الاردن: رعب من تكرار الهزة الارضية..

الاردن: رعب من تكرار الهزة الارضية.. وملف الزلازل صعد الي السطح



الحكومات المتعاقبة كتمت معلومات عن نشاط زلزالي في صدع البحر الأحمر

غزة-دنيا الوطن

عادت الي ذاكرة الأردنيين أمس الأربعاء الزلازل التي سمعوا عنها او احسوا بها او شاهدوها وخصوصا الزلزال المدمر الذي اصاب مدينة بم الايرانية اخيرا وذلك عندما ضرب غالبية مدن البلاد زلزال خفيف ليصبح خلال دقائق حديث الناس من القمة الي القاعدة وينشر البلبلة في الشارع الاردني.

واصاب الزلزال عمان وست مدن أخري جنوبها واقعة في محيط البحر الميت، وقد دفع هذا الزلزال التلفزيون الاردني الي تغيير برامجه ليبث علي مدار اليوم بأكمله ما تحتويه مكتبته من أشرطة وأفلام وثائقية وإرشادية ذات صلة بموضوع الزلازل، فيما إنشغل الجميع بالبحث عن أسئلة تمكن الناس من مواجهة الزائر المخيف الذي يتوقع الجميع عودته ليفتح أبواب الأردنيين عنوة ودون إستثناء.

وعلي نحو مباغت وبينما كان الأردنيون منشغلين بقضاياهم اليومية والمعيشية وفي تمام الساعة العاشرة والربع صباحا إهتز كل شيء في سبع مدن أردنية تقريبا وبطريقة شعر بها الجميع علي نحو أو آخر، وخلافا لكل مرة تحصل فيها هزة صغيرة او محدودة، فان الزلزال الذي بلغت قوته 4.9 درجة علي سلم ريختر شعر فيه في غرف نوم ومصانع وبيوت ومدارس الأردنيين، ورغم ان كود البناء الأردني المعتمد حسب نقابة المهندسين يحتمل زلازل بمقياس ست درجات إلا ان المشاهد المرعبة التي اثارها زلزال بم الإيراني بين الناس في المنطقة دفع شعور الهلع عند الأردنيين إلي أقصي مدي، وفي شكل غير مسبوق.

وخلال دقائق فقط تغير وقع الحياة في الاردن، وكان آلاف الأردنيين يخلون منازلهم وشركاتهم ومبانيهم وينزلون الي الشارع، فيما أخليت المدارس ايضا من الطلاب الذين تم جمعهم في الساحات المكشوفة، وحصل نوع من الهستيريا المؤقتة بسب هول الصدمة، اذ كان الأردنيون دوما يعتقدون انهم معزولون عن النشاط الزلزالي الذي يتحدث عنه العلماء في منطقة صدع البحر الأحمر التي تقع المدن الأردنية في إمتداداتها.

وحصلت فوضي وانهيارات عصبية وتضرر أربعة عمال في منطقة البحر الميت بإنهيار جدار من الطوب فوقهم، وإنقطعت الكهرباء بصورة محدودة في بعض المواقع، وصدر أمر سريع من وزير التربية والتعليم بتعطيل المدارس لما تبقي من اليوم.

وفي الساعة الأولي بعد الزلزال لم يكن قد صدر أي خبر رسمي يوضح للناس حقيقة ما يجري، وإستسلم الأردنيون تماما لمحطة الجزيرة التي اعلنت بان هزة اخري بقوة ست درجات في طريقها للحصول في وقت لاحق من اليوم نفسه (امس) دون ان يصدر من الجهات الرسمية ما يصادق علي هذه التنبؤات.

وبعد ساعة ونصف تقريبا تمكن التلفزيون الرسمي من تجاوز الصدمة الأولي فإستدعي المختصين والخبراء وشرع في بث كل ما له علاقة بالزلازل قبل ان يتوجه رئيس الوزراء فيصل الفايز شخصيا لمركز رصد الزلازل الوحيد في المنطقة، وقبل ان تصدر تطمينات للناس بان هزات أخري أقل من الهزة الكبيرة حصلت دون ان يشعر بها الناس، مما يعتبر دليلا علي عدم وجود نشاطات زلزالية إرتدادية قوية في المستقبل القريب، حسبما يقول خبير الزلازل الحكومي في سلطة المصادر الطبيعية درويش جاسر، الذي اصبح في غضون دقائق وجها مألوفا للأردنيين الباحثين عن اي معلومة مفيدة تمكنهم من الإستعداد للأسوأ.

وبثت السلطات ساعات من النداءات الإرشادية التي تطالب المواطنين بتجنب الهلع والخوف والتراكض والتزاحم والخروج للشوارع، فيما ظهر بان سلسلة التعليمات التطمينية لا تنجح في تبديد تخوف الناس المؤسس علي ذكريات الزلزال الإيراني الأخير الذي دمر مدينة بأكملها وأحالها ركاما علي سكانها.

وفورا بدأ المواطنون بالبحث عن خيارات يلجأون إليها في نهاية الأسبوع الحالي في حالة تكرار المشهد خصوصا وان الرأي العام لا يصدق كثيرا الخبراء المحليين، حيث سبق لعلماء جامعيين ان حذروا من نشاط زلزالي متزايد سيجتاح المنطقة خلال الأعوام القليلة المقبلة مشيرين الي ان الحكومات قصرت في التعامل مع حقائق هذه المواقف.

والسلطات الرسمية من جانبها إندفعت لتأكيد عدم وجود اي مخاوف وإستخدمت لغة متحفظة وغير حاسمة بخصوص إحتمالات حصول هزات أرضية لاحقا، مما ساهم في تعزيز مخاوف الجمهور الذي دخل في مزاج الزلزال والمتوتر والمغرق بالقلق متجاهلا تطمينات الحكومة وسلطاتها.

إلا ان إدارة الدفاع المدني بعد ان وزعت إرشاداتها علي الناس اعلنت وجود إستعداد تام للتعامل مع كل الطوارئ الناتجة عن حصول زلازل مستقبلية متعهدة للمواطنين بمواجهة اي نتائج أو أضرار في حالة عودة الزائر المرعب لبيوت الأردنيين الذين يعيشون اصلا وسط غابة من الزلازل والكوارث والحروب في الدول المحيطة بهم ومؤكدة ان فرقها تدربت جيدا علي برامج الإخلاء العامة في حالات الكوارث.

وأجواء الزلزال بنسخته الأردنية التي تقل نسبيا بدرجات عن نسخته اللبنانية وتعادل النسخة الفلسطينية والإسرائيلية فرضت نفسها علي إجتماع للبرلمان تصادف إنعقاده، فقد اضطر رئيس الحكومة لقطع المداولات التشريعية والإعلان عن حصول الزلزال متعهدا بان أجهزة الحكومة تتابع الموقف بتيقظ وهي مستعدة لأسوأ الاحتمالات داعيا الناس لعدم الخوف والإستماع ومطمئنا بان تعطيل المدارس إجراء إحترازي.

وردود الفعل في بعض القطاعات كانت طريفة فالأبنية الحكومية أخليت من الموظفين الذين أمروا بالذهاب لبيوتهم قبل غيرها من الأبنية، اذ ان الابنية الحكومية في غالبيتها آيلة للسقوط اصلا وتعاني من التشققات بدون زلازل، وفي بعض المدارس ضاعفت المعلمات من جرعات الخوف عند التلاميذ بسبب صيحاتهن لحظة وقوع الزلزال مما تسبب بإصابات طفيفة وحالات إغماء في العديد من المدارس.

واصبح مشهد سقوط شخص مغشيا عليه خوفا من الزلزال مألوفا، وتناقل الصحافيون معلومات عن مسؤولين كبار في الدولة والحكومة سبقوا موظفيهم في الخروج للشارع هربا من الإنهيارات المتوقعة مما يعني ان الهلع اصاب النخبة ايضا، علما بأن الأبنية الأردنية عموما مشهود لها بالكفاءة بسبب شروط الكود الصعبة التي تفرضها نقابة المهندسين علي المخططات.

وسواء شاءت الحكومة أم أبت، فان ملف الزلازل المسكوت عنه فتح الآن، وهو ملف شائك لأنه يحتوي الكثير من المعلومات والتقارير المثيرة التي أخفتها الحكومات السابقة وحاصرت أصحابها خشية نشر الهلع بين المواطنين، وبعض المسؤولين الكبار يعرفون بان مختصين سبق ان حذروا في وثائق خاصة من تزايد النشاط الزلزالي في منطقة صدع البحر الأحمر التي تمتد ما بين نويبع المصرية وإيلات المحتلة شمالا بإتجاه البحر الميت الذي كان هذه المرة مركز الزلزال الخفيف الذي واجهه الأردنيون امس، والذي حصل بسبب إنزياحات وقعت علي عمق 21 كيلومترا تحت سطح البحر الميت.

*القدس العربي

التعليقات