فلسطيني في مواجهة مع المستوطنين في الخليل منذ 31 عاما

فلسطيني في مواجهة مع المستوطنين في الخليل منذ 31 عاما

غزة-دنيا الوطن

حمل محمد شاكر دعنا من سكان البلدة القديمة في الخليل حقيبته وانطلق في الساعة الثامنة إلا ربعا إلى مدرسته في حارة جابر القريبة من المستوطنة الصهيونية كريات أربع وفي هذه الأثناء وبعد أن ابتعد محمد عن المنزل حوالي 150مترا فوجئ مع العديد من الطلبة بجيب عسكري إسرائيلي يطاردهم في أحد الأزقة وسط حارة جابر... الأطفال هربوا وهرب معهم محمد إلا أن الجنود الصهاينة حاصروه وامسكوا به فقام جندي من جنود الدورية بتوجيه السؤال إلى محمد.

إلى أين أنت ذاهب؟ فأجاب محمد إلى المدرسة. فرد الجندي الإسرائيلي( إلى المدرسة يا أبن الكلب) فأجاب محمد نعم... فقام الجندي بتصويب البندقية إلى وجهه وضربه بشدة بعقبها مما أدى إلى إصابته بجرح طوله (11سم) وأصيب بحاله نزيف وفي هذه الأثناء تجمهر الطلاب وأخذوا يكبرون، وقام مواطن يدعى ماهر العجلوني بحماية محمد بعد أن أخذ يتقاذفونه كالكرة وهم يضربونه بالجدران.

إلى هنا تنتهي أحداث قصة مؤلمة من ضمن العشرات من القصص المماثلة التي حدثت مع عائلة المواطن شاكر دعنا غير أن الآلام لم تنته من نفس محمد الذي أصيب على أيدي الجنود الإسرائيليين الذين يزعمون انهم موجودين لتوفير الحماية والأمن داخل البلدة القديمة في الخليل.

يقول المثل (الجار قبل الدار) لكن ما حدث هنا في حي الكسارات الذي يقع بمحاذاة المستوطنة الإسرائيلية كريات أربع الأكثر تطرفا وعداءا للفلسطينيين من الجهة الشرقية أن دار شاكر دعنا كانت موجودة قبل وجود المستوطنة والتي بدأت على شكل نقطة مراقبة عسكرية إسرائيلية ويقول أبو كريم أنه سكن منزله منذ (1973) فيما وضع الاحتلال قدمه في تلك المنطقة عام (1975) تقريبا وقد أقيمت النقطة على مساحة صغيرة من أراضي المواطنين ثم وضعت فيها كرفانات متحركة ثم تحولت إلى مبان عام 1982 حيث بدأ الاستيطان يتعاظم في المدينة ، ويسكن المستوطنة حاليا حوالي 4 آلاف مستوطن يمثلون جيران سوء بالنسبة للفلسطينيين حيث لم يتوانوا يوما في وضع المكائد والمواقف المؤذية لنا.

وقد حظيت المستوطنة وهي أول مستوطنة تقام على أراضي الخليل باهتمام اللوبى الصهيوني داخل فلسطين المحتلة وخارجها وترصد لها الأموال الطائلة من قبل الجمعيات الإسرائيلية لدعمها وتوسيعها وتواصلها مع المستوطنات الأخرى مثل مستوطنة خارصينا التي تبعد عنها حوالي كيلو متر واحد بالاتجاه الشمال الشرقي وقد خطط لها لاستيعاب أكثر من (600) عائلة وقد امتد البناء بها من الجهة الشرقية حتى وصل الخط الالتفافي رقم (60) واستولى المستوطنين على معظم الأراضي الفلسطينية المحيطة بها وتم إقامة مبان جديدة ومحطة للوقود ويتم بين الحين والآخر استعمال أنياب الجرفات لتدمير المزروعات وتحطيم الأشجار خاصة في منطقة البقعة والبويرة وحي الشعابة القريبة من الخط المذكور.

أبو كريم (53) عاما يعمل حاليا في قسم الاتصالات في جامعة الخليل الذي قال: "أن المستوطنين نظموا حملة ليئمة ضد منزله الذي يبعد مترا واحدا عن حدود المستوطنة التي التهمت معظم الأراضي المحيطة بالمنزل حتى وصلت إلى حدوده وأنه يواجه المستوطنين منذ (31) عاما مع العشرات من أصحاب المنازل القريبة في منطقة الكسارات ( بيار المحاور) ولا يوجد حول المنزل أي نوع من الجدران أو الأسوار أو الفواصل التي تحمي منزله من الاعتداءات الإسرائيلية ويقول أنه لا يستطيع أن يحصي عدد الاعتداءات التي نفذها المستوطنين والجيش الإسرائيلي بحق العائلة كما أنه لا يستطيع أن يحصي عدد الشكاوى التي قدمها إلى مكتب الارتباط في الإدارة المدنية التابعة للاحتلال ويردد أبو كريم (الشكوى لغير الله مذلة) لكن نحن نعمل ضمن اللوائح والقوانين حتى لا نترك مساحة صغيرة من التقصير ونلوم أنفسنا عليها.

ويضيف أبو كريم أن الاستفزازات بدأت منذ عام 1978 وقد كنا نعتقد في البداية أنها لا تتعدى استفزازات أطفال صغار ولكن مع التكرار وتغيير الخطط أدركنا أنها استفزازات واعتداءات منظمة من قبل سكان المستوطنة الإسرائيلية تهدف لطردنا من منازلنا.

ويذكر أبو كريم أن الاعتداءات كانت في البداية عن طريق إخراج أصوات عالية في منتصف الليل وسباب بذيء وكثيرا ما كانوا يسبون النبي محمد عليه الصلاة السلام وهذا دليل أخر على أن المتطرفين الصهاينة هم وراء الحملة، وكانوا يلقون علينا الحجارة والزجاجات الفارغة والزجاجات الحارقة وقد كانت الاعتداءات تتكرر وسط أجواء هادئة أحيانا لم يسبقها عمليات أو هجوم ينفذه الفلسطينيين في الخليل أو خارج الخليل وقد ازدادت عمليات الاستفزاز بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف وقد استخدم المستوطنين الرصاص الحي في كثير من المرات حيث كانوا يطلقونه باتجاه المنازل والأطفال نيام وكان الرصاص يخترق النوافذ بعد تحطيمها ويؤدي إلى إعطاب سخانات المياه.

ويضيف أبو كريم أنه لا يستطيع إحصاء الخسائر المادية التي كانت تنتج عن اعتداءاتهم وفي إحدى المرات القوا زجاجات حارقة باتجاه المنزل مما أدى إلى احتراق محتوياته وقد هب الجيران لإنقاذنا من وسط ألسنة النيران كما أن الجدران تضررت بشكل كبير وكان المستوطنين الإسرائيليين لا يسمحون بأن تنبت شجرة أو عرق أخضر حيث كانوا ينظمون اعتداءاتهم لاقتلاعها.

وقد تسببت الاعتداءات أيضا بحالة توتر نفسي دائم لمعظم أفراد العائلة وقد أصيبت طفلة صغيرة بحول ( انحراف في عينيها) حيث شاهدت في المنام أن مستوطنا صهيونيا يحاول مهاجمتها فاستيقظت مذعورة في الليل وقد اكتشفنا أنها أصيبت بالحول في الصباح.

أما غادة ابنته فقد اعتدى عليها المستوطنون الصهاينة وأصيبت في الوجه بجرح غائر طوله 4سم ولا تزال الإصابة ظاهرة في وجهها.

ويقول أبو كريم أنه مل من تقديم الشكاوى إلى مكتب الارتباط وقد كان في كل مرة يلاقي إجابة واحدة سوف ( نحقق في الأمر) وسؤال محدد هل شاهدت المعتدي، هل تصفه لنا وهل تعرفه؟ وكنا نجلس لمدة (5 ساعات) ونحن ننتظر وأخيرا نواجهه بهذه الأسئلة.

ويضيف أبو كريم أنه تقدم بشكوى إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية عن طريق المحامية ليندا براير وقد أصدرت المحكمة قرار بحماية هذا المنزل من المستوطنين الصهاينة وتوفير الحماية لساكنيه .ولكن بعد عملية شارع المصلين قام الجيش الإسرائيلي بإحضار جرافة وأزال السور المحيط بالمنزل وتم تجريف الأرض وتخريبها بشكل كامل وتركوا المنزل كتلة من الجدران فقط وقد صاحب هذا التجريف قرار إسرائيلي بهدم المنزل كليا.

ويقول أبو كريم أنه رفع دعوى ضد قرار الهدم عن طريق المحامي شلوموا ليكر وقد تم إيقاف قرار الهدم حتى استصدار قرار أخر ويقول أن المستوطنين والجيش الصهيوني أحاطوا المنزل بالأسلاك الشائكة ولا نستطيع الوصول إليه إلا بصعوبة بالغة ويقول أن القاضي الإسرائيلي طلب منه مجمل إثباتات تثبت ملكيته للبيت وقد قدمت له إخراج قيد ورخصة بناء وكشف من دائرة الآثار وجميعها تثبت ملكيتي للمنزل والأرض.

ويشير أبو كريم إلى أن المحكمة الإسرائيلية أوفدت خبير بعلم النفس الدكتور الصهيوني (موشيه لاندزمان) وأجرى تحليلات نفسية على أطفاله ووجد أن الأطفال يعانون من حالات نفسية واضطرابات غريبة وأوصى في كتابه أنه يجب منع المستوطنين الصهاينة من إلقاء الحجارة على منزل شاكر دعنا ويجب إخراج الأطفال من المنزل لفترة نقاهة ويقول أنه نتيجة هذه المخاطر والألم استأجر منزلا في حي جبل جوهر ويبعد حوالي كيلو متر عن منزله الأول.

ويقول أبو كريم أنه بعد تعرض أبنه محمد لاعتداء من قبل الجنود الإسرائيليين جاء محقق من بتسليم (موسى أبو هشهش) وحقق في القضية وقد تأكد أن الجنود ضربوا محمد وأن المواطن ماهر العجلوني هو الذي أنقذه ولكن العجلوني خشي على نفسه من الاعتقال والمسائلة ولم يذهب للمحكمة وقد تم التحقيق مع محمد وقد تم إدانة الجنود الإسرائيليين وقد خرجنا بوعد للتحقيق في الأمر ولم نتلقى إجابة.

وعن وسائل التثبيت والدعم يقول أبو كريم أنه يتعرض للتأنيب بعد أن ترك المنزل من قبل بعض المسؤولين وأصحاب القرار ويقول (اللي يده في النار ليس كالذي يضع يده بالماء) ولكن على من يضع اللوم عليهم أن يسكنوا مكاننا يوما واحدا ،ويقول أنه خرج من منزله لحماية أطفاله بعد أن تقطعت به السبل وقد توجه بعشرات الكتب إلى المسؤولين وأصحاب القرار من أجل حمايته وحماية أطفاله ومنزله ولكن لم يحصل إلا على ( أصمد ونحن معك) وهو لا ينكر أنه كان يسمع هذا الكلام من قبل المسؤولين قبل إخراج أبناءه من المنزل أما الآن فلا يسمعها، ويضيف أن الدعم المادي الذي حصل عليه لا يكاد يذكر مقابل الخسائر المادية والمعنوية التي مني بها، ويشير إلى أنه طلب من عباس زكي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عن طريق كتاب رسمي أن يوفر حماية للمنزل ولكن كان الرد (أنك إذا لم تحمي منزلك فلن تستطيع السلطة توفير هذه الحماية) وقد قدم النائب عباس زكي دعما ماديا مقداره (2000) دولار كعملية تضامن ويذكرها هنا من باب ذكر الفضل لأهل الفضل وهي لم تغير من واقع الأمر شيئا .

التعليقات