كواليس الساعات الأخيرة قبل مغادرة مبارك تونس غاضباً

كواليس الساعات الأخيرة قبل مغادرة مبارك تونس غاضباً

غزة-دنيا الوطن

"كان الأمير عبدالله محقاً تماماً حين قرر عدم المشاركة"، نسب صحافي مصري هذه العبارة إلى عضو رفيع في الوفد المصري المرافق للرئيس حسني مبارك في أثناء مغادرته مقر إقامته في العاصمة التونسية متوجهاً إلى المطار ليستقل طائرته الرئاسية عائداً إلى القاهرة، وذلك بعد أن قرر عدم المشاركة في الجلسة الختامية لمؤتمر القمة الذي اختتم أعماله يوم أمس الأحد في تونس.

وقد لفتت مصادر مقربة من الوفد الرسمي المصري إلى أن هذا القرار جاء على خلفية ما وصف بـ "تجاهل رئاسة المؤتمر، ممثلة في الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، للاقتراح الذي قدمته مصر بإنشاء آلية جديدة للمتابعة‏,‏ تواجه بها الدول العربية تلك الآلية الأخرى التي تعتزم مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى بحثها في قمتها يوم الثامن من شهر حزيران (يونيو) المقبل، في ولاية جورجيا الأميركية‏"، كما أفادت بذلك المصادر المذكورة سلفاً في معلومات خاصة بشبكة "إيلاف" الاخبارية.

وقد عبر عن هذا المعنى صراحة، إبراهيم نافع رئيس تحرير صحيفة "الأهرام" المصرية شبه الرسمية، حين كتب اليوم الاثنين مستنكراً ما وصفه بإصرار رئاسة مؤتمر القمة ـ الرئيس التونسي ـ على "عدم عرض هذا الاقتراح في الجلسة المغلقة للرؤساء العرب التي كان من المقرر عقدها قبل الجلسة الختامية للمؤتمر بحجة عدم المساس من جديد بالقرارات التي ستصدر عنها‏,‏ وكذا إصرارها على عقد الجلسة العلنية مباشرة, مع أن وزراء الخارجية العرب, قد وافقوا بالفعل علي الاقتراح المصري‏"، وفق تعبير نافع المعروف بقربه من مؤسسة الرئاسة المصرية، ودوائر صنع القرار بالقاهرة.

وكما أسلفنا فقد كانت مصر طرحت اقتراحا بإنشاء آلية جديدة للمتابعة والتشاور والتنسيق حول المسائل المرتبطة بالتحديث والإصلاح في الجامعة العربية‏,‏ على أن تعمل هذه الآلية علي مستويين‏:‏ الأول هو مستوى القمة العربية‏,‏ والثاني من خلال وزراء الخارجية العرب.

وعلى الرغم من موافقة وزراء الخارجية العرب علي الاقتراح المصري‏,‏ كما يؤكد أعضاء الوفد ومصادر دبلوماسية رفيعة وصحافيون كبار راقبوا القمة عن قرب، فإن رئاسة المؤتمر أصرت على عدم عرضه في جلسة العمل المغلقة والأخيرة للقادة العرب‏,‏ وأصرت علي عقد الجلسة العلنية مباشرة.

الأمر الذي أغضب الرئيس مبارك وقرر على اثره مغادرة تونس، وعدم المشاركة في ثم جاء تحفظ كل من قطر وسلطنة عُمان، أو لنقل صراحة رفضهما عدة بنود في "وثيقة العهد والتضامن والوفاق"، التي اقترحها الأمير عبدالله بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، ودعمتها كل من القاهرة ودمشق إلى حد تبنيها كوثيقة مشتركة، لينسفها ذلك التحفظ القطري العماني، فضلاً عن عدم الحماس من قبل عواصم عربية أخرى، ليشكل هذا الموقف من قبل ما بات يصطلح على تسميته بـ "دول الأطراف"، في إشارة إلى الدول الصغيرة التي وضعت المثلث العربي (السعودية ومصر وسورية) الأكثر فعالية تقليدياً منذ عقود خلت على المسرح الإقليمي أمام وضعية جديدة.

بدأت تتبلور خلال العامين الماضيين، وهو المحور الذي سبق له أن قام برعاية الحلول العربية لأزمات صعبة كما حدث في أزمة لبنان بمساهمة كويتية مهمة، وهو أيضا ذات المثلث العربي الذي شكل الحلقة الأقوى في مواجهة التحديات الأقليمية المفصلية، وحقق نصراً نادراً في حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973، ضد إسرائيل التي كانت ولم تزل تتلقى دعماً استراتيجياً وغير محدود من قبل الولايات المتحدة، وربما النظام العالمي الجديد برمته.

كيانات تتهاوى

وتسوقنا هذه التطورات إلى طبيعة العلاقات الأميركية مع دول المحور الثلاثي، وهنا يرى المراقبون أن العلاقات الأميركية ـ السعودية بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 تشهد صعودًا وهبوطًا، أما العلاقات السورية ـ الأميركية فيمكن وصفها بـ "علاقات شعرة معاوية"، أي الخيط الرفيع القابل للانقطاع في أي لحظة، كما لا يمكن وصف العلاقات المصرية ـ الأميركية بأنها في أفضل أحوالها، ويسود اعتقاد بين المراقبين مفاده أن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة يعمل من أجل أن تكون الدول العربية الرئيسية مصر وسورية والسعودية في حالة دائمة من الدفاع عن النفس في علاقاتها مع واشنطن، وحتى لا تحدث أية تطورات إيجابية أو مبادرات في تطور هذه العلاقة، على حد وصف المراقبين.

ويذهب فريق من المراقبين إلى القول إن الولايات المتحدة أصبحت بعد 11 أيلول "مرحلة المُراجعة" (Revisionist) خاصة في ما يتعلق بمواقفها في الشرق الأوسط، غير أن وضعية المراجعة هذه لا تزال موضع جدل حاد في أوساط النخبة الأميركية الحاكمة أو القريبة من صناعة القرار.

ويوجد شبه إجماع بين المراقبين على أن حرب الدائرة العراق أدت إلى حدوث زلزال حقيقي في المنطقة العربية، وأن نتائجه ستظل تتواصل إلى حد التهديد بإطاحة الكثير من المؤسسات وربما الأنظمة، لكن ما يعرف بـ"النظام العربي" سيتصدر لائحة ضحايا الوضع الجديد الذي تعول عليه واشنطن لإحداث التغيير المنشود في المنطقة العربية برمتها، ضمن عملية إدماج الشرق الأوسط في النظام العالمي، بعد أن أثبتت تفجيرات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) أنه كلما زاد إهمال العرب وتهميشهم، كلما تفاقم خطرهم على الأمنين الأميركي والعالمي، وقد اتضحت الآن أولى بوادر هذا التغيير بينما الحالة العراقية لم تزل في أولى مراحلها التي قد تطول أو تقصر وفق ما تسفر عنه المفاجآت التي يحملها المستقبل القريب.

وكانت "مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة"، وهي مركز دراسات معتبر الرأي في دوائر صنع القرار الأميركي، قد نشرت مؤخراً دراسة مهمة حملت عنوان "التعامل مع دول تتهاوى: استراتيجية موازين القوى الغربية للهلال الخصيب"، دارت أفكارها حول المحاور التالية:

ـ أن مستقبل العراق الجديد سيترك آثاراً عميقة على كل موازين القوى في الشرق الأوسط، فالمعركة لإعادة تعريف هذا البلد والسيطرة عليه، هي بالضرورة جزء من معركة كبرى لتغيير خارطة وموازين القوى في المنطقة على المدى البعيد.

ـ أن البعثية مثل الشيوعية، باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهنا تثور إشكالية عما إذا كانت واشنطن ستدشن استراتيجية للحد من الفوضى التي يمكن أن يخلفها هذا الانهيار، وهي بتقدير باحثي المركز المذكور استراتيجية تتطلب من الولايات المتحدة التخلي عما أسمته السياسات التقليدية للتسوية العربية – الإسرائيلية الشاملة، وذلك لصالح مفاهيم جديدة للهوية السياسية، وإعادة ضبط موازين القوى في الشرق الأوسط لصالح الوضع الجديد.

ـ أن الدول العربية مجرد كيانات مصطنعة، فسكان سورية والعراق، على سبيل المثال، يعرفون أنفسهم من خلال لافتات اجتماعية أخرى، كالعشائر والقبائل، بينما السلطة الوطنية الفلسطينية تحللت إلى قطاعات تحكمها، إما العشائر أو العائلات القوية أو القادة العسكريين المحليين، بينما الدولة في مصر هي الوحيدة في المنطقة التي تشكل فيها القبلية أو العشائرية دوراً يذكر، باعتبار أن عمر الدولة المركزية في مصر من عمر البلد ذاته.

*ايلاف-نبيل شرف الدين

التعليقات