صفقة التبادل وقوة الردع الإسرائيلية بقلم: د.احمد الطيبي

صفقة التبادل وقوة الردع الإسرائيلية


بقلم: د.أحمد الطيبي

"لقد أصيبت قوة الردع الإسرائيلية بالصميم". تكررت هذه المقولة على لسان عديد من أصحاب القرار العسكري والسياسي في إسرائيل بعد إتمام صفقة تبادل الأسرى بين الحكومة الإسرائيلية من جهة وبين حزب الله من جهة أخرى. تكررت هذه المقولة بلهجة التحذير والغضب ولكن أساسا بلغة تطالب بضرورة ترميم ما أصيب. أي ترميم السلاح الأساس لدولة إسرائيل منذ قيامها وهو قوة الردع الخارقة أو حتى مجرد الصيت الذائع لهذه القوة.

وفسر المتحدثون أن كانوا عسكريين أو سياسيين تقديرهم ومقولتهم هذه استناداً إلى " التوازن " الذي نشأ على شاشات التلفزيون التي قسمت الشاشة إلى جزئين متساويين الأول مطار "بن غوريون" وخطاب اريئيل شارون والثاني " ساحة الشهداء " في بيروت وخطاب سماحة الشيخ حسن نصر الله, مع فارق شاسع الوضوح هو الحزن والأسى في جانب والأهازيج في الجانب الأخر. تراتيل الحاخامات على جثامين الجنود القتلى من جهة وزغاريد النساء وشارات النصر في مطار بيروت.

والاهم من ذلك من وجهة النظر الإسرائيلية هو كلام سماحة الشيخ حسن نصر الله الذي اسمع تحذيراً واضحاً بان حزب الله ما زال يملك خياراً ثالثاً وهو خطف الجنود الإسرائيليين (إلى جانب خيار المعلومات عن رون أراد أولا وخيار الدبلوماسية والأفكار الخلاقة ثانياً ) وهو ما كان اريئيل شارون وكأنه على موعد معه, فقد اسمع هو الآخر وبنفس الوقت خلال خطابه في بن غوريون تحذيراً بان إسرائيل لن تحتمل إطلاقا خطفاً مجدداً لجنودها


وبان ردها في تلك الحالة سيكون رداً من نوع أخر. كذلك فعل شاؤول موفاز وزير الأمن الإسرائيلي.

سمعنا الكثير من الكلام حول هذا المحور في أروقة الكنيست وخطاباتها. نواب من اليمين أو اليسار على حد سواء. سمعنا يوسي سار يد من ميرتس يقول بان "قوة الردع الإسرائيلية فشلت. وأصبحت على كفي عفريت" سمعنا أريه إلداد من حزب الإتحاد الوطني المتطرف يقول: "إن قوة الردع الإسرائيلية سحقت حتى التراب في هذه الصفقة".

واستطرد البعض يقول " إن إسرائيل لن تستطيع لزمن طويل أن تحتمل هذا الثمن الباهظ لتبادل جثث موتى مع أسرى أحياء ".

كان هذا كلام السياسيين ولكن كلام العسكريين حول المساس بقوة الردع الإسرائيلية هو الأهم وهو مصدر القلق أو هكذا يجب أن يكون. عديدون من جنرالات قيادة الأركان الإسرائيلية عارضوا هذه الصفقة أو وافقوا عليها مرغمين. ولذلك عندما يتحدث هؤلاء الجنرالات عن المساس بقوة الردع الإسرائيلية فهنا يكمن الخطر الذي نريد حقاً أن نحذر منه ونشير إليه.

إن النهج الذي تأسست عليه الدولة أو بالأصح الذي استمرت عليه إسرائيل كالدولة الأقوى بالمنطقة هو عدوانيتها وهجومها وتحديداً "قوة ردعها" (وليس بالضرورة قوة ردعها النووية) بل بالاحرى قوة ردعها الضاربة التي تخيف جيرانها ومن هم ابعد من جيرانها: "إذا وُجهت لإسرائيل صفعه فإنها ترد بزلزال", وهو المفهوم الذي سقط في عملية التبادل الأخيرة وكذلك بشكل أوسع سقط في الانتفاضة الأخيرة التي استخدم فيها الإسرائيليون "زلزالهم": طائرات الاف 16 ودبابات "المركباة" والسفن البحرية والاغتيالات والحواجز والاغلاقات دون أن يكسروا شوكة الشعب الفلسطيني الذي رفض أن تدمغ ذهنيته بالهزيمة كما أراد لهم موفاز ويعلون قادة آلة البطش الإسرائيلية.

لقد قال معلق الشئون العربية في القناة الثانية الإسرائيلية ايهود يعاري المرتبط جيداً بالمؤسسة العسكرية: إن العالم العربي لم يعد يتحدث عن

الحرب ولا حتى عن الحرب الباردة وبقينا اليوم ليس أمام دول وجيوش منظمة بل أمام "اضعف" الأعداء لنا: الفلسطينيين واللبنانيين, ولكننا لا نملك طريقة عسكرية أو أمنية مناسبة للتعامل معهم.

وعندما يصبح الحديث عن تقلص قوة الردع الإسرائيلية وانحسارها مركباً أساسياً في الخطاب العلني للحكومة الإسرائيلية واذرعتها فالموضوع يتطلب الحذر والحيطة من مغامرات جديدة يقوم بها شارون وموفاز وأركان جيشهم لإعادة تأهيل النفسية الإسرائيلية المتردية وقوة الردع المصابة بالصميم. على الفلسطينيين أولا أن يأخذوا ذلك بالحسبان رغم أن إسرائيل جعلتهم حقل تجارب وجربت كل أنواع أسلحتها ضدهم ولكن على القيادة الفلسطينية أن تحذر وعلى الناس والفصائل أن يحذروا.

على حزب الله وقيادته وعلى لبنان بأكمله أن يحذر من انفلات هذا "الوحش الجريح".

على سوريا وقيادتها أن تأخذ الحيطة من غارات جديدة أكثر وحشية وعمقاً على الأراضي السورية, وعلى زعماء الفصائل الفلسطينية أن يحذروا. فقد يكون الرد "الشاروني" الأكثر"إسرائيلية" على المبادرات السورية العقلانية المطالبة باستئناف المفاوضات, وكذلك على الجرح الإسرائيلي النازف قد يكون هذا الرد عسكريا وعدوانيا وليس فقط تحريضياً و إعلاميا رافضاً.

على إيران وقيادتها أن تحذر. فضربها أو التحرش بها سيقدم لإسرائيل نقاط كثيرة في الرأي العام المحلي وهي بأمس الحاجة إلى ذلك. خاصة أن بعض محاور القرار في إسرائيل تعتقد أن الهبوط في قوة إيران وتأثيرها بعد احتلال العراق ربما توقف مؤخراً وبان صفقة التبادل أعطت نقاطاً لمحور حزب الله –إيران-سوريا وهو ما يناقض تماما نهج وفكر شارون-موفاز-ريتشارد بيرل - رامسفيلد.

ونهاية,ً أمام كل هذا كله على العرب أن يدركوا أن هذه الفرحة العارمة التي حلت بتحرير عدد من الأسرى هي يوفوريا مؤقتة وأن قوانين اللعبة الجيو سياسية ,وخاصة في هذا الإقليم, يوجد لها ضباط إيقاع يريدون أن يستمروا

في لعبة شد خيوطها في واشنطن وتل أبيب وخاصة أمام هذا الوهن العام والانكسار العربي المريع.

, ليس من المفروض أن تكون هذه المعادلة سرمدية ودائمة فهل هناك قدرة أو حتى رغبه عربية في تغيير ميزان لعبة شد الخيوط في الشرق الأوسط ؟؟

*د.أحمد الطيبي: النائب العربي في الكنيست ورئيس الحركة العربية للتغيير.

التعليقات