جيران المستوطنات و أحلام التخلص من كابوس الموت

جيران المستوطنات و أحلام التخلص من كابوس الموت



غزة-دنيا الوطن

"هناك يسكن الموت" بهذه الكلمات بدء أبو يحيى ذو السنوات السبعين حكايته مع مستوطنة نفيه دكاليم المواجهة لمنزله الصغير الموجود على أطراف المخيم الغربي للاجئين بمدينة خان يونس .

دموع أبو يحيى اختصرت الكثير من الكلام عن حفيده الذي استشهد بعد إصابته برصاصة في القلب أطلقها قناص إسرائيلي من المستوطنة قبل حوالي عام وهو يلعب أمام منزل العائلة ، وكيف أن الرصاص طارد جثمانه حتى أثناء تشيع جنازته ودفنه في مقبرة الشهداء مما أسفر عن إصابة اثنين من المشيعين .

و عن شعوره بعد سماعه لخطة شارون لإخلاء المستوطنات من قطاع غزة يقول أبو يحيى "أعلم أن اليهود ليس لهم أمان , أنهم يخدعون العالم ، لكن من حقنا بعد كل هذه السنوات الطويلة من المعاناة التي أن نحلم باليوم الذي ستزول فيه هذه المستوطنة التي لا تكف عن قتل أبناء المخيم و المناطق المحيطة به و غيرها عن بلادنا " .

و يشارك أبو يحيى في حلمه آلاف الفلسطينيين الذين يسكنون في مخيمات أو قرى قريبة من المستوطنات الإسرائيلية و الذين عانوا طوال السنوات الماضية من أشكال متنوعة من الاضطهاد والعنصرية بهدف إجبارهم على ترك منازلهم حتى تستطيع المستوطنات أن تتوسع .

أبو صخر الذي يملك كرما للعنب بالقرب من مستوطنة نتساريم لا يخفي سعادته بهذه الأخبار فهو لم يستطع أن يزور أرضه منذ ستة أشهر كاملة بسبب تلقي الجنود الإسرائيليين المكلفين بحماية المستوطنة تعليمات مشددة بضرورة إطلاق النار على أي شخص يقترب من المستوطنة حتى لو كان غير مسلح.

يقول أبو صخر أنه كان بإمكانه في بداية الانتفاضة الذهاب مع أفراد عائلته إلى أرضه ، والعناية بها و قطف ثمارها لكن هذا الأمر أصبح مستحيلا بعد تزايد هجمات حركات المقاومة الفلسطينية علي نتساريم التي أصابت الجنود بالجنون و جعلتهم يطلقون النار على كل كائن يتحرك بالقرب منها .

و يكتفي أبو صخر الآن بزيارة أسبوعية يلقي فيها نظرة على أرضه من منطقة تبعد عنها حوالي كيلومتر ، مؤكدا أنه لا يمكن أن يتخلى عن هذه الأرض مهما طال الزمن .

و رغم معاناة أبو صخرة إلا أنه أوفر حظا من مئات الفلسطينيين الذين جرفت إسرائيل أراضيهم الزراعية الموازية للمستوطنات بحجة أن المقاومين يستغلون المزروعات للاختباء ورائها .

الغريب أنه فور انتشار أخبار خطة شارون بإخلاء مستوطنات غزة ازدهرت عمليات بيع وشراء الأراضي الموازية للمستوطنات و التي شهدت بعد اندلاع انتفاضة الأقصى انخفاضا شديدا في قيمتها و الإقبال على شرائها بسبب المخاطر الشديدة التي يتعرض لها أصحاب هذه الأراضي عند الاستفادة منها .

منطقة تل السلطان في مدينة رفح شاهد أخر على معاناة السكان الفلسطينيين الذين يسكنون بالقرب من المستوطنات ، فواجهات المنازل التي سطرت بزخات الرصاص الإسرائيلي ، والطراقات التي تركت الدبابات أثارها عليها ووجوه الأطفال التي لم تعرف النوم الهادئ منذ سنوات تجعل المعاناة أكثر وضوحا من الشمس.

"هنا مات محمود " قالت زوجة الشهيد محمود الكرد و هي تشير إلى أحد أركان صالة منزلها في حي تل السلطان ، ففي تلك الليلة الباردة لم تسمح رصاصات الاحتلال التي انطلقت من تجمع مستوطنات غوش قطيف الذي يبعد عن منزلهم 500 مترا فقط لزوجها بالانتقال من صالة المنزل إلى غرفة نومه حيث أصابته رصاصة في رأسه استشهد بسببها فوراً.

و إذا كان إخلاء مستوطنات القطاع حلما يراود سكان القطاع بشكل عام إلا أن سكان منطقة المواصي في محافظتي رفح و خانيونس يمثل لهم الإخلاء الأمل الأخير في الحياة بعد أن حبستهم المستوطنات الإسرائيلية بين نارين أولهما بوابات لا يمكنهم الخروج أو الدخول منها إلا بتصاريح خاصة مما حول مناطقهم التي تعتبر من أخصب أراضي قطاع غزة الزراعية سجن لا يمكن العيش فيه و ثانيهما الاعتداءات المتواصلة من قبل المستوطنين و التي تتنوع بين إطلاق الكلاب المتوحشة على أطفالهم و ضرب الشباب ، إلى حرق المزروعات و المنازل لدفعهم للهجرة إلى أماكن أخرى يمكنهم فيها الحياة بأمان .

و على الرغم من الكلمات والتصريحات الكثيرة التي يطلقها شارون عن الانسحاب من مستوطنات غزة إلا أن واقع الحال ينقل صورة تكاد تكون معاكسه فقد كشفت الصحف العبرية مؤخراً أن الجيش الإسرائيلي رصد عشرات الملايين من الشواقل لإقامة جدران كهربائية إضافية حول عدد من المستوطنات في القطاع على رأسها مستوطنة نتساريم التي سيقام الجدار الجديد لها على بعد نحو 400 متر حول الجدار القائم الآن لتشديد الإجراءات الأمنية حولها ، و هو ما يعني مصادرة المزيد من الأرضي الفلسطينية المجاورة لهذه المستوطنات ، و يتحجج الجيش الإسرائيلي في تبريره لهذه الخطوات بأنه لم يتلقى حتى الآن أي تعليمات بالاستعداد لإخلاء المستوطنات وفقا لخطة شارون .

كما أن قادة المستوطنين يخططون لنقل عشرات العائلات اليهودية للسكن في مستوطنات غزة تعبيرا عن رفضهم المطلق لأي خروج من مستوطنات القطاع.

و بين أحلام الفلسطينيين بالتحرر و الانعتاق من المستوطنات الجاثمة على الأرض ، و بين التمسك اليهودي بالوجود على أرض الغير تبقى الصورة في قطاع غزة غير واضحة المعالم في أنتظر أن تأتي الأيام بما يظهرها و يجليها.



*مركز الإعلام و المعلومات

التعليقات