لص بغداد

لص بغداد

غزة-دنيا الوطن

في البيت الابيض في عهد فورد، كان اسم الجهاز السري لديك شيني «باكسيت» اي المقعد الخلفي، لانه كان نموذجا لموظف غير فضولي، النائب المناسب وغير المبهرج لرئيس الطاقم لسيد الرقص البيروقراطي، دونالد رامسفيلد.

وكما يكتب جيمس مان في كتابة الجديد «بروز الفولكانز: تاريخ مجلس حرب بوش»، فقد بدأ شيني يشرف على امور متدنية القيمة مثل وقف نزح المياه في احد حمامات البيت الابيض، او وضع مسند رأس لمقعد بيتي فورد في طائرة مروحية او اختيار أي مرشّات ملح -المرشّات المألوفة او كما قال هو صحون صغيرة للملح مع ملاعق صغيرة مضحكة- ستكون افضل لحفلات العشاء في اماكن اقامة الرئيس الخاصة.

اخذت شخصية «رمي» الخفية تظهر بسرعة لانه كما بدا لم يكن له اي شخصية وكان يمكن الاعتماد على ديك الجيد القديم لان يكون الرجل الذي يقف وراء رامسفيلد، فيكون كبير القوم نحو السلطة، ووضع الرئيس الجديد بوش، نفسه، وهو شخص لا خبرة له في الشؤون الخارجية، بين يدي شيني.

لكن ما كادت قدما بوش تحط في المكتب البيضاوي، حتى قفز «الباكسيت» الى المقعد الامامي، واذا تعقبنا الاندفاع نحو الحرب، فان اسمي شيني والجلبي يقترنان بشكل قوي.

عندما كان شيني ينشغل في رشاشات الملح، كان احمد الجلبي، وهو شاب عراقي ثري وطليّ الحديث، يؤسس بنك البتراء في الاردن.

وفيما كان شيني يترقى في العاصمة، ضبط الجلبي في الاردن في قضية اختلاس من بنكه، وقد قال مسؤولون اردنيون ان جريمة الجلبي قد دمرت اقتصادهم وانهم دفعوا مبلغ 300 مليون دولار للمودعين لتغطية خسائر البنك، وفي الوقت الذي ادين فيه الجلبي وحكم عليه بالسجن لمدة اثنين وعشرين سنة مع الاشغال الشاقة، كان هاربا في لندن.

وفي اوائل التسعينيات، عندما كان شيني زميلا في مركز انتربرايز الاميركي كان الجلبي على علاقة ودية مع النخب المحافظة والصحفية في واشنطن. فقد رأى فيهم منصة انطلاق لعودته الظافرة الى العراق.

وبعد الحادي عشر من ايلول، اتفقت رغبته الجامحة في الاطاحة بصدام حسين مع رغبة المحافظين، وكان كل ما يحتاجون اليه هو المبرر للحرب، لذلك توجه الجلبي الى المحافظين الجدد، فخدع اصدقاءه ديك شيني وبول وولفوويتز وريشارد بيرل وجعلهم يعتقدون ان العراق سيكون نزهة شيقة نحو الديمقراطية.

وكخبير مراوغ في سياسة السوق، كان يعرف ان عليه ان يروج خطته اعتمادا على ما هو جيد للاميركيين وأمنهم، وكان سعيدا في نقل المعلومات الى نائب الرئيس والتي رسمت صورة لصدام حسين وهو يجلس فوق مخزون ضخم من اسلحة الدمار الشامل، وقد حاولت مجموعته، المؤتمر الوطني العراقي، اثارة حكومتنا واعلامنا واقناعهما «ببرنامجها لجمع المعلومات».

يقول مسؤولو الاستخبارات الان ان المعلومات التي وفرتها هذه المجموعة لواشنطن قبل الحرب كان مشكوكا فيها وغير مجدية، بل كانت معلومات زائفة.

لكن الامر الشاذ ان البرنامج الدعائي قد تم من خلال اموال الحكومة الاميركية، وهكذا دفع الاميركيون لاحمد الجلبي حتى يورطهم في حرب تكلفهم مليار دولار في الاسبوع، اضافة الى الكلفة البشرية الغالية.

ان الناس الذين تعاملوا مع الوشايات تفحصوا المعلومات بشكل افضل مما فعلت حكومة بوش.

ادت جلسات الجلبي الى تغيير الوضع السياسي والوضع الاستخباراتي والوضع الصحفي، وفي ضوء ذلك يتحدث السناتور بوب غراهام عن «التضخيم الخاص بسفاح القربى»، القصص الزائفة التي نسجها المنفيون والمنشقون العراقيون التي ترددت بسرعة عبر غرفة اصداء للحكومة والاعلام، لتجعلها تبدو وكأن مصادر متعددة وموثوقة كانت تردد نفس القصة لكن الحقيقة ان مصدرا واحدا ذا مصلحة ذاتية كان يكرر القصة.

لقد صدمت السي آي ايه عندما اكتشفت ان محلليها قد اخطأوا في الاعتقاد بان المعلومات عن الاسلحة العراقية قد اكدتها مصادر متعددة بينما جاءت من مصدر وحيد فقط، وان المحللين اعتمدوا على منشق عراقي لفق المعلومات وعلى مادة مختلقة من منفيين عراقيين وان هذا الكلام الاحمق وجد طريقه الى وثائق وخطب استخدمتها حكومة بوش لتبرير الحرب.

لقد امر جورج تينيت بتغيير كبير في الاجراء، في الاسبوع الماضي، وازال الحواجز حتى يستطيع المحللون ان يعرفوا ما هو اكثر عن هويات مصادر العملاء السريين عن دوافعهم المحتملة.

لكن حتى التضخيم المتعلق بسفاح القربى، ما كان ليطمس الحقيقة لو ان مسؤولي حكومة بوش اعتمدوا على هراء الجلبي لاسبابهم الخاصة، لتغذية خيالاتهم الجامحة ازاء اعادة قولبة قوة اميركا ونفسيتها وجيشها، ورسم الشرق الاوسط على الصورة التي نريدها.

بعد ان هام في الاحلام الكبيرة فان فريق احلام السياسة الخارجية قد اصبح مخدوعا في خدعة احمد الجلبي الكبيرة.

*نيويورك تايمز

التعليقات