الإيمان بالقدر ... عبد القادر عليان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، سيدنا محمد النبي الأمي ، أشهد أنه بلغ الرسالة وأد الأمانة ، ونصح الأمة ، وأزال الغمة ، تركنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك . أما بعد :

أحبتي في الله مازال الحديث متواصلا مع أركان الإيمان ، في هذه الحلقة سوف نتحدث عن الركن السادس من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان بالقدر .

يعتقد المسلمون إعتقادا جازما ؛ بكل ما يتعلق بالخير والشر يكون بقضاء الله وقدره ، وأن الباري سبحانه وتعالى فعال لما يريد ؛ فكل شيء بإرادته سبحانه ، ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره ، وعلم كل ما يكون من الأشياء أن تكون في الأزل ، وقدر المقادير للمخلوقات والكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته ، وعلم أحوال العباد ، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم ، وغير ذلك من شؤون حياتهم ؛ فكل ما حدث أو ما سيحدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته سبحانه . والمعني في هذا كله : هو ما سبق به العلم وجرى به القلم ، مما كائن إلى الأبد ، قال تعالى " سنة الله الذين خلو من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا " . وقال تعالى " إنا كل شيء خلقناه بقدر" 0 وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله ، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه " . وأهل السنة والجماعة يقولون : الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور ،وتسمى : مراتب القدر ، أو أركانه ، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر ، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق جميع أركانه ؛ لأن بعضها مرتبط مع بعض فمن أقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر ، ومن انتقص واحدا منها ، أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر0

المرتبة الأولى : العلم :

الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن ، جملة وتفصيلا وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم ، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم ، وعلم منهم الشقي والسعيد ، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا قال سبحانه : ( إن الله بكل شيء عليم" .


المرتبة الثانية : الكتابة :

وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء ؛ فكل ما جرى وما يجري وكل كائن إلى يوم القيامة ، فهو مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب ، ويسمى : الذكر ، والإمام ، والكتاب المبين . قال تعالى " وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " . وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم " إن أول ما خلق الله الخلق فقال : إكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : إكتب القدر ؛ ما كان ، وما هو كائن إلى الأبد " .

المرتبة الثالثة : الإرادة والمشيئة :

المعنى : أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة ، بهدي من يشاء برحمته ، ويضل من يشاء بحكمته ، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه ، وهم يسألون وما وقع من ذلك ، فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ ، فمشيئة الله نافذة ، وقدرته شاملة ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ؛ فلا يخرج عن إرادته شيء ، قال تعالى " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين " 0 وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد ، يصرفه حيث يشاء " .


المرتبة الرابعة : الخلق :

وهي الإيمان أن الله خالق كل شيء ،لا خالق غيره ولا رب سواه ، وأن كل ما سواه مخلوق ؛ فهو خالق كل عامل وعلمه ، وكل متحرك وحركته ، قال الله تعالى " وخلق كل شيء فقدره تقديرا"

وأن كل ما يجري من خير وشر ، وكفر وإيمان ، وطاعة ومعصية شاءه الله ، وقدره ، وخلقه ، قال الله تعالى "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " وقال تعالى " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ". وأن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد ؛ فهو خالق كل شيء بلا استثناء ، لا خالق غيره ولا رب سواه ، قال تعالى " الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل "0 وأن الله تعالى يحب الطاعة وبكرة المعصية ، ويهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله ، قال الله تعالى " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى " ولا حجة لمن أضله ولا عذر له ؛ لأن الله قد أرسل الرسل لقطع الحجة ، وأضاف عمل العبد إليه ، وجعله كسبا له ، ولم يكلفه إلا بما يستطيع قال الله تعالى " اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم " 0وقال تعالى " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " وقال تعالى " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل "وقال سبحانه وتعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " . ولكن لا ينسب الشر إلى الله لكمال رحمته ؛ لأنه أمر بالخير ونهى عن الشر ، وإنما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته ، قال تعالى " ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك " والله سبحانه وتعالى منزه عن الظلم ، ومتصف بالعدل ؛ فلا يظلم أحدا مثقال ذرة ، وكل أفعاله عدل ورحمة ، قال تعالى " وما أنا بظلام للعبيد " 0وقال تعالى " ولا يظلم ربك أحدا " . وقال تعالى" إن الله لا يظلم مثقال ذرة " . فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله ، وجعل له إرادة ، وقدرة ، واختيارا ، ومشيئة وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا، ثم جعل له عقلا يميز به بين الخير والشر بين الحق والباطل ، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره ، فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار ؛ فهو يختار أفعاله وعقائده ؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله ، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد ، وهم الفاعلون لها ؛ فهي من الله خلقا وإيجادا وتقديرا ، ومن العبد فعلا وكسبا ، قال تعالى " لمن شاء منكم أن يستقيم ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " 0 ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر ، وقالوا " لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء " . فرد المولى عز وجل عليهم وعلى كذبهم ، بقوله " قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون " 0

والمسلمون يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه ، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة ؛ لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ، ونهاهم عن مرامه ، قال تعالى "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" 0

يخاطب أهل السنة والجماعة ويحاجون من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة ؛ بقول الله تبارك وتعالى " قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا " . وهذا هو الذي آمن به السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلا يوم الدين ، عليهم رضوان الله تعالى أجمعين . ولذلك فان الحوادث تسير في الدنيا على سنن مطردة ، فالمسؤولية الإنسانية تقع في محيط اختياره ، ويترتب عليها الجزاء عدلا ، قال تعلى " هل تجزون إلا ما كنتم تعملون"0 وينكر الإسلام على الذين يقترفون السيئات ، ثم يلقون بالتبعة على القضاء والقدر وشدد النكير عليهم وعدهم كذابين وخراصين0 ولا سيما الفاسدين والظالمين من الناس الذين يحيلون أسباب أفعالهم الخاطئة على القضاء والقدر 0 والخلاصة أن الإنسان حر مختار مسئول عن كل أفعاله وسلوكه فيما هو داخل في حدود إرادته البشرية ، وان الله سبحانه خلقه على هذا النحو من الحرية والاختيار بقضائه وقدره ليمكن تسويغ مسؤوليته ، إذ لو كان مجبرا مقهورا في كل ما يعمل ، ولا إرادة له ولا حرية 0 لكان مساءلته وتعذيبه ظلما والله تعالى منزه عن الظلم " وما ربك بظلام للعبيد" وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين00

عبد القادر عليان

التعليقات