المخابرات الامريكية انفقت مليون دولار على اول مخبر في القاعدة
المخابرات الامريكية انفقت مليون دولار على اول مخبر في القاعدة
غزة-دنيا الوطن
كان انقلابا مثيرا: في اواخر التسعينات جلس المدعون الفيدراليون الاميركيون للتحقيق مع اول مرشد ضد «القاعدة»، وهو جمال أحمد الفضل، الذي كان مديرا سابقا لدى اسامة بن لادن وسيصبح شاهد الاثبات الاول في اول محاكمة لنشطاء القاعدة.
ولكن وقع أمر مثير: فلمدة عامين، وحتى في الوقت الذي كان الفضل تحت حماية برنامج حماية الشهود الفيدرالي، حيث يوضع في أماكن غير معروفة ويتصل معه عبر شبكة الفيديو، عبر خط هاتفي خاص، تم تسجيل العديد من هذه المحادثات على اشرطة فيديو.
وذكرت الحكومة الاميركية ان اشرطة الفيديو التي سجلها شخص ما في هيئة المارشال الفيدرالية واكتشفت في عام 2002 من قبل المدعين ومكتب المباحث الفيدرالي، تنتهك الممارسات المعروفة وطبيعة حماية الشهود. ولا يتم تسجيل تلك المحادثات لأنها يمكن ان تكشف عن أدلة خطيرة حول هوية وموقع المرشد ـ ولا سيما لشخص مثل الفضل، الذي لم يلحق به أي ضرر، وربما يطلب منه الادلاء بشهادته في قضايا إرهابية.
وقد أدت اشرطة الفيديو التي يصل زمنها الى 28 ساعة الى تعقيد قضية الحكومة ضد اربعة اشخاص ساهم الفضل في إدانتهم بالتآمر في نسف السفارتين الاميركيتين في شرق افريقيا عام 1998 وغيرها من الاعمال الارهابية، إذ بعدما علم المدعون بوجود الاشرطة، بعد اشهر من القضية، قدموا الى الدفاع 647 صفحة من النصوص طبقا لأوامر سرية متشددة. ويطالب فريق محامي الدفاع بمحاكمة جديدة، مشيرا في طلبات قدمت هذا الاسبوع الى المحكمة الفيدرالية في مانهاتن انه كان من المفروض الكشف عن مثل هذه الاشرطة مبكرا وانها كانت من الممكن ان تساعدهم على اضعاف الثقة في شهادته، وهو الامر الذي يرفضه الادعاء.
ولكن بغض النظر عمن يفوز في مثل هذا الجدل القانوني، فإن النصوص ـ الموجودة في أوراق الدفاع ـ تكشف عن تعاملات الحكومة المعقدة والدقيقة مع شاهد العيان الرئيسي في الحرب على الارهاب قبل 11 سبتمبر (ايلول).
وبالرغم من ان الحكومة تقدم عادة الى الدفاع ملخصات لأحاديثها مع الشهود، فإنه من غير المفضل تقديم النصوص الكاملة للشهادة لأن التفاصيل ربما تسمح لمحامي الدفاع بالإشارة الى ان الشاهد قد فصّل شهادته للحصول على معاملة تفضيلية.
وتؤكد مقتطفات النصوص من الشهادة على مدى أهمية الفضل للحكومة. والفضل سوداني في الاربعينات من عمره، سلم نفسه للحكومة الاميركية. كما تكشف ان الحكومة استخدمته لاستدراج قريب له ناشط في «القاعدة»، وهو تصرف أشار الفضل بسخرية مريرة الى انه سيتسبب في «مشكلة كبيرة» في الاسرة. وفي الوقت الذي كان المسؤولون يضغطون عليه لمساعدتهم كان يضغط عليهم بالمقابل، ويطلب منهم إصلاح سيارته، وشراء منزل ومنحة مبالغ من المال له ولوالديه في السودان. وأصبح من الواضح ان السلطات تحملت مسؤولية ليس الشاهد فقط، بل أسرته بأكملها. فقد أظهرت الشهادة في المحاكمة ان الحكومة انفقت مليون دولار تقريبا على الفضل واقاربه.
كما كان على السلطات مهمة التعامل مع المرشد الذي استثمروا فيه الكثير من الجهد والوقت. ويمكن ملاحظة، من المقتطفات المقدمة للمحكمة، محاولتهم طمأنة الفضل وإرضاء غروره لزيادة ثقته بنفسه، وتقليل مخاوفه من انه سيستغل ويتم التخلي عنه. ومع مرور الوقت كان الفضل يحتاج إلى إغراء أقل، وشعر بالفخر للقيام بدور تاريخي.
وتجدر الاشارة الى ان الفضل الذي عمل في مكتب بن لادن ونفذ العديد من المهام له في انحاء العالم، كان شاهدا له علاقات جيدة ضد القاعدة.
وكان من اوائل أعضاء «القاعدة» عندما اقسم بالولاء في حوالي عام 1990، وكان يحظى بثقة بن لادن التي شملت مساعدته في إدارة المرتبات، كما كشفت الشهادة. فقد كان الفضل يتمتع بحق الحصول على ملفات كل من أعضاء المجموعة، ويعرف أسماءهم الكودية وتفاصيل شبكة بن لادن المالية. وقد حصل علي معلومات دقيقة عن أعمال بن لادن، التي ذكر المدعون انها كانت واجهة للارهاب. وتمكن من وصف كيف استخدمت القاعدة جوزات سفر مزورة، وهربت الأسلحة وحاولت شراء مكونات للاسلحة النووية.
وفي عام 1996 هرب الفضل من المنظمة بعدما اختلس 110 آلاف دولار من واحدة من شركات بن لادن، وتوجه الى سفارة أميركية في أفريقيا وعرض عليهم خدماته في الحرب ضد «القاعدة». وقد اعترف بذنبه بتهمة التآمر في محكمة مغلقة في عام 1997، وكان المدعون يشيرون، الى انه ادلى بشهادته في أوراق المحكمة باسم «سي إس ـ 1».
وفي فبراير (شباط) 2001 قدم الفضل، الذي كان يرتدي طاقية وجينزا وقميصا، في محكمة مانهاتن ليبدأ عدة أيام من الشهادة ضد أربعة متهمين في بنسف سفارتي الولايات المتحدة في شرق أفريقيا. وهو الهجوم الذي أدى الى مقتل 200 شخص، وبقتل 18 جنديا اميركيا في الصومال 1993 .
ولكن بالرغم من السرية وإجراءات الامن المحيطة به ـ منعت المحكمة الرسامين من رسم صورته ـ لمدة عامين ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2000، ذكرت الحكومة ان أشرطة الفيديو سجلت اجتماعاته مع المدعين وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ولم تذكر الحكومة من الذي سجل الاشرطة ولماذا. ولكن مدير برنامج حماية الشهود ستيفن تكاش، ذكر في شهادة مكتوبة ان التحقيقات نتيجة «قرار مستقل من واحد او اثنين من هيئة المارشالات». وقال ان الهيئة التي تشرف على برنامج حماية الشهود، لم تعثر على أي اشرطة فيديو مسجلة لأي شاهد آخر. وقالت الحكومة في اوراق القضية ان التسجيلات في هذه القضية غير عادية. واضافت الحكومة ان مدير برنامج حماية الشهود نفسه لم يكن على علم بأن الاجتماعات كانت تسجل قبل ان يبلغه المدعون ذلك.
وتجدر الاشارة الى ان حماية الشهود قضية في غاية الحساسية عندما يكون الشاهد من المجرمين او من المرشدين في السجون، ولكن عندما يتعلق الامر بأجنبي مع أسرة وأصدقاء وأعداء في جميع انحاء العالم يمكن ان يصبح الامر في غاية التعقيد. وفي وقت سابق، علق مسؤول بأن ما حدث يعتبر «معجزة صغيرة»، إذ تمكنت الحكومة الاميركية من إخراج زوجة فضل وأطفاله من السودان وقت كانت فيه العلاقات بين البلدين متوترة، وكان السودان مدرجا في قائمة وزارة الخارجية الاميركية الخاصة بالدول الراعية للارهاب. (لم تكشف بصورة عامة هوية مسؤولي الحكومة الاميركية، لكنهم في غالبية الحالات إما عملاء بمكتب المباحث الفيدرالي أو مدعين).
ولكن بعد مضي الحكومة في خطوات كبيرة في ترحيل أسرة فضل كانت هناك مخاوف من احتمال ان تسعى زوجته للعودة الى السودان، إلا ان مسؤولا طمأن الفضل الى ان زوجته اذا قررت تركه والعودة الى السودان، فإن مكتب المباحث الفيدرالي سيقنعها بالعدول عن هذا القرار. شكا فضل في وقت آخر من ان زوجته تشعر بالغضب بسبب تهديد عميل لمكتب المباحث الفيدرالي يدعى «كيفين» بحدوث نتائج لا تحمد عقباها في حال اتخاذها قرارا بالعودة الى السودان. وقال فضل بلغة انجليزية ركيكة ان العميل المذكور قال لزوجته انها إذا قررت السفر الى السودان فإنه سيضع زوجها في السجن وينقلها هي الى سجن تابع لإدارة الهجرة وينقل أطفالهما الى أسرة أميركية.
إلا ان مسؤولا أميركيا حاول إقناع فضل بأن ذلك لا يعدو كونه «سوء فهم كامل» لما قيل، مؤكدا له ان لا أحد يملك الحق في اختيار شخص ووضعه في سجن خاص بادارة الهجرة وأن لا أحد يمكن ان يأخذ أطفالهما ويسلمهم الى أسرة أميركية. وظهرت مخاوف تتعلق بالأسرة مرة اخرى، عندما كان المسؤولون بصدد استغلال فضل في استدراج ناشط آخر في «القاعدة» داخل السودان هو محمد سليمان، إذ تجمع بين الاثنين صلة مصاهرة. إلا ان فضل خاف من احتمال ان يتصل محمد سليمان بأعضاء أسرته من داخل السجن ويلقي عليه باللائمة. وقال فضل في هذا السياق: «جمال أرسل لي التذاكر... وفعل كل شيء. هذه ستكون مشكلة كبيرة بين أسرته وأسرتي».
اتصل فضل في نهاية الامر بمحمد سليمان واستطاع إقناعه بعد عدة محادثات بالسفر الى كينيا حيث وقع في قبضة ضباط مكتب المباحث الفيدرالي، حسبما اشارت أوراق الدفاع. وفي نهاية الامر لم يكن لدى فضل سبب وجيه للشعور بالقلق ازاء رد فعل قريبه محمد سليمان، إذ ان الاخير اعترف بالذنب وحكمت عليه محكمة اميركية بالسجن عشر سنوات، بل انه وجه خطابا الى قاضي المحكمة دان فيه ما اقترفه من أفعال، وقال انه تلقى معاملة جيدة وتمنى في خطابه ان يبارك الله في النظام القضائي الاميركي والمحاكم الاميركية. الوطنية والمال: على الرغم من ان فضل اشاد بالاميركيين وقضيتهم، إلا ان محاميي الدفاع وصفاه بأنه انتهازي جشع، كما أشار الدفاع بصورة مكررة الى المال في بعض المقتطفات. فقد طلب فضل أموالا وطلب أيضا ان تأتي هذه الاموال مباشرة من المسؤولين الذين يعمل معهم. وقال فضل عبر مترجم طالبا من الحكومة الاميركية ان تكافئه «بأموال اكثر مما تخيل بسبب ما فعله من اجلهم». طلب فضل أيضا معرفة ما اذا كانت هناك امكانية لشراء منزل له ولأسرته، حتى اذا كان منزلا صغيرا. كما طلب أيضا إرسال أموال الى السودان الى والدته ولعلاج والده. وأشارت وثائق دفاع سلمها المحاميان جوشوا دراتيل وسام شميت الى ان الحكومة الاميركية وفرت مبلغ 3000 دولار لوالد فضل.
ردا على وثائق الدفاع قال مكتب المدعي العام بمانهاتن ان المقتطفات التي اشار اليها الدفاع عبارة عن قطع مجتزأة وفي بعض الاحيان انتزعت من سياقها وليست ذات أهمية قانونية. ويبدو ان الحكومة لم تعرض عن طلبات فضل المالية بسبب المخاطر التي عرض نفسه والقيمة الكبيرة لتعاونه مع السلطات. كان فضل خجولا احيانا في مطالبته بالمال وقال ان شعورا سيئا ينتابه عندما يطلب مالا، وأضاف انه يشعر في نفس الوقت بأن ما حدث يعتبر شيئا عظيما في حياته و«شيئا لتصحيح تاريخه»، على حد تعبيره. وقال ايضا انه كان يرغب في المساعدة في القضية. وما تزال السلطات تتعامل بحذر عندما يأتي الحديث حول ما اذا سيذهب فضل الى السجن، إلا ان المسؤولين يؤكدون ان القرار بهذا الشأن في يد القاضي. ولا يستبعد بعضهم ان يحكم عليه بالسجن. ولا يزال فضل بانتظار صدور الحكم، ولم يتضح أيضا اين يعيش ولا يعرف ما يخبئ له المستقبل، إلا ان الحكومة الاميركية أوضحت التزاماتها تجاهه: «لن ننساك عندما تنتهي القضية... واذا كان هناك شاهد واحد في هذا العالم لن ننساه، فإنه أنت».
«نيويورك تايمز»
غزة-دنيا الوطن
كان انقلابا مثيرا: في اواخر التسعينات جلس المدعون الفيدراليون الاميركيون للتحقيق مع اول مرشد ضد «القاعدة»، وهو جمال أحمد الفضل، الذي كان مديرا سابقا لدى اسامة بن لادن وسيصبح شاهد الاثبات الاول في اول محاكمة لنشطاء القاعدة.
ولكن وقع أمر مثير: فلمدة عامين، وحتى في الوقت الذي كان الفضل تحت حماية برنامج حماية الشهود الفيدرالي، حيث يوضع في أماكن غير معروفة ويتصل معه عبر شبكة الفيديو، عبر خط هاتفي خاص، تم تسجيل العديد من هذه المحادثات على اشرطة فيديو.
وذكرت الحكومة الاميركية ان اشرطة الفيديو التي سجلها شخص ما في هيئة المارشال الفيدرالية واكتشفت في عام 2002 من قبل المدعين ومكتب المباحث الفيدرالي، تنتهك الممارسات المعروفة وطبيعة حماية الشهود. ولا يتم تسجيل تلك المحادثات لأنها يمكن ان تكشف عن أدلة خطيرة حول هوية وموقع المرشد ـ ولا سيما لشخص مثل الفضل، الذي لم يلحق به أي ضرر، وربما يطلب منه الادلاء بشهادته في قضايا إرهابية.
وقد أدت اشرطة الفيديو التي يصل زمنها الى 28 ساعة الى تعقيد قضية الحكومة ضد اربعة اشخاص ساهم الفضل في إدانتهم بالتآمر في نسف السفارتين الاميركيتين في شرق افريقيا عام 1998 وغيرها من الاعمال الارهابية، إذ بعدما علم المدعون بوجود الاشرطة، بعد اشهر من القضية، قدموا الى الدفاع 647 صفحة من النصوص طبقا لأوامر سرية متشددة. ويطالب فريق محامي الدفاع بمحاكمة جديدة، مشيرا في طلبات قدمت هذا الاسبوع الى المحكمة الفيدرالية في مانهاتن انه كان من المفروض الكشف عن مثل هذه الاشرطة مبكرا وانها كانت من الممكن ان تساعدهم على اضعاف الثقة في شهادته، وهو الامر الذي يرفضه الادعاء.
ولكن بغض النظر عمن يفوز في مثل هذا الجدل القانوني، فإن النصوص ـ الموجودة في أوراق الدفاع ـ تكشف عن تعاملات الحكومة المعقدة والدقيقة مع شاهد العيان الرئيسي في الحرب على الارهاب قبل 11 سبتمبر (ايلول).
وبالرغم من ان الحكومة تقدم عادة الى الدفاع ملخصات لأحاديثها مع الشهود، فإنه من غير المفضل تقديم النصوص الكاملة للشهادة لأن التفاصيل ربما تسمح لمحامي الدفاع بالإشارة الى ان الشاهد قد فصّل شهادته للحصول على معاملة تفضيلية.
وتؤكد مقتطفات النصوص من الشهادة على مدى أهمية الفضل للحكومة. والفضل سوداني في الاربعينات من عمره، سلم نفسه للحكومة الاميركية. كما تكشف ان الحكومة استخدمته لاستدراج قريب له ناشط في «القاعدة»، وهو تصرف أشار الفضل بسخرية مريرة الى انه سيتسبب في «مشكلة كبيرة» في الاسرة. وفي الوقت الذي كان المسؤولون يضغطون عليه لمساعدتهم كان يضغط عليهم بالمقابل، ويطلب منهم إصلاح سيارته، وشراء منزل ومنحة مبالغ من المال له ولوالديه في السودان. وأصبح من الواضح ان السلطات تحملت مسؤولية ليس الشاهد فقط، بل أسرته بأكملها. فقد أظهرت الشهادة في المحاكمة ان الحكومة انفقت مليون دولار تقريبا على الفضل واقاربه.
كما كان على السلطات مهمة التعامل مع المرشد الذي استثمروا فيه الكثير من الجهد والوقت. ويمكن ملاحظة، من المقتطفات المقدمة للمحكمة، محاولتهم طمأنة الفضل وإرضاء غروره لزيادة ثقته بنفسه، وتقليل مخاوفه من انه سيستغل ويتم التخلي عنه. ومع مرور الوقت كان الفضل يحتاج إلى إغراء أقل، وشعر بالفخر للقيام بدور تاريخي.
وتجدر الاشارة الى ان الفضل الذي عمل في مكتب بن لادن ونفذ العديد من المهام له في انحاء العالم، كان شاهدا له علاقات جيدة ضد القاعدة.
وكان من اوائل أعضاء «القاعدة» عندما اقسم بالولاء في حوالي عام 1990، وكان يحظى بثقة بن لادن التي شملت مساعدته في إدارة المرتبات، كما كشفت الشهادة. فقد كان الفضل يتمتع بحق الحصول على ملفات كل من أعضاء المجموعة، ويعرف أسماءهم الكودية وتفاصيل شبكة بن لادن المالية. وقد حصل علي معلومات دقيقة عن أعمال بن لادن، التي ذكر المدعون انها كانت واجهة للارهاب. وتمكن من وصف كيف استخدمت القاعدة جوزات سفر مزورة، وهربت الأسلحة وحاولت شراء مكونات للاسلحة النووية.
وفي عام 1996 هرب الفضل من المنظمة بعدما اختلس 110 آلاف دولار من واحدة من شركات بن لادن، وتوجه الى سفارة أميركية في أفريقيا وعرض عليهم خدماته في الحرب ضد «القاعدة». وقد اعترف بذنبه بتهمة التآمر في محكمة مغلقة في عام 1997، وكان المدعون يشيرون، الى انه ادلى بشهادته في أوراق المحكمة باسم «سي إس ـ 1».
وفي فبراير (شباط) 2001 قدم الفضل، الذي كان يرتدي طاقية وجينزا وقميصا، في محكمة مانهاتن ليبدأ عدة أيام من الشهادة ضد أربعة متهمين في بنسف سفارتي الولايات المتحدة في شرق أفريقيا. وهو الهجوم الذي أدى الى مقتل 200 شخص، وبقتل 18 جنديا اميركيا في الصومال 1993 .
ولكن بالرغم من السرية وإجراءات الامن المحيطة به ـ منعت المحكمة الرسامين من رسم صورته ـ لمدة عامين ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2000، ذكرت الحكومة ان أشرطة الفيديو سجلت اجتماعاته مع المدعين وعملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ولم تذكر الحكومة من الذي سجل الاشرطة ولماذا. ولكن مدير برنامج حماية الشهود ستيفن تكاش، ذكر في شهادة مكتوبة ان التحقيقات نتيجة «قرار مستقل من واحد او اثنين من هيئة المارشالات». وقال ان الهيئة التي تشرف على برنامج حماية الشهود، لم تعثر على أي اشرطة فيديو مسجلة لأي شاهد آخر. وقالت الحكومة في اوراق القضية ان التسجيلات في هذه القضية غير عادية. واضافت الحكومة ان مدير برنامج حماية الشهود نفسه لم يكن على علم بأن الاجتماعات كانت تسجل قبل ان يبلغه المدعون ذلك.
وتجدر الاشارة الى ان حماية الشهود قضية في غاية الحساسية عندما يكون الشاهد من المجرمين او من المرشدين في السجون، ولكن عندما يتعلق الامر بأجنبي مع أسرة وأصدقاء وأعداء في جميع انحاء العالم يمكن ان يصبح الامر في غاية التعقيد. وفي وقت سابق، علق مسؤول بأن ما حدث يعتبر «معجزة صغيرة»، إذ تمكنت الحكومة الاميركية من إخراج زوجة فضل وأطفاله من السودان وقت كانت فيه العلاقات بين البلدين متوترة، وكان السودان مدرجا في قائمة وزارة الخارجية الاميركية الخاصة بالدول الراعية للارهاب. (لم تكشف بصورة عامة هوية مسؤولي الحكومة الاميركية، لكنهم في غالبية الحالات إما عملاء بمكتب المباحث الفيدرالي أو مدعين).
ولكن بعد مضي الحكومة في خطوات كبيرة في ترحيل أسرة فضل كانت هناك مخاوف من احتمال ان تسعى زوجته للعودة الى السودان، إلا ان مسؤولا طمأن الفضل الى ان زوجته اذا قررت تركه والعودة الى السودان، فإن مكتب المباحث الفيدرالي سيقنعها بالعدول عن هذا القرار. شكا فضل في وقت آخر من ان زوجته تشعر بالغضب بسبب تهديد عميل لمكتب المباحث الفيدرالي يدعى «كيفين» بحدوث نتائج لا تحمد عقباها في حال اتخاذها قرارا بالعودة الى السودان. وقال فضل بلغة انجليزية ركيكة ان العميل المذكور قال لزوجته انها إذا قررت السفر الى السودان فإنه سيضع زوجها في السجن وينقلها هي الى سجن تابع لإدارة الهجرة وينقل أطفالهما الى أسرة أميركية.
إلا ان مسؤولا أميركيا حاول إقناع فضل بأن ذلك لا يعدو كونه «سوء فهم كامل» لما قيل، مؤكدا له ان لا أحد يملك الحق في اختيار شخص ووضعه في سجن خاص بادارة الهجرة وأن لا أحد يمكن ان يأخذ أطفالهما ويسلمهم الى أسرة أميركية. وظهرت مخاوف تتعلق بالأسرة مرة اخرى، عندما كان المسؤولون بصدد استغلال فضل في استدراج ناشط آخر في «القاعدة» داخل السودان هو محمد سليمان، إذ تجمع بين الاثنين صلة مصاهرة. إلا ان فضل خاف من احتمال ان يتصل محمد سليمان بأعضاء أسرته من داخل السجن ويلقي عليه باللائمة. وقال فضل في هذا السياق: «جمال أرسل لي التذاكر... وفعل كل شيء. هذه ستكون مشكلة كبيرة بين أسرته وأسرتي».
اتصل فضل في نهاية الامر بمحمد سليمان واستطاع إقناعه بعد عدة محادثات بالسفر الى كينيا حيث وقع في قبضة ضباط مكتب المباحث الفيدرالي، حسبما اشارت أوراق الدفاع. وفي نهاية الامر لم يكن لدى فضل سبب وجيه للشعور بالقلق ازاء رد فعل قريبه محمد سليمان، إذ ان الاخير اعترف بالذنب وحكمت عليه محكمة اميركية بالسجن عشر سنوات، بل انه وجه خطابا الى قاضي المحكمة دان فيه ما اقترفه من أفعال، وقال انه تلقى معاملة جيدة وتمنى في خطابه ان يبارك الله في النظام القضائي الاميركي والمحاكم الاميركية. الوطنية والمال: على الرغم من ان فضل اشاد بالاميركيين وقضيتهم، إلا ان محاميي الدفاع وصفاه بأنه انتهازي جشع، كما أشار الدفاع بصورة مكررة الى المال في بعض المقتطفات. فقد طلب فضل أموالا وطلب أيضا ان تأتي هذه الاموال مباشرة من المسؤولين الذين يعمل معهم. وقال فضل عبر مترجم طالبا من الحكومة الاميركية ان تكافئه «بأموال اكثر مما تخيل بسبب ما فعله من اجلهم». طلب فضل أيضا معرفة ما اذا كانت هناك امكانية لشراء منزل له ولأسرته، حتى اذا كان منزلا صغيرا. كما طلب أيضا إرسال أموال الى السودان الى والدته ولعلاج والده. وأشارت وثائق دفاع سلمها المحاميان جوشوا دراتيل وسام شميت الى ان الحكومة الاميركية وفرت مبلغ 3000 دولار لوالد فضل.
ردا على وثائق الدفاع قال مكتب المدعي العام بمانهاتن ان المقتطفات التي اشار اليها الدفاع عبارة عن قطع مجتزأة وفي بعض الاحيان انتزعت من سياقها وليست ذات أهمية قانونية. ويبدو ان الحكومة لم تعرض عن طلبات فضل المالية بسبب المخاطر التي عرض نفسه والقيمة الكبيرة لتعاونه مع السلطات. كان فضل خجولا احيانا في مطالبته بالمال وقال ان شعورا سيئا ينتابه عندما يطلب مالا، وأضاف انه يشعر في نفس الوقت بأن ما حدث يعتبر شيئا عظيما في حياته و«شيئا لتصحيح تاريخه»، على حد تعبيره. وقال ايضا انه كان يرغب في المساعدة في القضية. وما تزال السلطات تتعامل بحذر عندما يأتي الحديث حول ما اذا سيذهب فضل الى السجن، إلا ان المسؤولين يؤكدون ان القرار بهذا الشأن في يد القاضي. ولا يستبعد بعضهم ان يحكم عليه بالسجن. ولا يزال فضل بانتظار صدور الحكم، ولم يتضح أيضا اين يعيش ولا يعرف ما يخبئ له المستقبل، إلا ان الحكومة الاميركية أوضحت التزاماتها تجاهه: «لن ننساك عندما تنتهي القضية... واذا كان هناك شاهد واحد في هذا العالم لن ننساه، فإنه أنت».
«نيويورك تايمز»

التعليقات