حيرة اليسار الإسرائيلي ما بين الاحتلال والمقاومة بقلم:د.احمد الطيبي
حيرة اليسار الإسرائيلي ما بين الاحتلال والمقاومة بقلم:د.احمد الطيبي
أنعشت مظاهرة المائة وخمسين ألفا في ساحة اسحق رابين في تل ابيب «اليسار» الإسرائيلي وساهمت في رفع صوته الخافت عبر سنوات من الإذناب لسياسات ارييل شارون العدوانية واليمينية المتطرفة وخلقت صورة بان هناك شارون واليمين الإسرائيلي من جهة واليسار الإسرائيلي وقائده شيمعون بيريس وربما يوسي بيلين من جهة أخرى; يؤيد الأول استمرار الاحتلال ويعارضه الثاني. لكن الحقيقة هي أن هذه القراءة هي قراءة غير صحيحة للواقع الإسرائيلي.
هذه المظاهرة التي تم الترتيب لها غداة فشل شارون «ومشروع الانفصال» (أي اسم هذا الذي يراد منه القول إن إسرائيل تنفصل عن شيء يعود لها وكأنه عضو من جسمها!) في استفتاء الليكود. ثم استمدت «دعما» وثقة بضرورة صيرورتها من عمليات المقاومة في حي الزيتون وفي رفح، وهي العمليات التي أثارت نقاشاً حاداً وهاماً داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى «الحضور» في قطاع غزة.
هدف المظاهرة أصلاً كان القول للجمهور الإسرائيلي إن الليكود يجافي رغبة الغالبية الإسرائيلية الصامتة (والتي لم تعد صامتة) بالانسحاب من غزة وتوفير الدم الإسرائيلي. إذن فالأجندة التي يحملها هذا «اليسار» الإسرائيلي ليست واضحة: هل هي ضد الاحتلال؟ أو هل هي مع مشروع الانفصال عن غزة أم هل هي المطالبة بالمفاوضات مجدداً مع القيادة الفلسطينية أم أنها تتبنى موقف شارون (وايهود باراك من قبله) بأنه «لا يوجد شريك فلسطيني؟»
الحقيقة أن هذه المظاهرة ليست ضد شارون، لقد بات اليسار الإسرائيلي يتبنى اخطر المقولات الشارونية والمفترقات الرئيسية في سياساته وعلى رأسها غياب الشريك الفلسطيني وتحديداً رفض التفاوض مع القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس ياسر عرفات. فإلغاء الشريك هو إلغاء للهوية والشخصية الفلسطينية المستقلة، إلغاء للطموح ومحاولة لرفض واقع اقتلاعي وكولونيالي ينتهي بحل انهزامي. وفي هذا فان موقف قيادة ورموز هذا اليسار هو أكثر محافظة من موقف الجمهور الذي شارك في هذه المظاهرة. فغالبية هذا الجمهور تقبل العودة إلى مسار التفاوض مع السلطة الوطنية الفلسطينية وكذلك مع عرفات نفسه ولكن ليس هذا هو موقف بيريس أو يوسي ساريد (على الأقل حتى الآن). وكيف إذن نفسر توجه منظمي المظاهرة إلى الجنود رافضي الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة بألا يشاركوا في هذه المظاهرة؟ هل هذا هو موقف من يسعى إلى إنهاء الاحتلال أم هو موقف المتقارب مع شارون وسياساته؟
الرسالة التي تخرج من المجتمع الإسرائيلي الذي أغرقته عمليات المقاومة الأخيرة في نقاش متخبط هي أنه يريد الخروج من غزة فوراً كما حصل في لبنان بواسطة منظمة «أربع أمهات» التي قادت حركة جماهيرية شجاعة دفعت باراك والحكومة الإسرائيلية آنذاك إلى الانسحاب من لبنان من طرف واحد. عمليات المقاومة ضد الآليات العسكرية وأفراد الجيش هي التي أشاعت هذا النوع من الجدل الداخلي الذي غاب عن الساحة الإسرائيلية خلال كل سنوات الانتفاضة، وذلك بفضل التأثير السلبي للعمليات التي استهدفت المدنيين في الحافلات والمطاعم داخل الخط الأخضر. تلك العمليات أدت إلى التفاف الإسرائيليين حول شارون، بينما هذه العمليات العسكرية أدت إلى تأليب الإسرائيليين ضد شارون.
إن ما يجري اليوم في «قطاع غزة» واضح للعالم اجمع: طرف واحد يقتل المدنيين في حي الزيتون ورفح وهو جيش الاحتلال وطرف مقاوم يستهدف الجنود داخل اراض محتلة. وهذه الصورة لا تغيب حتى عن عقل المواطن الإسرائيلي الذي لم نسمعه يصف عمليات المقاومة هذه بأنها «إرهابية» (اللهم سوى بعض المراسلين العسكريين الإسرائيليين الذين وصفوا المقاومين الفلسطينيين بـ«المخربين» لأنهم تعودوا أن يكونوا أبواقاً للجيش وأجهزة الأمن).
لقد أصيب جيش الاحتلال الإسرائيلي في صميم هيبته وقوة ردعه في الأيام الأخيرة في غزة، ولذلك فهو يقوم بردة فعل انتقامية يقودها كل من شاؤول موفاز وزير الأمن وموشيه يعلون رئيس الأركان ودان هارئيل قائد المنطقة الجنوبية، وفي هذا الإطار يجب أن نرى محاولة اغتيال د. محمد الهندي الغرائزية والإجرامية. وفي هذا الإطار يجب أن نرى عمليات هدم المنازل وتشريد الناس (متزامنة مع الذكرى الـ56 للنكبة!) في رفح وقطع الكهرباء والماء ومنع الناس من حرية الحركة في
«الزيتون» وسائر أنحاء قطاع غزة. وأمام كل ذلك تأتي هذه المظاهرة برسالتها الأساسية: «الانفصال من غزة» وهو ما أراد أن يسمعه شارون وايهود اولمرت تماماً. إنها نقطة الالتقاء بين هذا النوع من «اليسار» الضعيف والتردد وبين سياسات شارون وأهدافه.
نريد من اليسار الإسرائيلي الذي قاد ونظم هذه المظاهرة (من دون أن يتعاون مع الجماهير العربية داخل إسرائيل لأنه أرادها مظاهرة يهودية نظيفة!) أن يميز نفسه عن شارون وسياساته التي لا يمكن إلا أن تستمر في جلب الكوارث.
إنها حكومة الدماء الممعنة في تكريس الاحتلال وهو، أي الاحتلال، «الهدف» الذي يجب أن ينقض عليه « اليسار».. وكل من يرى نفسه مناوئاً لسياسات شارون.. الاحتلال كله للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية كما هو في قطاع غزة.. نريد أن يميز نفسه عن شارون في المطالبة بالحوار مع الجانب الفلسطيني الذي يملك الحق بل الواجب في مقاومة الاحتلال ومن أجل أن يسقطوا إيحاءات شارون إلى الإسرائيليين بأنه الوحيد القادر على إعطائهم الأمن والاستقرار من دون سلام ومن دون اتفاق وذلك عبر مشروعه للانفصال عن غزة ( وتكريس الاحتلال في الضفة الفلسطينية المحتلة).
بالرغم من كل ذلك، حسناًَ أن هذه المظاهرة حصلت لأن الصوت الخافت لـ«اليسار» بدأ يعلو ولكن على اليسار الإسرائيلي أن يدرك لكي يدرك جمهوره وسائر الإسرائيليين أن شارون يريد أن ينفصل عن الإنسان الفلسطيني دون الانفصال عن أرضه. يريد أن ينفصل عن غزة دون أن ينفصل عن احتلالها. فكيف إذن يطلبون من المقاومة أن تتوقف عن نضالها؟
*خاص بدنيا الوطن
أنعشت مظاهرة المائة وخمسين ألفا في ساحة اسحق رابين في تل ابيب «اليسار» الإسرائيلي وساهمت في رفع صوته الخافت عبر سنوات من الإذناب لسياسات ارييل شارون العدوانية واليمينية المتطرفة وخلقت صورة بان هناك شارون واليمين الإسرائيلي من جهة واليسار الإسرائيلي وقائده شيمعون بيريس وربما يوسي بيلين من جهة أخرى; يؤيد الأول استمرار الاحتلال ويعارضه الثاني. لكن الحقيقة هي أن هذه القراءة هي قراءة غير صحيحة للواقع الإسرائيلي.
هذه المظاهرة التي تم الترتيب لها غداة فشل شارون «ومشروع الانفصال» (أي اسم هذا الذي يراد منه القول إن إسرائيل تنفصل عن شيء يعود لها وكأنه عضو من جسمها!) في استفتاء الليكود. ثم استمدت «دعما» وثقة بضرورة صيرورتها من عمليات المقاومة في حي الزيتون وفي رفح، وهي العمليات التي أثارت نقاشاً حاداً وهاماً داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى «الحضور» في قطاع غزة.
هدف المظاهرة أصلاً كان القول للجمهور الإسرائيلي إن الليكود يجافي رغبة الغالبية الإسرائيلية الصامتة (والتي لم تعد صامتة) بالانسحاب من غزة وتوفير الدم الإسرائيلي. إذن فالأجندة التي يحملها هذا «اليسار» الإسرائيلي ليست واضحة: هل هي ضد الاحتلال؟ أو هل هي مع مشروع الانفصال عن غزة أم هل هي المطالبة بالمفاوضات مجدداً مع القيادة الفلسطينية أم أنها تتبنى موقف شارون (وايهود باراك من قبله) بأنه «لا يوجد شريك فلسطيني؟»
الحقيقة أن هذه المظاهرة ليست ضد شارون، لقد بات اليسار الإسرائيلي يتبنى اخطر المقولات الشارونية والمفترقات الرئيسية في سياساته وعلى رأسها غياب الشريك الفلسطيني وتحديداً رفض التفاوض مع القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس ياسر عرفات. فإلغاء الشريك هو إلغاء للهوية والشخصية الفلسطينية المستقلة، إلغاء للطموح ومحاولة لرفض واقع اقتلاعي وكولونيالي ينتهي بحل انهزامي. وفي هذا فان موقف قيادة ورموز هذا اليسار هو أكثر محافظة من موقف الجمهور الذي شارك في هذه المظاهرة. فغالبية هذا الجمهور تقبل العودة إلى مسار التفاوض مع السلطة الوطنية الفلسطينية وكذلك مع عرفات نفسه ولكن ليس هذا هو موقف بيريس أو يوسي ساريد (على الأقل حتى الآن). وكيف إذن نفسر توجه منظمي المظاهرة إلى الجنود رافضي الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة بألا يشاركوا في هذه المظاهرة؟ هل هذا هو موقف من يسعى إلى إنهاء الاحتلال أم هو موقف المتقارب مع شارون وسياساته؟
الرسالة التي تخرج من المجتمع الإسرائيلي الذي أغرقته عمليات المقاومة الأخيرة في نقاش متخبط هي أنه يريد الخروج من غزة فوراً كما حصل في لبنان بواسطة منظمة «أربع أمهات» التي قادت حركة جماهيرية شجاعة دفعت باراك والحكومة الإسرائيلية آنذاك إلى الانسحاب من لبنان من طرف واحد. عمليات المقاومة ضد الآليات العسكرية وأفراد الجيش هي التي أشاعت هذا النوع من الجدل الداخلي الذي غاب عن الساحة الإسرائيلية خلال كل سنوات الانتفاضة، وذلك بفضل التأثير السلبي للعمليات التي استهدفت المدنيين في الحافلات والمطاعم داخل الخط الأخضر. تلك العمليات أدت إلى التفاف الإسرائيليين حول شارون، بينما هذه العمليات العسكرية أدت إلى تأليب الإسرائيليين ضد شارون.
إن ما يجري اليوم في «قطاع غزة» واضح للعالم اجمع: طرف واحد يقتل المدنيين في حي الزيتون ورفح وهو جيش الاحتلال وطرف مقاوم يستهدف الجنود داخل اراض محتلة. وهذه الصورة لا تغيب حتى عن عقل المواطن الإسرائيلي الذي لم نسمعه يصف عمليات المقاومة هذه بأنها «إرهابية» (اللهم سوى بعض المراسلين العسكريين الإسرائيليين الذين وصفوا المقاومين الفلسطينيين بـ«المخربين» لأنهم تعودوا أن يكونوا أبواقاً للجيش وأجهزة الأمن).
لقد أصيب جيش الاحتلال الإسرائيلي في صميم هيبته وقوة ردعه في الأيام الأخيرة في غزة، ولذلك فهو يقوم بردة فعل انتقامية يقودها كل من شاؤول موفاز وزير الأمن وموشيه يعلون رئيس الأركان ودان هارئيل قائد المنطقة الجنوبية، وفي هذا الإطار يجب أن نرى محاولة اغتيال د. محمد الهندي الغرائزية والإجرامية. وفي هذا الإطار يجب أن نرى عمليات هدم المنازل وتشريد الناس (متزامنة مع الذكرى الـ56 للنكبة!) في رفح وقطع الكهرباء والماء ومنع الناس من حرية الحركة في
«الزيتون» وسائر أنحاء قطاع غزة. وأمام كل ذلك تأتي هذه المظاهرة برسالتها الأساسية: «الانفصال من غزة» وهو ما أراد أن يسمعه شارون وايهود اولمرت تماماً. إنها نقطة الالتقاء بين هذا النوع من «اليسار» الضعيف والتردد وبين سياسات شارون وأهدافه.
نريد من اليسار الإسرائيلي الذي قاد ونظم هذه المظاهرة (من دون أن يتعاون مع الجماهير العربية داخل إسرائيل لأنه أرادها مظاهرة يهودية نظيفة!) أن يميز نفسه عن شارون وسياساته التي لا يمكن إلا أن تستمر في جلب الكوارث.
إنها حكومة الدماء الممعنة في تكريس الاحتلال وهو، أي الاحتلال، «الهدف» الذي يجب أن ينقض عليه « اليسار».. وكل من يرى نفسه مناوئاً لسياسات شارون.. الاحتلال كله للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية كما هو في قطاع غزة.. نريد أن يميز نفسه عن شارون في المطالبة بالحوار مع الجانب الفلسطيني الذي يملك الحق بل الواجب في مقاومة الاحتلال ومن أجل أن يسقطوا إيحاءات شارون إلى الإسرائيليين بأنه الوحيد القادر على إعطائهم الأمن والاستقرار من دون سلام ومن دون اتفاق وذلك عبر مشروعه للانفصال عن غزة ( وتكريس الاحتلال في الضفة الفلسطينية المحتلة).
بالرغم من كل ذلك، حسناًَ أن هذه المظاهرة حصلت لأن الصوت الخافت لـ«اليسار» بدأ يعلو ولكن على اليسار الإسرائيلي أن يدرك لكي يدرك جمهوره وسائر الإسرائيليين أن شارون يريد أن ينفصل عن الإنسان الفلسطيني دون الانفصال عن أرضه. يريد أن ينفصل عن غزة دون أن ينفصل عن احتلالها. فكيف إذن يطلبون من المقاومة أن تتوقف عن نضالها؟
*خاص بدنيا الوطن

التعليقات