بل إن المرأة كانت تتباهى بما تصنعه لابنتها، التي كانت تحرص على أن يكون الأفضل من بين ما صنع لقريبات العروس وبنات منطقتها.
وكانت كل واحدة من النساء تحرص على أن تصنع لابنتها لوازم العرس المتمثلة في فراش، وأغطية، ووسائد خاصة، من أجود أنواع الصوف، وبنات اليوم استبدلن هذه المصنوعات اليدوية التراثية بأخرى صناعية، تخلو من الجودة والقيمة والنفع، التي كانت تمثلها صناعاتنا حسبما قالت العجوز.
ويقول شاد لحف يعتمر كوفية رتبها على شكل عمامة، إن صناعة اللحف لم تعد تلك المهنة التراثية التي تفضلها ربات البيوت في هذا الزمن.
فمنذر 50 عاماً من البلدة القديمة من نابلس عمل مدة أسبوع كامل في مدينة طوباس، أنجز خلالها أربعة عشر لحافاً، وهو عدد متواضع للغاية، إذا ما قورن بأعداد اللحف التي كان يشدها قبل عشرين عاماً.
وعادة ما يضع الشداد عمامة على رأسه تقيه الغبار الذي يخرجه الصوف, وللشدادين في كل مدينة سوق وزوايا خاصة، عرفت فيما مضى بأسواق الشدادين، كسوق نابلس في خان التجار.
ويقول : كانت النساء تفضل فيما مضى اللحف المحلاة بالألوان الزاهية والتيجان والرسومات الموردة بالألوان الفاقعة.
وعرف في المنازل القروية ومضارب الرعاة وعرائش المزارعين "المناضد" و"الحوامل"، وهي قطع من الخشب والحديد جعلت على شكل يمكن فيه ترتيب الفراش على نحو مميز، يظهر مدى الاهتمام الكبير بهذا التراث الفلسطيني، غير أن الثورة الصناعية العالمية، وتحول اهتمامات المجتمع عن النظر نحو الأشياء التراثية، أثر بشكل سلبي على وجود الفراش المصنع محلياً بأيدي شدادين مهرة.
*وفا
غزة-دنيا الوطن
شيئان ارتبطا معاً ليكونا معلماً مميزاً من معالم التراث الفلسطيني، أصل كل منهما حيواني: بيوت الشعر التي تنتشر في نظم المضارب الرعوية، ولحف الصوف وتوابعها التي لم تفارق ذات يوم داراً من دور الفلسطينيين، في معظم مناطق فلسطين التاريخية.
وفي الوقت الذي بات فيه الآن غزل الصوف وصناعة بيوت الشعر ضرباً من اللاموجود في أزقة الحواري القروية والأحياء الريفية، غير أن صناعة اللحف اليدوية ما زالت تتمتع ببعض البريق، وما زال الإحساس بأهميتها العملية والتراثية موجوداً، لكنه بات "إحساساً هشاً".
ويظن بائع أغطية قماشية يلف الصوف بها، أن العمل في صناعة الصوف وبيع مستلزماته لم يعد بتلك الصورة التي كان موجوداً بها قبل عشرين عاماً من الآن.
ويقول: في الغالب اتجه الناس نحو الأشياء المصنعة أوتوماتيكياً، وأصبحوا بعيدين عن الالتفات نحو الشد المنزلي، الذي يقوم به "شدادون" يستعملون المطراق الحديدي والإبرة اليدوية.
ولم يعد الكثيرون من مالكي المواشي في هذه الأيام يجنون الكثير من بيع الصوف الذي يجزونه من مواشيهم، في محاولة لتبريد أجسامها في فصلي الصيف والربيع، إذ وحتى الماضي القريب، شكلت صناعة الصوف وغزله فناً تراثياً، أبدعت في حياكته النسوة لاسيما العجائز منهن، حيث كن يمضين جل وقتهن في غزل الصوف وصباغته ومن ثم تصنيعه إلى مطرزات يدوية، يصار إلى عملها بيوت من الشعر والبسط الأرضية، فيما كانت الأولوية الأولى في هذه الصناعة لصنع اللحف والوسائد.
وكان هذا الفن التراثي يعتمد بالدرجة الأولى على الأغنام البلدية البيضاء "النعاج"، المشهورة بصوفها الكثيف الذي كان يؤخذ منها مع بداية فصل الصيف، ليشكل بعد ذلك المادة الخام لهذه الصناعة.
ووجدت الحاجة زهيدة (80 عاماً) من مدينة طوباس في الحديث عن هذا الموضوع فرصة مواتية لاسترجاع العمل الأحب إليها، والذي يكاد يكون مندثراً في هذه الأيام على حد تعبيرها.
وذكرت، " كنا نقيم ولائم خاصة في أيام الغزل، حيث كان يتم دعوة كل امرأة تجيد حياكة الصوف إلى تلك الوليمة، التي ما إن ينتهي إعدادها، حتى يكون غزل بيت الشعر قد تم"، وقالت الحاجة الثمانينية وقد راحت تشرح بكلتا يديها عن الآلية التي تتم فيها حياكة الصوف وغزله، وتشير إلى أنه كان هناك أغاني وأهازيج خاصة، كانت تصدح من أفواه النساء العاملات في الغزل، وكانت في مجملها تمجد هذه الصناعة، وتحث النسوة على مزيد من الاجتهاد لإنجاز العمل في أقل وقت ممكن، موضحة أن تلك الأهازيج كانت تسمي كل امرأة باسمها واسم عائلتها، الأمر الذي يكون مثار فخر واعتزاز لها، فتمضي في صناعتها بكل جد وإتقان.
وعبثا حاولت هذه الحاجة استذكار أية من تلك الأغاني التي طالما راحت ترددها بكل فخر وزهو في أيام الصبا، غير أنها باتت الآن عاجزة عن استذكار أية منها، بعدما أخذ الزمن الكثير من صحتها وعافيتها وقوتها.
ولم تتوقف أهمية الصوف وصناعاته عند هذا الحد، بل أنها كانت تعتبر جزءاً أساسياً من جهاز كل عروس، بل إن المرأة كانت تتباهى بما تصنعه لابنتها، التي كانت تحرص على أن يكون الأفضل من بين ما صنع لقريبات العروس وبنات منطقتها.
وكانت كل واحدة من النساء تحرص على أن تصنع لابنتها لوازم العرس المتمثلة في فراش، وأغطية، ووسائد خاصة، من أجود أنواع الصوف، وبنات اليوم استبدلن هذه المصنوعات اليدوية التراثية بأخرى صناعية، تخلو من الجودة والقيمة والنفع، التي كانت تمثلها صناعاتنا حسبما قالت العجوز.
ويقول شاد لحف يعتمر كوفية رتبها على شكل عمامة، إن صناعة اللحف لم تعد تلك المهنة التراثية التي تفضلها ربات البيوت في هذا الزمن.
فمنذر 50 عاماً من البلدة القديمة من نابلس عمل مدة أسبوع كامل في مدينة طوباس، أنجز خلالها أربعة عشر لحافاً، وهو عدد متواضع للغاية، إذا ما قورن بأعداد اللحف التي كان يشدها قبل عشرين عاماً.
وعادة ما يضع الشداد عمامة على رأسه تقيه الغبار الذي يخرجه الصوف, وللشدادين في كل مدينة سوق وزوايا خاصة، عرفت فيما مضى بأسواق الشدادين، كسوق نابلس في خان التجار.
ويقول : كانت النساء تفضل فيما مضى اللحف المحلاة بالألوان الزاهية والتيجان والرسومات الموردة بالألوان الفاقعة.
وعرف في المنازل القروية ومضارب الرعاة وعرائش المزارعين "المناضد" و"الحوامل"، وهي قطع من الخشب والحديد جعلت على شكل يمكن فيه ترتيب الفراش على نحو مميز، يظهر مدى الاهتمام الكبير بهذا التراث الفلسطيني، غير أن الثورة الصناعية العالمية، وتحول اهتمامات المجتمع عن النظر نحو الأشياء التراثية، أثر بشكل سلبي على وجود الفراش المصنع محلياً بأيدي شدادين مهرة.
*وفا

التعليقات