نجم الجلبي بدأ بالأفول إلا أن نعيه السياسي لم يُكتب بعد

نجم الجلبي بدأ بالأفول إلا أن نعيه السياسي لم يُكتب بعد

مسؤول في البنتاغون: قيل لقوات المارينز إن آلاف العراقيين سيلتفون حول الرجل قبل أن يكتشفوا أن لا أحد يعرفه

غزة-دنيا الوطن

قبل عام كان احمد الجلبي هو الرجل الذي يمكن ان يصبح رئيسا لعراق جديد. فقد قضى عقودا طويلة وهو يتابع رؤية «حلم منفي» لإسقاط صدام حسين بمساعدة واشنطن.

والان خسر الجلبي تأييد الاميركيين، واغارت قوات الحلفاء على بيته ومكتبه في بغداد، واستبعد من الحكومة الانتقالية العراقية. ولكن من دون ان يخسر بالضرورة كل اصدقائه في واشنطن، مثل ريتشارد بيرل، احد مهندسي الحرب ضد العراق، والذي اعتبر مساعي تحجيمه «مؤامرة.. لعبت وكالة المخابرات فيها دورا مشينا».

وما تزال بعض المصادر في العراق، وفي اماكن اخرى تتردد في كتابة نعي سياسي لهذا الرجل بعد. فهو سياسي عنيد، فقد بدأ في التحرك مرة اخرى، ويسعى لدعم علاقاته مع المؤسسة الدينية الشيعية، وطبقا لبعض من حلفائه السابقين الاميركيين، مع ايران.

ويوضح غسان العطية وهو منفي عراقي سابق، كان من مؤيدي المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه الجلبي، «ان الشيء الوحيد الذي يمكن قوله على سبيل التأكيد بخصوص الجلبي هو انه لا يمكنك اسقاطه من الحساب».

وتكشف الكيفية التي تمكن بها الجلبي من الوصول الى القمة وان يصبح خبيرا للشؤون العراقية لعديد من المستشارين الرئيسين حول الرئيس بوش، عن أسباب مبالغة الادارة الاميركية في تقدير اسلحة الدمار الشامل العراقية والتقليل من صعوبات الاحتلال.

وفي الواقع فإن المثال على الخبرات، التي يوضح المسؤولون الاميركيون انهم اكتسبوها خلال تعاملهم مع الجلبي، يمكن ملاحظتها في كلمات ميكيافيللي قبل 500 سنة «كم هو خطر تصديق المنفيين. فرغبتهم المتطرفة في العودة للوطن تدفعهم الى الاعتقاد بالعديد من الاكاذيب».

وعلى سبيل التأكيد فإن الجلبي ليس محتالا خدع بمفرده الولايات المتحدة بحيث تتخيل ان مرحلة ما بعد الغزو ستكون سهلة. بل هناك مجموعة من كبار المسؤولين الاميركيين من امثال نائب الرئيس ديك تشيني وريتشارد بيرل المستشار السابق لوزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفلد، ودوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية ـ كانوا يميلون الى تصديق ما سيقوله، بالرغم من اعتراضات العديد من الزملاء.

كانت رؤية مغرية، تعهد بها الجلبي، فعراق ما بعد صدام، سيسرع في تطبيع العلاقات مع اسرائيل ويمد خط انابيب نفط الى ميناء حيفا الاسرائيلي. وسيضرب عراق ما بعد صدام ضربة قاصمة للارهاب، وان مرحلة ما بعد الحرب ستكون مستقرة، وسيرحب العراقيون بالقوات الاميركية. وأكد الجلبي لمستمعيه ان تأييده يتعدى الخطوط الطائفية والعراقية.

وقدم المؤتمر الوطني العراقي الذي يرأسه الجلبي معلومات استخبارية لا تقدر بثمن للولايات المتحدة خلال وبعد حرب الخليج الاولي. وفي الآونة الاخيرة، ذكر البنتاغون ان معلومات المؤتمر الوطني العراقي ساعدت على انقاذ حياة جنود اميركيين. ونفى الجلبي انه قدم معلومات لايران. غير ان العديد من النقاد شعروا ان حلمه بعراق جديد ليس له علاقة بالواقع.

واوضح مسؤول كبير في وزارة الخارجية «كما نعلم طوال الوقت ان أي شيء يقدمه الجلبي يجب التعامل معه بشك شديد، ولا سيما هذه المعلومات حول استقبال العراقيين لنا بالزهور. ولكننا غلبنا على امرنا من (مسؤولي) وزارة الدفاع الذين اعتقدوا اننا نبحث عن حجة لعدم الذهاب للحرب».

والجدير بالذكر ان رؤية الجلبي لعراق مستقل بدأت بعدما صحبته قوات المارينز وافراد مليشياته المدربين من قبل الولايات المتحدة، الى جنوب العراق. وقيل لقوات المارينز ان آلاف العراقيين سيلتفون حول الرجل الذي من المتوقع ان تعينه رئيسا مؤقتا للوزارة. ولكن بدلا ذلك اكتشفوا انه لا أحد يعرفه. وفي الشهور التي اعقبت ذلك، ومع فشل الاميركيين في العثور على الاسلحة البيولوجية والكيميائية التي وعد الجلبي بأنها ستكون هناك، بدأ نجمه في الافول. وبالرغم من حصوله على مقعد في مجلس الحكم العراقي، فإنه قضى معظم وقته في الخارج.

وادى ذلك كله الى الغاء مبلغ 340 الف دولار كان يحصل عليه كل شهر من وزارة الدفاع مقابل مساعدات استخبارية، ابتداء من شهر ابريل (نيسان). وفي 20 مايو (ايار) شنت القوات الاميركية غارة على منزله ومكتبه في العراق في اطار التحقيق في عمليات فساد.

والجدير بالذكر ان الجلبي اصبح نقطة اهتمام اميركية مكثفة خلال دراسته للدكتوراه من جامعة شيكاغو في الستينات. فقد تعرف على البرت ولستيتر وهو عالم رياضيات واستراتيجي متخصص في الحرب الباردة الذي اثر على جيل من المفكرين المحافظين. واصبح العديد من طلاب ولستيتر، من بينهم بيرل وبول وولفوتز نائب وزير الدفاع من كبار انصار غزو العراق.

وبعدما حصل على شهادته الجامعية انتقل الى بيروت حيث كان شقيقه جواد يدير مصرف «مبكو». وبعد سنوات، قرر الجلبي المشاركة في توسيع امبراطورية الاسرة المصرفية، وانتقل الي الاردن حيث اسس مصرف البتراء في عام 1978 الذي انتعشت أعماله في الثمانينات وأدخلت نظام العمل بأجهزة الكمبيوتر في النظم المصرفية بالاردن. وكان الجلبي في ذلك الوقت مقربا من ولي العهد الاردني آنذاك الامير الحسن بن طلال، شقيق العاهل الاردني الراحل الملك حسين. ويقول جمال دمور، وهو عضو حالي بالبرلمان الاردني وعضو سابق بهيئة الادعاء في محكمة عسكرية ساعدت في التحقيق الذي اجري حول البتراء «في تلك الايام كان الجلبي الملك المتوج للأردن». وأضاف دمور ان ما عزز من موقف ووضع الجلبي في ذلك الوقت، من ناحية جزئية على الاقل، السلفيات التي كان يقدمها لبعض الرموز ذات التأثير والنفوذ. ويقول مسؤولون اردنيون ان الجلبي قدم سلفية بقيمة حوالي 30 مليون دولار لولي العهد السابق الأمير حسن، كما ان علاقاته مع بعض المسؤولين البارزين ساعدت في الاستمرار في عمل المصرف لمدة سنوات رغم مؤشرات الخطر التي بدأت تظهر. ولكن في نهاية عام 1989، عندما بدأت تظهر مؤشرات أزمة مصرفية، طلب محمد سعيد النابلسي، الذي كان حاكما للمصرف المركزي الاردني، من العاهل الاردني الراحل الملك حسين وضع مصرف البتراء تحت إشراف الحكومة، إلا ان الجلبي فر من الاردن بعد يومين من صدور أمر يسمح لمسؤولين حكوميين بمراجعة حسابات المصرف.

واصيب المسؤولون بالصدمة لدى اكتشافهم الكم الهائل من عمليات الغش والاحتيال التي حدثت في المصرف. وبعد عامين من التحقيقات وجهت الى الجلبي تهم تتعلق بالاحتيال والاختلاس وحكم عليه محكمة اردنية غيابيا بالسجن 22 عاما. وكان المتحدث باسم أحمد الجلبي، مثال الالوسي، قد اعطى الصحافيين وثيقة زعم انها تبرئ الجلبي من كل التهم ذات الصلة بمصرف البتراء. وقال الالوسي ان الوثيقة المذكورة، وهي عبارة عن خطاب عادي ليس مكتوبا على ورق به ترويسة رسمية وليس به أي ختم ولا يحمل اسم الجبلي، تثبت ان محاكمته لم تكن صحيحة. وقال الالوسي في سياق حديثه حول هذه القضية انه يحمد الله «ان هذا المخطط القذر، الذي كان يهدف الى الإضرار بالعلاقات بين الاردن والعراق، قد جرى كشفه». ولكن فشل مصالح الجلبي المصرفية لم تلحق به ضررا لفترة طويلة. فقد استعان بعلاقاته مع بيرل وطبيعته الشخصية الجاذبة في إقناع الولايات المتحدة عقب حرب الخليج الثانية عام 1991 بأنه الرجل المناسب لقيادة المعارضة العراقية في المنفى.

وتدفقت مساعدات وكالة الاستخبارات المركزية على المؤتمر الوطني العراقي الذي كان في بداياته الاولى في ذلك الوقت، اذ وصل حجم المساعدات الى 100 مليون دولار لإقامة معسكرات تدريب ونشاط دعائي في شمال العراق، والذي ظل مستقلا الى حد كبير خلال تطبيق نظام الحظر الجوي. تراجعت علاقة مع وكالة الاستخبارات المركزية عام 1995 بسبب شعور بعض الضباط بأن الجلبي غير قادر على الوفاء بالوعود التي قطعها من ناحية ومن ناحية اخرى بسبب المخاوف من علاقاته مع ايران. وأصبح الجلبي في ذلك الوقت من الشخصيات المعروفة لدى الحكومة الاميركية، وفي عام 1998 صادق الكونغرس على الدعم المالي المزمع تقديمه للمؤتمر الوطني العراقي الذي يقوده. وبوصول بوش الى البيت الابيض عادت غالبية المؤيدين المتحمسين للجلبي الى الحكومة الاميركية. وظل مؤيدو الجلبي يرددون باستمرار انهم يصدقون الاحداث كما يسوقها الجلبي، ولا يزال بعضهم حتى الآن يؤمن به. وقال بيرل الذي يعمل الآن لدى معهد «اميركان انتربرايز» في واشنطن ان «هناك مؤامرة لتحجيم دور الجلبي لعبت وكالة المخابرات فيها دورا مشينا»، وطالب بإتاحة الفرصة «للسيد الجلبي للتحرك بحرية والمشاركة في بناء عراق ديمقراطي حر وعلماني كما كان يحلم دائما».

وذهب بيرل ابعد من ذلك عندما شن هجوما مزدوجا على القاضي زهير المالكي قاضي المحكمة الجنائية العراقية والذي أصدر طلب القبض على بعض مساعدي الجلبي وأمر بتفتيش مسكنه ومكاتب المؤتمر الوطني العراقي الشهر الماضي، وعلى السفير بول بريمر الحاكم الأميركي للعراق الذي عين القاضي في منصبه. واتهم بيرل القاضي المالكي بأنه «غير مؤهل»، فهو علي حد قوله «عمل مترجما مع إدارة قوات التحالف»، وأن خبرته القضائية لا تزيد على خمس سنوات فقط». وأضاف بيرل أن «خطوة تعيينه من قبل السفير بريمر غير دستورية وغير قانونية». وقال إن القاضي زهير المالكي يستخدم أساليب التهديد لمن يحاول الدفاع عن المؤتمر الوطني العراقي. جدير بالذكر ان دانييل بليتكا، الباحثة في المعهد، وهو مركز بحوث كان تشيني عضوا في مجلس إدارته في السابق، نفت في مقال كتبته مطلع الشهر الجاري تهم الفساد ضد الجلبي، وأوردت في مقالها ان «الجلبي ظل باستمرار يتهم بالفساد من جانب أعدائه»، كما أشارت الى ان التهم التي وجهت اليه في الاردن «لم تدعمها او تثبتها أي وثائق».

ومن المحتمل ان يكون الجلبي قد بات يستخدم تراجع علاقته مع الاميركيين للحصول على مصداقية في العراق كشخص مستقل. فقد قال في لقاء مع قناة «العربية» الفضائية ان «ما فعله الاميركيون بي يدحض بصورة مباشرة ما قيل حول علاقاتي معهم». فيما يقول مقربون منه انه يحاول الآن بناء قاعدة مؤيدين وسط الرموز الدينية والسياسية للشيعة كوسيلة رئيسية لاستمراره وبقائه في النظام السياسي الناشئ في العراق.

*كريستيان ساينس مونيتر

التعليقات