إعلان الدولة في مواجهة الزمن الإسرائيلي بقلم: د. احمد الطيبي

إعلان الدولة في مواجهة الزمن الإسرائيلي بقلم: د. احمد الطيبي
إعلان الدولة في مواجهة " الزمن " الإسرائيلي

بقلم: د. احمد الطيبي

عضو الكنيست ورئيس الحركة العربية للتغيير

توضأت غزة ذلك الفجر الأسود بدماء شيخها الجليل احمد ياسين ثم خرجت بآلافها لتشييع جثمان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. توحدت كل الفصائل وكل الشرائح وكل الأطياف كما تتوحد دائماً في الجنازات وتشييع الشهداء.

رسخ ارئيل شارون أسلوب الاغتيالات نهجاً استراتيجياً أساسياً في سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل. فقد قرر مجلس الوزراء الأمني المصغر قبل عدة أسابيع وبعد عملية اشدود اغتيال عدداً من قيادات حماس بدأً باغتيال الشيخ احمد ياسين. قبل عدة أيام من اغتيال د. الرنتيسي كنت قد صرحت بأن شارون وأمام هذا التنافس الشديد في صفوف حزبه (الليكود ) وداخل اليمين وقبيل عملية الاستفتاء حول مشروع الانفصال المزمع تنفيذها في 2/5 المقبل فانه – أي شارون – بحاجة إلى "اغتيال كبير" لكي يحسن موقعه الحزبي ويزيد من فرصه بالنجاح في هذا الاستفتاء فلطالما كان الدم الفلسطيني وقوداً للتنافس الداخلي الإسرائيلي. وهكذا كان.

لقد قرأ شارون الخارطة جيداً. قرأ الدعم المطلق للرئيس الأمريكي له ولسياساته التي حولت الاغتيال وقتل الأطفال والاحتياجات إلى " دفاع عن النفس " وقرأ غياب الموقف العربي المؤثر والضعف العربي الشامل وانعدام الموقف الجمعي. قرأ كل ذلك وأدرك انه يستطيع أن يفعل ما يشاء لمن يشاء متى يشاء وكيفما يشاء. قرأ الخريطة جيداً وأدرك انه يربح نقاطاً داخلية في صفوف اليمين والمجتمع الإسرائيلي بعد كل اغتيال كهذا وبأنه لا يخسر أطلاقاً في المجتمع الدولي الممثل أساساً في الإدارة الأمريكية اللهم سوى بعض التصريحات المنتقدة والمتحفظة أوروبياً من عمليات الاغتيال. يقرأ شارون كل ذلك ولا سبب من ناحيته أطلاقاً أن يتوقف عن سياسة الاغتيالات. ونسأل عن العمل فلسطينياً وعربياً إزاء الموقف الأمريكي الجديد وإزاء السياسة الإسرائيلية الشارونية واضحة المعالم؟

داخلياً هناك حاجة ملحة لا غنى عنها لترتيب أوراق الشعب الفلسطيني والاتفاق فصائلياً على مشروع وطني نضالي مشترك بين كافة الفصائل الوطنية والإسلامية يضمن كسب النقاط وليس خسارتها, فقد آن الأوان لمحادثات الوفاق الوطني أن تنتهي بإنجاز واتفاق تتبناه السلطة الوطنية الفلسطينية ويكون بالتنسيق معها.

أما دبلوماسياً وسياسياً فهناك حاجة لخطوات مميزة تواجه بها وسائل الضمانات المتبادلة بين جورج بوش وارئيل شارون التي ألغت عملياً المرجعية الدولية والقانونية لعملية التسوية وأهملت بازدراء قرارات الشرعية الدولية.

اعترف أنني لم أشعر بالماضي أنني متحمساً لفكرة إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد وخاصة خلال عملية مفاوضات حتى وان كانت شائكة ومتعثرة.

أما ألان وبعد طرح مشروع شارون أحادي الجانب وتصريحات بوش الذي ألغى حقوقاً أساسية وإنسانية ووطنية للشعب الفلسطيني من طرف واحد والاثنان ألغيا دور القيادة الفلسطينية من طرف واحد أيضاً, فقد آن الأوان برأيي أن تقوم القيادة الفلسطينية بإعلان دولة فلسطينية من طرف واحد على كافة الأراضي المحتلة عام67. هذا الإعلان لن يضع بالطبع حداً للاحتلال ولا حتى للمعاناة اليومية ولكنه سوف يخلق واقعاً سياسياً محلياً ودولياً يقول بأن الاستيطان ليس شرعياً وان قضية الحدود واللاجئين لا يقررها بيان رئاسي ولو كان لأقوى شخصية في الكون. سوف يتفهم المجتمع الدولي في هكذا حالة إقدام القيادة الفلسطينية, وبعد حوار وطني ناجح, على مثل هذه الخطوة من طرف واحد نظراً للمستجدات الجديدة المتمثلة بالموقف الأمريكي والإسرائيلي على حد سواء.

لن يكون بالامكان الاستمرار في هذه المعادلة التي تعطي لشارون أن يفعل ما يشاء وان يكون اللاعب الوحيد المؤثر في المنطقة وخاصة إزاء غياب حتى لمعارضة سلامية مؤثرة في المجتمع الإسرائيلي فحزب العمل ورئيسه شمعون بيريس يجلسون على مقاعد المعارضة وعيونهم باتجاه مقاعد الوزارة. لا يتصرفون كمعارضة حقيقية بينما الشارع الإسرائيلي ما يزال يتخذ منحى يمينياً بالرغم من بعض مظاهر الرفض لسياسات شارون.

لقد وضعت القيادة السياسية الإسرائيلية وخاصة العسكرية الأمنية نصب أعينها منذ بداية الانتفاضة محاربة الشعب الفلسطيني " لكي تدمغ ذهنية الفلسطينيين بالهزيمة" وأمام هذا الطرح الذي لم يكتب ولن يكتب له النجاح تتعزز إرادة الشعب الفلسطيني, كما هي كل الشعوب تحت الاحتلال, باستمرار النضال ضد الاحتلال وترسيخ ثقافة المقاومة وهي الثقافة التي تستهدفها صواريخ الاباشي.

إسرائيل هي الدولة الأقوى عسكرياً في المنطقة والشعب الفلسطيني هو الأضعف في المنطقة. وتستطيع إسرائيل أن تقتل وتعتقل وتحتل وتجتاح وتغتال ولكنها أبداً لن تستطيع أن تغتال إرادة شعب يكافح من اجل الحرية الاستقلال.ولكن ذلك لا يكفي وحده فالمعادلة الإسرائيلية والزمن الإسرائيلي السائد لا يمكن موازنته وموجهته إلا بأداء فلسطيني وعربي من نوع أخر يأخذ بالحسبان كل المتغيرات وموازين القوى التي يجب أن تتغير لا محالة.

*خاص بدنيا الوطن

التعليقات