موشحات أندلسية في غزة تغازل أروقة قصر الحمراء
موشحات أندلسية في غزة تغازل أروقة قصر الحمراء
غزة-سامي أبو سالم
يا غصن نقى مكللاً بالذهب
أفديك من الردى بأمي وأبي
إن كنت أسأت في هواكم أدبي
فالعصمة لا تكون إلا لنبي
أبيات من الموشحات الأندلسية، أمتع بها الفنان أيمن أبو عبدو، والفنانة شيرين زيدان، الحضور خلال أمسية ثقافية، نظمتها بلدية غزة في قرية الفنون والحرف، مساء الأربعاء الماضي.
الموشحات وألحان الفرقة الموسيقية، التي تخللت جولة مصورة في قصر الحمراء بغرناطة للدكتور المهندس نهاد المغني، تناغمت مع الزخارف والأرابيسك، التي احتوتهما شرائح عديدة، ركزت على إظهار الجانب الجمالي من العمارة الكلية للقصر.
طاولة حديدية مرصعة بالفسيفساء، تعتليها آلة عرض الشرائح "بروجيكتور"، أمام شاشةٍ بيضاء، عرض من خلالها المغنّي ملخصاً للفن المعماري الإسلامي في الأندلس. وبعد جولةٍ سريعة في شوارع مدينة غرناطة القديمة، توقف المغني عند أسوار قصر الحمراء الشهير في غرناطة، إحدى أشهر القطع الفنية في أوروبا، بل والعالم، والذي شيده ملوك بني الأحمر في أواسط القرن الثامن الهجري.
واستهل المغني، مساعد رئيس بلدية غزة لشؤون التنظيم والتخطيط، وأستاذ الهندسة في جامعة بيرزيت سابقاً، حديثه بسمات الفن المعماري الإسلامي، التي ظهرت في: الخصوصية، وعدم المبالغة في التزيين والتجميل في الأسوار والمباني الخارجية، وهي السمة التي طغت على تصميم المباني الداخلية وشوارع غرناطة القديمة.
خلال عرض الشرائح، كانت الخصوصية في منتهى الوضوح في هندسة قصر الحمراء، وعدم المبالغة في التزيين ، التي تدعم الخصوصية، ظهرت بجلاء على أسواره الشاحبة، الصامتة، التي، ربما، لا تعطي انطباعاً بأن كنوزاً من القطع الفنية ترقد بين جنباته، خاصة وأن ألواحاً كثيفة من الصبار، الذي نقش عليها طلاب قسم الهندسة في جامعة بيرزيت أسماءهم، خلال رحلتهم العلمية لـ"الأندلس" عام 93، تنمو إلى جانب السور.
البساطة والغموض الذان اكتنفا السور الخارجي، بدأت تتكشف أسرارهما تدريجياً داخل القصر، من خلال المرور بالحدائق الجميلة والأحواش المدمجة مع المساحات المائية.
لمسة إبداعية طالت جل الخطوات خلال رحلة المرور، فالحضور الطاغي للزهور الحمراء وسط البساتين والحدائق الخضراء، كان آخاذاً وساحراً، والمساحات المائية، التي استمدت، إلى حدٍ ما، زرقتها من السماء، أحاطت ببعضها زهورٌ غلب عليها اللون الأصفر، في استكمالٍ منساب لنسق الألوان.
المرور بصالات وساحات القصر: ساحة القصبة الجديدة، ساحة الساقية، وساحة السلطانة ذات الأقواس الخشبية، التي تقود إلى صالة الريان ومنها إلى صالة العرش، لا يكون مروراً عابراً، أما صالة السباع، التي تقوم على 124 عموداً من الرخام الأبيض، وتتوسطها نافورة يحيط بها إثنا عشر أسدا، تخرج المياه من أفواهها في أوقات محددة، وتغذيها بالماء أربع قنوات تشير إلى الاتجاهات الرئيسية الأربعة، فعمقت الرغبة بالتأمل والشعور الكلي بالتناغم.
إبداعٌ من نوعٍ آخر، أوقع العلماء المعاصرين في حيرة، كيف استطاع فنيو ذاك العصر تصميم نافورة تضخ الماء، دون استخدام المولدات والمضخات الآلية؟ حسابات معقدة في الرياضيات والجغرافيا والفيزياء، وأشياء أخرى نجهلها، استطاع من خلالها المهرة توليد طاقة حركية مجانية تجعل المياه تجري بعكس قوة الجاذبية.
هذا النسيج الجمالي لم يكن حكراً على العين، فالأذن أيضاً كان لها نصيب في الاستماع إلى تدرجات أنغام خرير نوافير وجداول المياه المتسللة بين أشجار وورود البساتين الخضراء الممتدة، التي لا يقطعها سوى المساحات المائية والمدرجات الرخامية، التي تترك لك العنان في لذة الاستمتاع.
الخطوط العربية أحد أهم العناصر في العمارة الإسلامية، فالأعمدة الرخامية الأسطوانية، التي تحمل على رؤوسها التيجان المزركشة ذهبية اللون، وتربطها كورنيشات، احتضنت آيات من القرآن الكريم، بحيث لم يخلُ أي منها من "لا غالب الا الله". وشكلت هذه التيجان قواعداً للأقواس المزركشة بالنقوش والزخرفات الهندسية.
أما الأروقة، فتنتهي بالساحات والصالات الداخلية للقصر، وتزينها أسقف خشبية تدرج فيها الألوان بنسقٍ متناغم مع المنحوتات الذهبية والبيضاء، بيد أن كل هذا الجمال بات مألوفاً، مقارنة بالنجوم ثمانية الأشكال التي تحمل القباب الداخلية.
أربعة أعمدة، يتفرع من تاج كلٍ منها ضلعان يتآلفان مع ستة أضلاع أخرى، لتنتج نجمة ثمانية الأضلاع، تشكل قاعدة لقبة مرصعة بأشكال هندسية وزخارف تأخذ العين إليها من أي اتجاه وأي زاوية، أما المقرنصات، فكانت لوحدها بمثابة مدرسة على الصعيد الفني والمعماري.
في الممرات الداخلية المؤدية للغرف، لم يغفل الفنانون عن ترك بصمتهم على البلاط: قطع من الرخام الأبيض المزينة بأشكال هندسية حمراء، تداخلت مع البلاط طيني اللون، قطع الأرابسك الخشبية، النقوش واللوحات الفسيفسائية على الجدران.
الغرف كانت بمثابة لوحات فنية في غاية من الروعة والاتقان والجمال والحرفية العالية في تداخل الزوايا وتقاطع الخطوط المستقيمة، التي تنتج أشكالاً تجريدية بعيدة عن التجسيد، الذي ينهى عنه المعتقد الديني.
أسئلة الحضور التي أعقبت جولة الدكتور المغني، التي اختتمها بمرور سريع على القصبات "المباني المخصصة للخدم"، ركزت على موضوعة التجسيد والنهي عنه في الدين الإسلامي، حيث استند معظمهم في النقاش على وجود نافورة السباع، التي ظهر فيها التجسيد واضحاً جلياً.
زركشات من نوع آخر احتلت مكاناً بين مقاعد الحضور: حاملا "بكرج" القهوة السادة و"إبريق" الخروب المزين بالورود، ملابسهما المطعمة بتطريزات مشابهة للنقوش الفسيفسائية في القصر، غير أنها افتقدت إلى التناغم مع الأثواب الفلسطينية وأسرجة الخيل المطرزة، التي علقت خلف الفرقة الموسيقية وجدران صالة العرض المسقوفة بأضلاع الخشب، والتي تدلت منها أيقونات وفوانيس خافتة اللون، في تواصل مع أروقة وأسقف الحمراء.
بالذي أسكر من عزم اللما كل عهد تحتسيه وحبا
والذي كحل جفنيك بما سجد السحر لديه........
والذي أجرى دموعي عندما............
قصيدة اختتم بها الفنان أبو عبدو "الأمسية الأندلسية"، التي كانت تتويجاً للبرنامج الثقافي لعام 2003، الذي نظمته البلدية، كما قالت مديرة قرية الحرف والفنون، المهندسة نهاد شقليه، مبينةً أن البرنامج نفذ بتمويل ذاتي وأجنبي.
من جانبه قال الدكتور نهاد المغني، إن تركيزه على هذا الجانب من الفن المعماري يأتي في إطار محاولة إبراز هذا الفن، ليكون مصدر إلهام لإبداعات معمارية جديدة في البلاد، موضحاً أن جهود البلدية في هذا الإطار، بدأت من خلال ترميم وتهذيب المباني القديمة في غزة العتيقة.
أما الفنانة شيرين زيدان، التي تعمل مدرسة موسيقى، فقالت: إنها المرة الأولى التي تقدم فيها موشحات أندلسية، الأمر الذي شجعها للمضي قدماً في هذا اللون.
أسامة العالول، أحد الحضور، الذي خرج مبتهجاً من قاعة العرض، أسعده التناسق المعماري والموسيقي الذي اكتنف الأمسية، متمنياً أن تتواصل مثل هذه الأنشطة "العربية الأصيلة"، أما سمية بدران، فتحمست إلى المزيد من الأنشطة التي من شأنها أن تعيد إحياء الطرب العربي الأصيل.
غزة-سامي أبو سالم
يا غصن نقى مكللاً بالذهب
أفديك من الردى بأمي وأبي
إن كنت أسأت في هواكم أدبي
فالعصمة لا تكون إلا لنبي
أبيات من الموشحات الأندلسية، أمتع بها الفنان أيمن أبو عبدو، والفنانة شيرين زيدان، الحضور خلال أمسية ثقافية، نظمتها بلدية غزة في قرية الفنون والحرف، مساء الأربعاء الماضي.
الموشحات وألحان الفرقة الموسيقية، التي تخللت جولة مصورة في قصر الحمراء بغرناطة للدكتور المهندس نهاد المغني، تناغمت مع الزخارف والأرابيسك، التي احتوتهما شرائح عديدة، ركزت على إظهار الجانب الجمالي من العمارة الكلية للقصر.
طاولة حديدية مرصعة بالفسيفساء، تعتليها آلة عرض الشرائح "بروجيكتور"، أمام شاشةٍ بيضاء، عرض من خلالها المغنّي ملخصاً للفن المعماري الإسلامي في الأندلس. وبعد جولةٍ سريعة في شوارع مدينة غرناطة القديمة، توقف المغني عند أسوار قصر الحمراء الشهير في غرناطة، إحدى أشهر القطع الفنية في أوروبا، بل والعالم، والذي شيده ملوك بني الأحمر في أواسط القرن الثامن الهجري.
واستهل المغني، مساعد رئيس بلدية غزة لشؤون التنظيم والتخطيط، وأستاذ الهندسة في جامعة بيرزيت سابقاً، حديثه بسمات الفن المعماري الإسلامي، التي ظهرت في: الخصوصية، وعدم المبالغة في التزيين والتجميل في الأسوار والمباني الخارجية، وهي السمة التي طغت على تصميم المباني الداخلية وشوارع غرناطة القديمة.
خلال عرض الشرائح، كانت الخصوصية في منتهى الوضوح في هندسة قصر الحمراء، وعدم المبالغة في التزيين ، التي تدعم الخصوصية، ظهرت بجلاء على أسواره الشاحبة، الصامتة، التي، ربما، لا تعطي انطباعاً بأن كنوزاً من القطع الفنية ترقد بين جنباته، خاصة وأن ألواحاً كثيفة من الصبار، الذي نقش عليها طلاب قسم الهندسة في جامعة بيرزيت أسماءهم، خلال رحلتهم العلمية لـ"الأندلس" عام 93، تنمو إلى جانب السور.
البساطة والغموض الذان اكتنفا السور الخارجي، بدأت تتكشف أسرارهما تدريجياً داخل القصر، من خلال المرور بالحدائق الجميلة والأحواش المدمجة مع المساحات المائية.
لمسة إبداعية طالت جل الخطوات خلال رحلة المرور، فالحضور الطاغي للزهور الحمراء وسط البساتين والحدائق الخضراء، كان آخاذاً وساحراً، والمساحات المائية، التي استمدت، إلى حدٍ ما، زرقتها من السماء، أحاطت ببعضها زهورٌ غلب عليها اللون الأصفر، في استكمالٍ منساب لنسق الألوان.
المرور بصالات وساحات القصر: ساحة القصبة الجديدة، ساحة الساقية، وساحة السلطانة ذات الأقواس الخشبية، التي تقود إلى صالة الريان ومنها إلى صالة العرش، لا يكون مروراً عابراً، أما صالة السباع، التي تقوم على 124 عموداً من الرخام الأبيض، وتتوسطها نافورة يحيط بها إثنا عشر أسدا، تخرج المياه من أفواهها في أوقات محددة، وتغذيها بالماء أربع قنوات تشير إلى الاتجاهات الرئيسية الأربعة، فعمقت الرغبة بالتأمل والشعور الكلي بالتناغم.
إبداعٌ من نوعٍ آخر، أوقع العلماء المعاصرين في حيرة، كيف استطاع فنيو ذاك العصر تصميم نافورة تضخ الماء، دون استخدام المولدات والمضخات الآلية؟ حسابات معقدة في الرياضيات والجغرافيا والفيزياء، وأشياء أخرى نجهلها، استطاع من خلالها المهرة توليد طاقة حركية مجانية تجعل المياه تجري بعكس قوة الجاذبية.
هذا النسيج الجمالي لم يكن حكراً على العين، فالأذن أيضاً كان لها نصيب في الاستماع إلى تدرجات أنغام خرير نوافير وجداول المياه المتسللة بين أشجار وورود البساتين الخضراء الممتدة، التي لا يقطعها سوى المساحات المائية والمدرجات الرخامية، التي تترك لك العنان في لذة الاستمتاع.
الخطوط العربية أحد أهم العناصر في العمارة الإسلامية، فالأعمدة الرخامية الأسطوانية، التي تحمل على رؤوسها التيجان المزركشة ذهبية اللون، وتربطها كورنيشات، احتضنت آيات من القرآن الكريم، بحيث لم يخلُ أي منها من "لا غالب الا الله". وشكلت هذه التيجان قواعداً للأقواس المزركشة بالنقوش والزخرفات الهندسية.
أما الأروقة، فتنتهي بالساحات والصالات الداخلية للقصر، وتزينها أسقف خشبية تدرج فيها الألوان بنسقٍ متناغم مع المنحوتات الذهبية والبيضاء، بيد أن كل هذا الجمال بات مألوفاً، مقارنة بالنجوم ثمانية الأشكال التي تحمل القباب الداخلية.
أربعة أعمدة، يتفرع من تاج كلٍ منها ضلعان يتآلفان مع ستة أضلاع أخرى، لتنتج نجمة ثمانية الأضلاع، تشكل قاعدة لقبة مرصعة بأشكال هندسية وزخارف تأخذ العين إليها من أي اتجاه وأي زاوية، أما المقرنصات، فكانت لوحدها بمثابة مدرسة على الصعيد الفني والمعماري.
في الممرات الداخلية المؤدية للغرف، لم يغفل الفنانون عن ترك بصمتهم على البلاط: قطع من الرخام الأبيض المزينة بأشكال هندسية حمراء، تداخلت مع البلاط طيني اللون، قطع الأرابسك الخشبية، النقوش واللوحات الفسيفسائية على الجدران.
الغرف كانت بمثابة لوحات فنية في غاية من الروعة والاتقان والجمال والحرفية العالية في تداخل الزوايا وتقاطع الخطوط المستقيمة، التي تنتج أشكالاً تجريدية بعيدة عن التجسيد، الذي ينهى عنه المعتقد الديني.
أسئلة الحضور التي أعقبت جولة الدكتور المغني، التي اختتمها بمرور سريع على القصبات "المباني المخصصة للخدم"، ركزت على موضوعة التجسيد والنهي عنه في الدين الإسلامي، حيث استند معظمهم في النقاش على وجود نافورة السباع، التي ظهر فيها التجسيد واضحاً جلياً.
زركشات من نوع آخر احتلت مكاناً بين مقاعد الحضور: حاملا "بكرج" القهوة السادة و"إبريق" الخروب المزين بالورود، ملابسهما المطعمة بتطريزات مشابهة للنقوش الفسيفسائية في القصر، غير أنها افتقدت إلى التناغم مع الأثواب الفلسطينية وأسرجة الخيل المطرزة، التي علقت خلف الفرقة الموسيقية وجدران صالة العرض المسقوفة بأضلاع الخشب، والتي تدلت منها أيقونات وفوانيس خافتة اللون، في تواصل مع أروقة وأسقف الحمراء.
بالذي أسكر من عزم اللما كل عهد تحتسيه وحبا
والذي كحل جفنيك بما سجد السحر لديه........
والذي أجرى دموعي عندما............
قصيدة اختتم بها الفنان أبو عبدو "الأمسية الأندلسية"، التي كانت تتويجاً للبرنامج الثقافي لعام 2003، الذي نظمته البلدية، كما قالت مديرة قرية الحرف والفنون، المهندسة نهاد شقليه، مبينةً أن البرنامج نفذ بتمويل ذاتي وأجنبي.
من جانبه قال الدكتور نهاد المغني، إن تركيزه على هذا الجانب من الفن المعماري يأتي في إطار محاولة إبراز هذا الفن، ليكون مصدر إلهام لإبداعات معمارية جديدة في البلاد، موضحاً أن جهود البلدية في هذا الإطار، بدأت من خلال ترميم وتهذيب المباني القديمة في غزة العتيقة.
أما الفنانة شيرين زيدان، التي تعمل مدرسة موسيقى، فقالت: إنها المرة الأولى التي تقدم فيها موشحات أندلسية، الأمر الذي شجعها للمضي قدماً في هذا اللون.
أسامة العالول، أحد الحضور، الذي خرج مبتهجاً من قاعة العرض، أسعده التناسق المعماري والموسيقي الذي اكتنف الأمسية، متمنياً أن تتواصل مثل هذه الأنشطة "العربية الأصيلة"، أما سمية بدران، فتحمست إلى المزيد من الأنشطة التي من شأنها أن تعيد إحياء الطرب العربي الأصيل.

التعليقات