قصة واقعية في نابلس تفوق خيال السينما العالمية

قصة واقعية تفوق خيال السينما العالمية

خمس ساعات قضاها مسافرون فلسطينيون عند حافة هوة سحيقة بسيارة تتأرجح

غزة-دنيا الوطن

أجبرت ممارسات الاحتلال والحواجز سيارات الفلسطينية أن تسلك طرقا وعرة وجبلية لنقل المسافرين مما أدى إلى وقوع حادث لايمكن أن يحصل إلا في السينما العالمية بخيالها الواسع وإمكاناتها الضخمة ..ولكنه حصل في الواقع وعلى سفوح جبال عيبال في الضفة الغربية .وتذكرنا هذه الحكاية الخطيرة بأفلام عالمية كوميدية للمثل الفرنسي لوي دو فينيس أو أفلام العنف والإثارة والمطاردات البوليسية بان تعلق سيارة على حافة هوة سحيقة ويقضي البطل ساعات الليل في سيارة تتأرجح وتحتبس أنفاس المشاهدين من أن تنزلق السيارة بفعل نسمة هواء أو حركة غير محسوبة من المحتجزين فبداخلها .

وعند انحدار سفح جبل عيبال الشاهق كانت عدة دقائق بالنسبة لستة ركاب وسائقهم، تفصل بين الحياة والموت، بعد أن علقت السيارة التي كانوا يستقلونها... نصف في الفراغ يتأرجح ونصف آخر على سطح صخرة أملس كانت خلاله حركة الإطارات مستحيلة.

قال السائق حينها لركابه: "أغمضوا عيونكم وتوكلوا على الله" لهول الموقف الذي وجدوا فيه أنفسهم في لحظات فصلت بين الموت والحياة.

وقد انطلقت سيارة المازدا الحمراء القانية ذات الدفع الرباعي بستة ركاب من مجمع السيارات الشرقي في وسط مدينة نابلس، عند مغيب شمس "لم تظهر البتة" من خلف الغيوم الكثيفة المتلبدة في يوم شتوي ضبابي ماطر.

في السيارة جلس الركاب إضافة إلى السائق، اثنان في المقعد الأمامي الملاصق لمقعد السائق وأربعة في المقعد الخلفي وجميعهم خرجوا في قضاء حاجات ماسة في المدينة.

كان جميع الركّاب في مقتبل عمرهم، وقد أضناهم الوقوف في مجمّع الكراجات بعد أن أمطرت السماء مطراً غزيراً ففقدوا الأمل في عبور أية سيارة عبر قمة جبل عيبال لنقل الركاب مقابل خمسة وعشرين شيكلاً للراكب.

وكان السائق شجاع للغاية ومقدام لأنه عبر "الطريق الأخطر" في شمال الضفة الغربية صوب مدينة نابلس لينقل الركاب المحجوزين في ذلك اليوم.

وقد اضطرت عدة سيارات جيب و"تندر" رباعية الدفع إلى نقل عشرات الركاب الذين احتجزوا بعد أن أغلقت قوات الاحتلال جميع الطرق المؤدية إلى مدينة نابلس، علاوةً على سوء الأحوال الجوية التي جعلت من حركة السيارات صعبة للغاية.

وقال أحد المسافرين:إنه عندما انطلقنا من مجمع السيارات، كانت الساعة تقترب من الثالثة عصراً حيث اشتدت الرياح الجانبية على سفوح الجبال الشاهقة المحيطة بالمدينة متغيرة الاتجاه وأوحلت الأرض وسيطر الضباب الكثيف على الطقس المعتم لشدّة كثافة الغيوم.وقبل أن نبدأ الرحلة اختلفت آراء الركاب بين موافق على إكمال الرحلة نحو قرى شمال الضفة الغربية أو اللجوء إلى مساكن في المدينة، أو التوجّه إلى أحد حواجز قوات الاحتلال الإسرائيلي والذي لا يسمح الجنود هناك حتى للموتى والمرضى المحمولين في سيارات إسعاف بالمرور عبره.

وأيقن الركاب وغيرهم من الذين حوصروا داخل "المدينة المحاصرة" بفعل الانتشار العسكري الإسرائيلي الذي وصل ذروته هذه الأيام أنه لا بديل غير سلوك طريق وادي الحمام الذي يبداً من أعالي سفح عيبال أعلى جبال نابلس وأشدها خطورة.

ومع أن السائق كان يعرف مدى خطورة الطريق والتي قد يفقد فيه المسافرون أنفسهم في أية لحظة بسبب الظروف الجوية السيئة من جهة ومطاردة جيش الاحتلال لهم من جهة أخرى، إلا أنّه شدّ من أزر الرّكاب وبدّد بعض خوفهم لعلمه أنه لا مجال إلا لسلوكها أو البحث عن مبيت في المدينة.

بدأت السيارة تتسلق سفح الجبل ذا التربة الطينية البيضاء الموحلة بالقرب من منطقة المساكن الشعبية في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة لتصل بصعوبة إلى أرض مستوية وتنزلق عجلاتها التي غلّفها الطين نحو بقعة لتجمع ماء قطرها لا يقل عن خمس مترات وتخرج منها بأعجوبة.

كانت خطورة الرحلة تزداد رعباً مع تقدّم السيّارة في سيرها صوب قمة الجبل على القمة استوت الأرض قليلاً فهدأت نفوس الركاب مع أن الخوف من وعورة الطريق في المرحلة القادمة كان لا يزال يسيطر عليهم، خاصة وأنهم سمعوا من راعٍ كان يرعى شياهه في تلك المنطقة أن إحدى السيارات علقت في مرحلة متقدمة من الطريق وأن العناية الإلهية حالت دون موت محقق لجميع ركابها.

مضت أكثر من ثلاث ساعات والسيارة تتقدم رويداً رويداً نحو الانحدار العظيم نحو "وادي الحمام" الذي يفضي في نهايته إلى شلالات وادي الباذان، في أول الانحدار كان هناك بديلان بالنسبة للسائق كلاهما في نفس الخطورة والوعورة.

بدأت السيارة تهبط الانحدار شيئاً فشياً وكانت المرات التي فقد فيها السائق السيطرة على سيارته كثيرة بسبب الكتل الصخرية الملساء التي لا مفر من مواجهتها أو خروج مقود السيارة عن سيطرة السائق نهائياً.

مضى من الوقت ساعة أخرى متخمة بالرعب قبل أن تقطع السيارة منتصف انحدار وادي الحمام الثاني والأشد خطورة فتتعلق بين "السماء والأرض" ليشعر الركاب بالموت مرة وبالحياة مرةً أخرى قبل أن يتنفسوا الصعداء في نهاية الوادي.

عبرت السيارة حقل لوز محاط بأشجار الكينا والصنوبر، أحس الركاب الستة وسائقهم الذي أمتعهم بأغنية فيروز "أنا وشادي" أنهم أكملوا مشواره المرعب في وادي الحمام نحو منازلهم وقد أخذ الليل من ساعاته الأولى الكثير.

التعليقات