العراق معركة لا تقدر الولايات المتحدة على خسارتها

العراق

معركة لا تقدر الولايات المتحدة على خسارتها

DONG FANG SHAO

في الاول من أيار العام الماضي ، استقل الرئيس الامريكي بوش طائرته الخاصة متوجها الى حاملة الطائرات الامريكية "Lincoln" التي عادت مؤخرا من منطقة الخليج ليعلن من على متنها باسلوب عنجهي انتهاء الحرب العراقية .. الا اننا نرى اليوم ، ونحن في ذكراها السنوية الاولى ، ان سعير الحرب ونيران المدافع تغطي مناطق كثيرة من الاراضي العراقية : فالمواجهة المباشرة بين القوات الامريكية وقوات المعارضة في الفالوجا على اوجها ؛ والنزاع بين الزعيم الشيعي - الصدر والقوات الامريكية لم يحل بعد ؛ بينما حوادث احتجاز الرهائن اصبحت شائعة في كل المناطق العراقية ؛ يحدث كل ذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه عمليات التفجير الموقوتة والهجمات المفاجئة ضد القوات البريطانية وقوات التحالف الاخرى . ان اسلوب كسر العظام هذا قد انهك القوات الامريكية وانزل فيها خسائر جسيمة في الارواح .. والاكثر من ذلك هو حدوث بوادر انهيار مبكر لما يسمى بـ " حلف التطوع " الذي أنشأته الولايات المتحدة : فقد اعلنت كل من اسبانيا وهندوراس وغيرهما من دول الحلف عن عزمها على سحب قواتها من العراق ؛ بينما تقف بولندا وتايلاند وكوريا الجنوبية موقف المتردد ؛ وهناك العديد من الدول المعنية تعيش حالة من التخبط بين التقدم والتراجع لما تواجهه من ضغوط سياسية داخلية كبيرة لجانب الاوضاع الخطيرة التي يعيشها العراق . هناك الكثير من يجزم بأن العراق سيصبح فيتناما اخرى بالنسبة للولايات المتحدة ...

فكيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذا الوضع الخطير أصبح سؤالا عاما : الانسحاب ام التنسيق الجيد مع المعارضة العراقية ؟ استمرار التشدق بنزعة التفرد أم العودة الى شكل من اشكال التعددية ؟ في الواقع ان طبيعة الاجوبة على هذه الاسئلة ليس مهما كثيرا بالنسبة للولايات المتحدة ، بمقدار اهمية ان يكون الجواب واحدا فقط ، الا وهو ضرورة تحقيق نصرا شاملا في الحرب العراقية . وذلك يعود ، بكل بساطة ، الى ان الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل خسارة هذه الحرب :

أولا : الحرب العراقية بالنسبة للولايات المتحدة هي اول عمل اختباري ( تدشيني ) تقوم به الولايات المتحدة لاسترتيجيتها الامنية القائمة على " المبادرة في الهجوم " بعد تحديدها ، لذا فان امكانية تحقيق هذه الاستراتيجية لدرء وازالة الاخطار الكامنة بشكل فعال ، وامكانية قبول واعتراف المجتمع الدولي بها ، له علاقة كبيرة ومباشرة جدا بالاوضاع النهاية التي ستستقر عليها العراق .

ثانيا : الحرب العراقية بالنسبة للولايات المتحدة هي حرب تهدف الى وضع الاسس المتينة لاجتثاث منبع الارهاب في منطقة الشرق الاوسط ، ودفع عملية " الديمقراطية " في المنطقة . فالولايات المتحدة ترى بان " الدول المهزومة " و " سياسة الاستبداد " هي اساس تعميم نزعة التطرف في منطقة الشرق الاوسط ، واهم اسباب تفشي الارهاب فيها ، ففي تعميمها لسياسة " الحرية " و " الديمقراطية " فقط يمكن ازالة الارهاب واجتثاثه من جذوره . يؤمنون الامريكان بأن سقوط اول ورقة من اوراق لعبة دينيمو نزعة الاستبداد في المنطقة ، سيصبح العراق نموذجا فعالا تحتذي به الدول التي تحاول اقامة ما يسمى بـ " النظم الديمقراطية " .

ثالثا : ان مستقبل العراق يمكن ان يحدد مستقبل ادارة بوش يمينا او يسارا . فمسألة المعلومات الاستخبارية التي سبقت حادثة الحادي عشر من سبتمبر كانت امتحانا لمدى مصداقية ادارة بوش وقدرتها على ادارة السلطة ، ففي حال ما شهدت الاوضاع في العراق تدهورا وتراجعا اكثر ، سيدفع بعامة الشعب الى التساؤل بمدى سلامة وصحة سياسة ادارة بوش في العراق ، وحتى سيذهب بهم الامر الى التشكيك في ضرورة هذه الحرب وشرعيتها . فالانتخابات الرئاسية في امريكا اصبحت على الابواب ، والرئيس بوش الذي سبق وان حصل على شهرة وسمعة عاليتين جدا في مكافحة الارهاب ، سيتعرض الى امكانية ان تؤدي حرب " مكافحة الارهاب " في العراق الى طرده من البيت الابيض .

واخيرا ، العراق نفسه يتمتع بمكانة عالية جدا ، فبكسب العراق يمكن للولايات المتحدة كسب الاستقرار في كل المنطقة وقيادتها لشؤن الشرق الاوسط ، بينما العراق المضطرب يمكن ان يدخل المنطقة باسرها الى مستنقع من الاضطرابات ..

مما سبق يمكن ان نرى بان الخيارات السياسية المطروحة امام الولايات المتحدة في العراق محدودة جدا .. في الواقع ، اننا اذا استعرضنا وقائع المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس بوش في الثالث عشر من ابريل / نيسان الماضي في البيت الابيض ، وتفحصنا قليلا البيانات والخطابات والمواقف التي عبر عنها في الفترة الاخيرة كل من رومسفيلد وباول وليزا وغيرهم من المسؤولين الاميركيين الكبار ، يمكننا ان نرى وبكل وضوح بان الولايات المتحدة لم تبق لنفسها اي خيار اّخر سوى الاستمرار في السياسة التي تنتهجها حاليا ..

العراق الاّن يعيش وضعا صعبا للغاية ، والهجمات العراقية بدأت تأخذ طبيعة شعبية تدريجيا ، واصبح المغناطيس الذي يجتذب القوى المتطرفة والقوى المناهضة للولايات المتحدة في العالم الاسلامي .. كما ان تشكيل حكومة عراقية واسعة التمثيل في الوقت القريب عاد حلما صعب التحقيق ، وان امكانية لعب هيئة الامم المتحدة لدور مقرر في العريق اصبح ضعيفا جدا ..

وامام هكذا وضع شديد التعقيد ، لم يعد للولايات المتحدة الا خيار التراجع وتقديم التنازلات ، واما زج نفسها اكثر فأكثر في هذه الحرب وارسال المزيد من التعزيزات العسكرية ، وعند ذلك فان احتمال ان يصبح العراق فيتناما ثانية لامريكا هو احتمال موضوعي قائم ، اما بالنسبة لبوش فسيصبح العراق " Waterloo " ( معركة واترلو حيث هزم نابليون عام 1815 ) ..

المصدر : مجلة THE CONTEMPORARY WORLD الصينية العدد الخامس 2004

*المركز العربي للمعلومات

*خاص بدنيا الوطن

التعليقات