امرأة فلسطينية هزمت الاحتلال الإسرائيلي

امرأة فلسطينية هزمت الاحتلال الإسرائيلي

-عملت كعاملة نظافة في مكتب المحامية الإسرائيلية "فيليسيا لانجر" في الصباح الباكر وعند الدوام أجلس على مكتبي كمساعدة للمحامية

-كان يفترض أن أبقى عاملة أغسل الصحون في مطعم إسرائيلي وخضت تحدي مرير حتى أصبحت محامية مرموقة

-استطعت ان أجعل محكمة العدل العليا الإسرائيلية ان تنظر في ملف الاغتيالات ولأول مرة في تاريخ إسرائيل

-زوجي ونتنياهو بينهما قاسم مشترك. شقيق كل منهما قتل في عملية عنتيبي بأوغندا

غزة – دنيا الوطن

بعد رحلة شاقة وقاسية في مواجهة ظروف إنسانية قررت بأن تكون نائلة عطية سيدة مسحوقة، فتحولت النتيجة بصورة غير متوقعة ، بأن انتصرت على الظروف القاسية والمؤلمة وفي الوقت نفسه انتصرت "نائلة" على الاحتلال الإسرائيلي..

وصفتها الصحفية الإسرائيلية المعروفة"عميرة هس" في صحيفة "هآرتس" بأنها: "فعلت ما لم يفعله الرجال طوال 35 سنة من الاحتلال الإسرائيلي".

ومن مدينة "رام الله" اختارت إقامتها رغم أنها تحمل الجنسية الإسرائيلية وأصبح مكتبها وجهة كل من طالهم ظلم الاحتلال، فتصدت لأخطر القضايا ومنها كفاحها المستميت حتى وافقت محكمة العدل العليا الإسرائيلية ولأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل بالنظر في موضوع "الاغتيالات" ورفعت دعوى قضائية ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ايهود براك ورئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي شاؤول موفاز حول قضية اغتيال د. ثابت ثابت أمين سر حركة "فتح" في طولكرم. ودافعت عن "آمنة منى" فتاة الانترنت الفلسطينية وأجبرت الجيش الإسرائيلي على انسحاب من أراضي "أبو هولي" في قطاع غزة بقرار من محكمة العدل العليا الإسرائيلية خلال انتفاضة الاقصى، وعندها اتصلت بها شخصيات فلسطينية وقالوا لنائلة: "لقد انتصرت على الاحتلال". إضافة لقضية جمال الدرة والد الشهيد الطفل محمد الدرة، وشهداء الأمن الوطني الفلسطيني الخمسة في حاجز "بيتونيا" الذين قتلوا وهم نيام. وسلسلة طويلة من القضايا الكبيرة والمعقدة.

دنيا الوطن حاورت المحامية نائلة عطية حول رحلتها من حيفا إلى رام الله حيث انتصرت على ظروفها وعلى الاحتلال معاً:

*لماذا اخترت رام الله للإقامة بها؟

-إنني أحمل درجة الماجستير في القانون الدولي تخصص حقوق الإنسان بتقدير امتياز، ودرست في الجامعة العبرية ثم أكملت دراستها العليا في أوكرانيا، وكنت من الفلسطينيات اللواتي انتمين لحزب "راكاح" الشيوعي الإسرائيلي،وطلب مني الحزب خلال الثمانينات التوجه للقدس من اجل المساعدة قانونيا في مكتب المحامية الإسرائيلية المعروقة "فيليسيا لانغر"، وفعلا توجهت لمكتبها في القدس وبدأت بالمساعدة في قضايا المواطنين الفلسطينيين خاصة المعتقلين. وكنت في السادسة والعشرين من العمر، وعملت مساعدة للمحامية "لانغر".

ومن هناك في القدس، بدأت التعرف على هموم شعبي وظروفهم تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة، وأصبحت اعيش معاناتهم، ولكن ظروفي كانت قاسية جدا لا تقل قسوة عن ظروف الشعب الفلسطيني.

ولم أتوقع آنذاك أن تكون قسوة ظروف الفلسطينيين بالصورة التي عايشتها وشاهدتها بأم عيني، من الظلم والقهر والفقر خاصة في المخيمات الفلسطينية. وواصلت عملي وانتقلت إلى رام لله، وخلال أحداث انتفاضة الأقصى كنت قد وصلت لمستوى جيد ومرموق في مهنة المحاماة، فأخذت على عاتقي مواجهة الاحتلال قانونيا ونقلت المعركة قانونيا إلى أروقة محكمة العدل العليا الإسرائيلية.

*ماذا تتذكرين الان من رحلة عملك في مكتب المحامية الإسرائيلية "فليسيا لا نجر"؟

-لقد تابعت ما لا يقل عن 2000 قضية لمواطنين فلسطينيين، ومعتقلين، ومنهم المرحوم فيصل الحسيني عندما اعتقل، وأكرم هنية، رئيس تحرير صحيفة "الأيام" الفلسطينية، ود.أحمد النتشه وآخرون، وكنت أتلقى أجرا شهريا من كتب المحامية "لانجر" 150 دولار فقط، ولم يكن هذا الجر يكفي نفقاتي الشخصية، فطلبت من المحامية "لانجر" أن أعمل صباحا في مكتبها بالتنظيف أي "كخادمة"" وكنت آتي للمكتب صباحا في ساعة مبكرة قبل بدء العمل الرسمي، فأقوم بتنظيف المكتب بصفتي "عاملة نظافة"، وعند بدء العمل الرسمي عند الساعة التاسعة صباحا، أجلس على مكتبي كمحامية مساعدة، وذلك من اجل توفير بعض النقود الإضافية لنفقاتي، وكان عملا شريفا لا أخجل منه وقابل عملي في تنظيف المكتب كانت تعطيني شهريا "25"دولار إضافية فقط.

*كيف واجهت ظروفك المعيشية آنذاك؟

- كانت الحياة صعبة جدا بالنسبة لي، وكما ذكرت كان دخلي محدودا، وأدفع منه أجرة منزل، وأذكر في حزيران 1987 بأن توفى والدي، وعملت في ساعة متأخرة، ولم يكن لدى أجرة سيارة "تاكسي" للوصول إلى حيفا لإلقاء النظرة أخيرة على والدي، فاضطررت للانتظار لليوم التالي وتوجهت بالحافلة، فوجدت والدي في ثلاجة دفن الموتى بالمستشفى، وكانت صدمة لي فأنا لم أشاهده منذ 14 عاما آنذاك، وشاهدته متوفي في ثلاجة المستشفى. لأن والدتي انفصلت عن والدي، وكانت والدتي تهدد من يذهب لزيارته من أبنائها بأنه لن يعود للمنزل، وهكذا كانت الأمور.

وكان والدي ممن تشردت عائلته عام 1948 ولم ير أخوته ولا يعرف أين هم، وتوفيت جدتي "والدة أبي" خلال حرب 1948، وقام والدي بجرها بعد أن أصيبت بالقذائف وحفر لها حفرة ودفنها بمفرده.

وعمل والدي صيادا للسمك في بحر "حيفا" وأطلق عليه اليهود لقب "شيخ البحر"، وحتى الآن يذكره يهود حيفا باسم "شيخ البحر"، ويتحدثون بقصصه.

وبعد وفاة والدي شعرت بأنني فقدت مركز حياتي، وقررت العمل في القدس بكل ما تكدس في داخلي من اضطهاد ومعاناة وبدأت أشعر بأنني أحقق شيئا كلما واجهت الاحتلال وبعد اندلاع الانتفاضة الأولى أغلق مكتب المحامية "فليسيا لانجر" لأسباب مالية، وسعيت حتى استطعت افتتاح مكتب خاص لي بعد إكمال دراساتي العليا في القانون.

وبعد ذلك تابعت قضية معتقل فلسطيني "رياض أبو عكر" في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الذي اعتقل بعد زفافه بشهر تقريبا، في أواخر عام 1990، وذهبت لزيارته في السجن فوجدته لا يعرف القراءة أو الكتابة، يهمهم مثل الحيوانات، مهمل في زاوية ملوثة في السجن في زنزانة مظلمة، بدون كهرباء والقاذورات على وجهه.

*لماذا وصل لهذه الحالة؟

- من شدة التعذيب بالكهرباء، وفضحت الإسرائيليين، ورفعت دعوى في المحكمة المركزية، وأقرت المحكمة بتعويض هذا الشاب بحوالي 150 ألف دولار، عن المعاناة النفسية والجسدية والألم الذي حدث له.

*ماذا تذكرين من مرحلة الطفولة والشباب في حيفا؟

- لقد درست في جامعة حيفا، وكان "كاهانا" ومجموعته من المتطرفين يهاجمون الجامعة، مما اضطرني لترك الجامعة وأبحث عن جامعة أخرى، لأتسلح بشهادة، واستطعت بهذا التحدي أن أغير مصيري المحتوم الذي لم يكن سيتجاوز في أبعد الحدود عاملة غسل صحون أو منظفة في مطعم ما، فهذا هو المصير المفترض في وضع اقتصادي صعب جدا كنت أعيشه مع أسرتي، ولم يكن لدينا "أونروا" أو "صدقات" ولا غيره تعيننا.

- وما أذكره في مراحل طفولتي وبداية الوعي الشباب، هي رحلة معاناة وألم وصراع مرير مع ظروف لا ترحم أبداً، فقد عملت في بداية حياتي لأن والدي أصيب بالشلل في عام 1973، وكان عمري 15سنة، وتوقف والدي عن الإنفاق على الأسرة بسبب مرضه، وخرجت والدتي لتعمل وأنا كذلك، فعملت في قاعة الأعياد لليهود، وأشرفت على مكتبة تابعة لحزب "راكاح" الإسرائيلي، وتارة أخرى عملت سكرتيرة، وطيلة فترة عملي كنت طالبة أتابع دروسي، ولم أنقطع عن الدراسة، حتى أصبحت محامية.

- وأذكر المنزل الذي عشت فيه بحيفا، كان يتكون من غرفة واحدة وحمام مشترك مع أناس آخرين، وكانت أسرتي من العائلات الفلسطينية التي رفضت الهجرة عام 1948، فقام اليهود بجمعهم بأماكن محددة في "وادي النسانيس" بحيفا، ثم وزعوا على هذه العائلات منازل عبارة عن غرفة واحدة لكل أسرة، رغم أن أملاكنا وأراضينا وبيوتنا لا تبعد سوى كيلومترات وأحيانا مئات الأمتار، ولكن اليهود أخذوا كل شئ|.

- وخلال هذه الفترة عملت أسرتي كلها في تجميع صحيفة "الجديد" وهي صحيفة أدبية كان يرأسه تحريرها الشاعر الفلسطيني المعروف "محمود درويش"، حيث كانت المطابع آنذاك ليست متطورة، وكانوا ياتون لنا بالصحيفة لنجمعها يدويا مقابل أجر بسيط.

وكانت لي اهتمامات أدبية وتميزت في قراءة وكتابة الشعر الشعبي، ولكن لم أتابع هذه الأمور، بسبب لقمة العيش، فظروفي لم تسمح لي سوى أن أحارب كي أعيش ولم يكن لدي متسع من الوقت للبكاء على أطلال أحزاني، مما جعلني أكرس كل جهدي ووقتي لمستقبلي الدراسي، واخترت سلاحا أشد ضراوة من سلاح الكلمة، وهو سلاح الكلمة المسلحة بالقانون.

 كيف استطعت الآن خوض هذا التحدي ضد الاحتلال ولا سيما ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ايهود براك؟

- إنني مؤهلة نفسيا ومعنويا لخوض هذا التحدي، فأنا لم أصل لمكانتي في مهنة المحاماة بمكرمة أو منحة من أحد أو من أي جهة، وأصبح التحدي جزء من شخصيتي، لقد توجهت لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية بقضية ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية "ايهود براك" وكان على رأس مهامه، والمسألة لم تكن شخصية وإنما سعيت بكل طاقتي لحماية مواطنين فلسطينيين في هذه القضية، وقد استطعت أن أفتح هذا الملف ولأول مرة في تاريخ إسرائيل في محكمة العدل العليا الإسرائيلية، وقد أجبرت المحكمة باراك على الرد قانونيا على الدعوى التي رفقها، وما تزال القضية مستمرة.

 هل يتفهم زوجك شخصيتك؟

- أولا رغم ظروفي القاسية التي عشتها، فأنا سيدة وديعة مسالمة، واستطعت بوعيي أن أركز غضبي والقهر الذي عشته في حياتي ضد الاحتلال الإسرائيلي لأنه المسئول عن معاناة الفلسطينيين كأفراد وكشعب، وأنا فلسطينية جزء من هذا الشعب، وزوجي د.راسم جابر، طبيب أسنان، عاش من جانبه معاناة أخرى، فقد عاش في الشتات وعاد لفلسطيني عام 1994 وتزوجنا، وكنا قد التقينا معا في أوكرانيا.وشقيق زوجي "فايز جابر" استشهد في عملية عنتيبي في أوغندا عام 1976، حيث كان ضمن المجموعة التي اختطفت الطائرة ودفن في أوغندا، وعادة عندما نذكر تلك الحادثة، أقول لزوجي يوجد قاسم مشترك بينك وبين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، فقد قتل شقيق نتنياهو في عملية تخليص الرهائن في الطائرة المخطوفة بأوغندا عام 1976، أي نفس العملية "عنتيبي".

*كيف عثر عليك د.راسم برام الله؟

-بعد عودته أراد إدخال أدوات طبية لافتتاح عيادته عبر ميناء حيفا، فاضطر للبحث عن محامي لمساعدته، فوجدني أمامه مرة أخرى بعد لقاءنا في موسكو، فقررنا أن نعيش معا وتزوجنا هذه المرة.

-

التعليقات