الإيمان باليوم الآخر ... عبد القادر عليان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. أنعم بإنزال كتابه. يشتمل على مُحكم ومتشابه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به. أحمده على الهدى وتيسير أسبابه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من عقابه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل الناس عملاً في ذهابه وإيابه. صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل أصحابه، وعلى عمر الذي أعز الله به الدين واستقامت الدنيا به، وعلى عثمان شهيد داره ومحرابه، وعلى علي المشهور بحل المشكل من العلوم وكشف نقابه، وعلى آله وأصحابه ومن كان أولى به. وسلم تسليماً . أما بعد :

ما زلنا وإياكم في رحلة الإيمان وأركانه ، وسوف نواصل الحديث عن الركن الخامس من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر ...

الإيمان باليوم الأخر

إن الإيمان باليوم الآخر هو اصل من أصول الدين والعقيدة والكفر به هو خروج من الملة والدين 0 لقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضع كثير ، وربط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله سبحانه وتعالى فقال عز من قائل " والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون" .و الساعة لا يعلمها إلا الله عز وجل ولم يطلع على علمها أحد من خلقه بل هي من العلوم الغيبية التي خصها الله لنفسه، قال تعالى " إن الله عنده علم الساعة ". و إذا كان المولى عز وجل قد أخفى وقت وقوع الساعة عن العباد ؛ فإنه تعالى قد جعل لها علامات ودلالات و أشراطا ؛ تدل على قرب وقوعها . و المسلمون يؤمنون بكل ما يقع من أشراط الساعة الصغرى والكبرى على السواء والتي هي أمارات على قيام الساعة ؛ لأنها تدخل في الإيمان باليوم الآخر .



علامات الساعة الصغرى :

وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة ، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر البعض منها مصاحبا للأشراط الكبرى ، وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جدا ، ونذكر شيئا مما صح منها :فمن ذلك بعثة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وختم النبوة والرسالة به ، وموته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفتح بيت المقدس ، وظهور الفتن نعوذ بالله منها ، وإتباع سنن الأمم الماضية من اليهود والنصارى ، وخروج الدجالين ، والذين إدعوا النبوة . ووضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ورفض سنته وكثرة الكذب ، وعدم التثبت في نقل الأخبار ، ورفع العلم وإلتماس العلم عند الأصاغر ، وظهور الجهل والفساد ، وذهاب الصالحين ، ونقض عرى الإسلام عروة عروة. وتداعي الأمم على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ثم غربة الإسلام وأهله . وكثرة القتل ، كما هو الحال في فلسطين والعراق وسائر بلاد المسلمين ، وكذلك من هذه العلامات تمني الموت من شدة البلاء والمحن، وغبطة موت الفجأة ، وغبطة أهل القبور وتمني الرجل أن يكون مكان الميت من شدة البلاء ، والموت من كثرة الزلازل والأمراض ، وقلة عدد الرجال ، وكثرة النساء ، وظهورهن كاسيات عاريات ، وتفشي الزنا في الطرقات ، وظهور أعوان الظلمة من المرافقين ومن الشرطة ومن الحراس الشخصيين الذين يتآمرون على الناس ويقذفونهم بألسنة حداد شداد ، ويلقون بهم في غيابات السجون ومن ثم يجلدونهم، قاتلهم الله أنا يؤفكون0

ومن هذه العلامات أيضا ظهور المعازف ، والخمر ، والزنا ، والربا ، والحرير ، وإستحلالها وظهور الخسف والمسخ والقذف ، وتضييع الأمانة ، وإسناد الأمر إلى غير أهله ، وزعامة الأراذل والسفهاء من الناس ، وإرتفاع أسافلهم على خيارهم ، وولادة الأمة ربتها ، والتطاول في البنيان ، وتباهي الناس في زخرفة المساجد ن وتغير الزمان ؛ حتى تعبد الأوثان ، ويظهر الشرك في الأمة . والعياذ بالله والسلام على المعارف فقط ، وكثرة التجارة ، وتقارب الأسواق ووجود المال الكثير في أيدي الناس مع عدم الشكر ، وكثرة الشح ، وكثرة شهادة الزور ، وكتمان شهادة الحق ، وظهور الفحش ، والتخاصم والتباغض والتشاحن ، وقطيعة الرحم ، وسوء الجوار . وتقارب الزمان وقلة البركة في الأوقات ، وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم ، ووقوع التناكر بين الناس ، والتهاون بالسنن التي رغب بها الإسلام وتشبه الشيوخ بالشباب ، وكلام السباع والجمادات للإنس ، وحسر ماء الفرات عن جبل من ذهب وصدق رؤيا المؤمن . وما يقع من مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث تنفي الخبث ، فلا يبقى فيها إلا الأتقياء والصالحون ، وعودة جزيرة العرب مروجا وأنهارا ، وخروج رجل من قحطان يدين له الناس . وكثرة الروم وقتالهم للمسمين ، وقتال المسلمين لليهود حتى يقول الحجر والشجر : " يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ؛ خلفي فتعال فإقتله " . وفتح روما كما فتحت القسطنطينية ..إلى غير ذلك من علامة الساعة الصغرى الثابتة في الأحاديث الصحيحة .



علامات الساعة الكبرى :

وهذه هي التي تدل على قرب قيام الساعة ؛ فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها ، المسلمون يؤمنون بها كما جاءت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومنها:ـ



ظهور المهدي : وهو محمد بن عبد الله من أهل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويخرج من قبل المشرق يملك سبع سنين يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط ، تخرج الأرض نباتها ، وتمطر السماء قطرها ، ويعطي المال بغير عدد .



خروج المسيح الدجال :ـ وبالمناسبة ظهور المسيح الدجال من أعظم الفتن ؛ لأن الدجال هو منبع الكفر والضلال والفتن ، ومن أجل ذلك فقد حذر منه الأنبياء أقوامهم عليهم السلام جميعا ، وكان النبي صلى

الله عليه وعلى آله وسلم يستعيذ من فتنة الدجال دبر كل صلاة ، وحذر منه أمته .



نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام ، وينزل بها حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، عاملا بها ، وأنه يقتل الدجال ، ويحكم في الأرض بالإسلام ، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق ، وتكون مجتمعة لقتال الدجال ؛ فينزل وقت إقامة الصلاة ويصلي خلف أمير تلك الطائفة .



وكذلك من علامات قيام الساعة الكبرى خروج يأجوج ومأجوج ، والخسوفات الثلاثة : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب ، وخسف في جزيرة العرب ، وخروج الدخان ، وطلوع الشمس من مغربها ، وخروج دابة الأرض وتكليمها للناس ، والنار التي تخرج من حضرموت تحشر الناس .



المسلمون يؤمنون بكل ما يكون من أمور الغيب بعد الموت ، مما أخبر به الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من سكرات الموت ، وحضور ملائكة الموت ، وفرح المؤمن بلقاء ربه ، وحضور الشيطان عند الموت ، وعدم قبول إيمان الكافر عند الموت ، وعالم البرزخ ، ونعيم االقبر وعذابه وفتنته ، وسؤال الملكين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وأن أرواح أهل السعادة منعمة ، وأرواح أهل الشقاوة معذبة ، ويؤمنون بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى ، ويبعث العباد من قبورهم ، ثم يحاسبهم . ويؤمنون بالنفخ في الصور ، وهي ثلاث نفخات :

الأولى : نفخة الفزع .

الثانية : نفخة الصعق ؛ التي يتغير بها العالم ، ويختلف نظامه ، وفيها الفناء والصعق ، وفيها هلاك من قضى الله إهلاكه .

الثالثة : نفخة البعث ، والنشور ، والقيام لرب العالمين ، وبعث من في القبور ، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا ، تدن ومنهم الشمس ، ومنهم من يلجمه العرق ، وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفي ذلك اليوم العظيم يخرج الناس من الأجداث كأنهم جراد منتشر ، مسرعين إلى الداعي ، وقد خفت كل حركة ، وخيم الصمت الرهيب تنشر صحف الأعمال ؛ فيكشف المخبوء ، ويظهر المستور ، ويفتضح المكنون في الصدور ، ويكلم الله عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان ، ويدعى الناس بأسمائهم وأسماء آباءهم . ويؤمنون بالميزان الذي له كفتان توزن به أعمال العباد . فآخذ كتابه بيمينه ، وآخذ كتابه بشماله ، أو من وراء ظهره والصراط منصوب على متن جهنم ، يتجاوزه الأبرار ، ويزل عنه الفجار. رسبوا في إمتحان الآخرة .



تعريف الفجار :

هو الجسر الذي يمرون عليه إلى الجنة ، ويمر الناس على الصراط بقدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ، ومنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالريح المرسلة ، ومنهم من يمر كالفرس الجواد ، ومنهم من يمر كركاب الإبل ، ومنهم من يعدو عدوا ، ومنهم من يمشي مشيا ، ومنهم من يزحف زحفا ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم ؛ كل بحسب عمله ، حتى يطهر من ذنوبه وآثامه ، ومن يجتاز الصراط يتهيأ لدخول الجنة ؛ فإذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار ؛ فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة .والجنة والنار مخلوقتان ، وموجودتان الآن ، لا تفنيان أبدا ، وقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق ؛ والجنة دار المؤمنين الموحدين والمتقين ، والنار دار

الكافرين ، من اليهود ، والملحدين ، والمشركين ، والمنافقين ، والوثنيين ، والمذنبين . وأيضا يؤمن المسلمون بأن أمـــــــة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أولى الأمم محاسبة يوم القيامة ، وأولى الأمم في دخول الجنة ، وهم نصف أهل الجنة ، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب . ويؤمنون بعدم خلود الموحدين في النار ، وهم الذين دخلوا النار بمعاص إرتكبوها غير الإشراك بالله تعالى ؛ لأن المشركين خالدين في النار لا يخرجون منها أبدا ، والعياذ بالله . ويؤمنون بأن حوض نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عرصات القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وريحه أطيب من المسك ، وآنيته عدد نجوم السماء ، وطوله شهر وعرضه شهر ، من شرب منه لا يظمأ أبدا ، ويحرم ذلك على من إبتدع في الدين . قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " حوضي مسيرة شهر ، ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منها فلا يظمأ أبدا " وقال أيضا :" إني فرطكم على الحوض ، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا . ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثم يحال بيني وببينهم " . وفي رواية : " فأقول : إنهم مني ؛ فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدي )) .

والشفاعة والمقام المحمود لنبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم القيامة ، وشفاعته

لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم هي المقام المحمود ، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة ، ويكون الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول داخل فيها ،

و للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شفاعات ليست لأحد غيره منها :-

1- وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب

2- شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم لرفع درجات بعض أمته ممن يدخلون الجنة إلى درجات عليا ،

3- شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم لطائفة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب .

4- شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة ،

5- شفاعته في أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها .وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة ، والنبيون ، والشهداء ، والصديقون ، والصالحون ، والمؤمنون 0

ثم يخرج الله تبارك وتعالى من النار أقواما بغير شفاعة ؛ بل بفضله ورحمته . ويشترط لهذه الشفاعة شرطان :

الأول : إذن الله تعالى في الشفاعة ، لقوله تعالى " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" .

الثاني : رضا الله تعالى عن الشافع والمشفوع له ، لقوله تعالى " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى"0

أما الكفار فلا شفاعة لهم ، لقوله تعالى " فما تنفعهم شفاعة الشافعين" ، وكذلك عمل المؤمن يشفع له يوم القيامة ، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديث فقال " الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة " . والموت يؤتى به يوم القيامة ؛ فيذبح كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة ، وصار أهل النار إلا النار ، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ؛ ثم يذبح ، ثم ينادي مناد : ياأهل الجنة ! لا موت . ويا أهل النار! لا موت ؛ فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم " .0



وأخيرا إن الحديث عن الآخرة وعذاب يوم القيامة ليس الهدف منه هو التخويف فقط بل حث الناس أفرادا وجماعات وأمم على الاستقامة وعدم الظلم والفساد في الأرض ، فانه مهما جنيت أيها الإنسان وحققت في الدنيا بغير حق ولا عدل ولا إنصاف من مال وجاه وسلطان ومجد فانه يوم القيامة سيرتد عليك حسرة وندامة حتى تقول يا ليتني كنت ترابا وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

عبد القادر عليان

التعليقات