إسرائيل تقدم الاستشارات للقوات الامريكية في العراق في مجال الاغتيالات
إسرائيل تقدم الاستشارات للقوات الامريكية في العراق في مجال الاغتيالات
غزة-دنيا الوطن
منذ بداية الانتفاضة اتهم الجنود الإسرائيليون بارتكاب جرائم حرب ومذابح والأخطر من كل شيء جرائم قتل الأطفال، فهناك 2534 فلسطينياً قتلوا منذ بدء الانتفاضة، 434 منهم تحت 18 عاماً و110 منهم تحت 12 عاماً، وذلك حسب إحصاءات الهلال الأحمر الفلسطيني.
على الرغم من الأصداء "المدوية" التي تركها اعتقال صدام حسين، فإن المؤشرات تؤكد أن إدارة بوش توشك على شن حملة من القتل الجماعي في العراق بمساعدة فنية من كوادر الجيش الإسرائيلي وهو ما أكدته مصادر أمريكية وإسرائيلية مجددا. فبعد أن تملكها الإحباط من ضوء تزايد قوة المقاومة الشعبية المتنامية في العراق وإصرارها على خفض معدلات الخسائر الأمريكية هناك قبل جولة إعادة الانتخاب في نوفمبر المقبل.
وافقت الإدارة الأمريكية على سياسة يمكن أن توصف بأنها قريبة الشبه ببرنامج الاغتيالات المشين الذي تبنته "السي إي إيه" أثناء حرب فيتنام والذي عرف باسم "عملية العنقاء" وهي العملية التي راح ضحيتها ما يزيد على 41 ألف فيتنامي أزهقت أرواحهم خلال أربع سنوات بداية من 1958.
واستعدادا لبدء تلك الحملة، أحضرت القيادة العسكرية الأمريكية خبراء في الحروب المدنية من الجيش الإسرائيلي إلى فورت براغ فانورث بولاية كارولينا، وهي المنطقة التي تتخذها القوات الخاصة الأمريكية مقرا لها، ويجرى هناك تدريب فرق اغتيال على طرق استخدمتها الوحدات العسكرية الإسرائيلية الخاصة لقمع المقاومة الفلسطينية التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وكانت صحيفة "الغارديان" اللندنية قد نقلت مؤخرا عن مسئول سابق كبير في "السي اى إيه" تأكيده أن "الأمر بالفعل عبارة عن برنامج للاغتيالات فهؤلاء الناس هم فريق من القتلة"، وحذر المسئول السابق من اعتماد واشنطن على المساعدة الإسرائيلية في شن تلك العملية، مؤكدا أن هذا الاعتماد سوف يزيد من حالة الحنق التي تواجهها قوات الاحتلال الأمريكي على امتداد منطقة "الشرق الأوسط".
وفي الوقت نفسه ظهرت مقالة للكاتب الأمريكي المحنك سيمور هيرش في مجلة "نيويوركر" مؤخرا حذر فيها مما وصفه بأنه "تصعيد خطير للحرب الخفية للقوات الخاصة في العراق" وأكد هيرش في المقالة نفسها كذلك على دور إسرائيل في تدريب هؤلاء الذين سوف ينفذون برنامج الاغتيالات. وعلى حد تأكيد هيرش فان مجموعة عمليات خاصة جديدة هي القوة 121 تم تشكيلها واستقطاب عناصرها من القوة دلتا وقوات الضفادع البحرية وقوات "السي أي إيه"
وتأتي تلك الإشارات الخاصة بالتعاون الإسرائيلي الأمريكي في هذا الصدد في أعقاب تقارير من العراق تشير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية قد أعلنت بالفعل عن تكتيكات عسكرية من ابتكار الجيش الإسرائيلي كان قد سبق استخدامها في الأراضي الفلسطينية، فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تكرار عدة أحداث قامت خلالها القوات الأمريكية بهدم منازل يعتقد أنها تنتمي إلى أعضاء في المقاومة العراقية. وبالإضافة إلى ذلك، تم القبض على أقارب لقادة مقاومة مشتبه فيهم، وحدث في مرة واحدة على الأقل أن تمت محاصرة قرية كاملة بالأسلاك الشائكة وإجبار أهلها على أن يدخلوا ويخرجوا إليها ومنها عبر نقطة تفتيش يديرها جنود أمريكيون. وهناك مفارقة واضحة في اتجاه واشنطن نحو "الخبراء" الإسرائيليين طلبا للمساعدة في هذا الشأن، حيث حذر أربعة من قادة "الشين بيت" الإسرائيلي، وهي الجهة التي تدير ما يطلق عليه "عملية مكافحة الإرهاب" في إسرائيل بالإضافة إلى رئيس الأركان الحالي في الجيش الإسرائيلي، حذروا جميعا من أن سياسة القمع الحديدية التي ينفذها النظام الصهيوني الحاكم في إسرائيل بقيادة ارييل شارون سوف تؤدي إلى حدوث كارثة اجتماعية وعسكرية.
وللتعرف أكثر على "التكتيكات" الإسرائيلية التي يراد لها أن تجتاح مناطق المقاومة في العراق، ننقل إلى القارئ الكريم بتصرف مشاهد ترويها كاتبة بريطانية (ليندا جرانت) من صحيفة "الغارديان" في مقال لها أخير بعنوان
"الجنود الإسرائيليون كائنات بلا هوية تبدو متجردة من الصلة بالبشر".
الجنود الإسرائيليون كائنات بلا هوية تبدو متجردة من الصلة بالبشر:
من فوق سطح أحد البيوت في تلك القرية يظهر بطن الوادي بمشهد جليل تحفه قمم التلال من بعد وبينها أبراج نابلس البيضاء. وعلى امتداد الطريق يلاقي الفلسطينيون أطفالا ونساء ورجالا الأمرين تحت الشمس الحارقة، حيث يحظر عليهم المرور بأوامر حاجز عسكري إسرائيلي مقام على الطريق، وأرى امرأة بوجهها الذي يتصبب عرقاً، وأخرى تحمل طفلاً مريضاً في حضنها، ومهندس ري يحاول الوصول إلى نابلس لتوقيع عقد. كما تقف منتظرة أيضاً سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر في داخلها الطبيب والسائق. على السطح هناك أكياس الرمل وشبكة التمويه والعلم الإسرائيلي.
في بداية هذا العام احتل الجنود الإسرائيليون سطح دار بيت عائلة الترابي. كان من سوء حظ أبناء هذه العائلة أن بيتهم على حافة الطريق في قرية "قصرة" المشرفة على الطرقات المؤدية إلى نابلس، وهو ما جعله المكان المثالي للاستخدام كبرج مراقبة للجنود الإسرائيليين المكلفين بمنع المهاجمين "الانتحاريين" من دخول المدن الإسرائيلية. أقبل هؤلاء الجنود إلى البيت قبل أسبوع من موعد زفاف ابن الترابي وانتقاله إلى الشقة الجديدة التي بنتها له العائلة. وبعد مضي تسعة شهور لم يقدر للزفاف أن يتم، إذ إن الحواجز الإسمنتية أقيمت أمام بوابة البيت، وكل من يعبر أمامها يصبح عرضة للتفتيش، وإذا لم يرق منظره للجنود، فعليه أن يضع أوراقه الشخصية في صندوق يرفع إلى السطح بحبل. وما زاد مشكلات العائلة أن بعض أهالي القرية قد وصفوهم بأنهم عملاء. وفي المساء يشعر أفراد العائلة بالرعب، ويقول نعيم الترابي (23 عاماً) إنهم يسمعون دوي الطلقات فوق رؤوسهم. أما الأم التي يحظر عليها دخول شقة ابنها فأرادت مني أن أخبرها بالأضرار التي أحدثها الجنود في البيت المعد لابنها.
منذ بداية الانتفاضة اتهم الجنود الإسرائيليون بارتكاب جرائم حرب ومذابح والأخطر من كل شيء جرائم قتل الأطفال، فهناك 2534 فلسطينياً قتلوا منذ بدء الانتفاضة، 434 منهم تحت 18 عاماً و110 منهم تحت 12 عاماً، وذلك حسب إحصاءات الهلال الأحمر الفلسطيني.
صحافيون كثيرون التقوا عائلة الترابي، لكن في خضم الآراء القوية والشهادات التي تخرج من هذا الجزء من العالم، تبقى الأصوات الغائبة هي أصوات الجنود الإسرائيليين، الجالسين على السطح. المحشورين داخل عتادهم الثقيل من "خوذات وبزات" مضادة للرصاص والتقنيات العسكرية المتطورة المحشوة داخل دباباتهم وعرباتهم المدرعة، حيث يبدون كرجال معدنيين، بدون هوية، وكأنهم ليسوا بشراً.
اقتحام الجيش الإسرائيلي لمخيم جنين قبل 18 شهراً كان انهياراً في العلاقات الإعلامية للجيش الإسرائيلي. فمنع دخول الصحافيين أدى إلى تقارير عن مذابح المدنيين وعائلات بأكملها ميتة وأطعمة مسمومة وجرائم اغتصاب. قبل بضعة أشهر قابلت احتياطياً خدم في جنين وتحدث إليّ عما مر بخاطره وهو يرى أرتال الدبابات تعربد في البلدة القديمة مسوية في طريقها البيوت حول الدروب الضيقة بالتراب. مشاهد فظيعة لم يسمع بها أحد. طلبت من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إذناً بالبقاء مع وحدة عسكرية إسرائيلية 5 أيام كاملة دون انقطاع، بشرط أن تكون على علاقة مباشرة مع الفلسطينيين. كنت مهتمة بكسر حاجز الصمت الذي يلف جنود الجيش الإسرائيلي. وحصلت على الموافقة بشرطين، الإشارة للجنود الإسرائيليين باسمهم الأول فقط وأن تتم كل المقابلات بحضور ضابط من إدارة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. وما حصلت عليه لم يكن أفكار ومشاعر الجنرالات ولا السياسيين، وإنما هو للمجندين في جيش الاحتلال الإسرائيلي من أعمار تدور حول 20 عاماً أعطوا أخيراً الإذن بالحديث بدون رقابة.
كان الجنود الموجودون على سطح دار الترابي قد وصلوا صباحاً للحلول محل جماعة أخرى. حين وصلوا كانت الأدراج مغطاة بالقمامة المتعفنة والأرض قذرة. صرخ رقيب بوشم على ذراعه: "إنهم يعيشون كالخنازير، لكنك أتيت متأخرة ساعتين، أتعلمين معنى البقاء أسبوعين حبيسة هذا السطح؟".
كان الجنود المقبلون من لواء مظليين، أتوا بعرباتهم المدرعة من قاعدة على بعد 10 دقائق بالسيارة بجانب مستعمرة قدوميم. الاسم العبري لنابلس هو "شغيم"... إنهم يسمونها "عاصمة الإرهاب"، فمن هنا أتت القنابل والمهاجمون إلى نادى دولفيناريوم الليلي في تل أبيب الذي قتل فيه 21 مراهقاً روسياً، ولبارك هوتيل الذي قتل فيه 30، ومقهى سبارو في القدس الذي مات فيه 15 شخصاً.
يجلس الكابتن أفيرام (24 عاماً) قائد الجماعة خلف مكتبه (وهو هيكل ثلاجة قديمة) في المكان ويقول: "بدأت في قوة المستعربين، كنت أتربص برؤوس بعينها للمنظمات الفلسطينية، أو مع صانعي القنابل الموقوتة، واعتقلت المجموعة التي نفذت عملية في رام الله، قبضت على المسئول بعد ثلاثة أسابيع من الحادثة، وعمره 19 عاماً.. كما شاركت في عملية اعتقال مروان البرغوثي، وفي عملية "الدرع الواقي" كنت في مجمع ياسر عرفات في رام الله، اعتقد أنه ليس هناك مخيم للاجئين لم أدخله". ويتابع: "كانت جنين أصعبها، ليس هناك سبب محدد لهذا، غير أنهم قاتلوا بشجاعة وواجهونا بمقاومة طيبة، كانوا يضعون القنابل على طول الطريق. أعرف أننا في عيون الفلسطينيين قوة احتلال، ولو كان هناك جنود يجلسون في بيتي لشعرت بأنني أتعرض للاحتلال، أما التفجيرات الانتحارية فلا أستطيع أن أفهمها بعد ثلاث سنوات".
حين وضع الطبيب الفلسطيني وسائق سيارة الإسعاف بطاقات الهوية في الزجاجة البلاستيكية أمام الدار، رفعها آفي (20 عاماً) وهو إثيوبي من يهود أفريقيا ثم سلمها لجندي اللاسلكي الذي بث رقمي البطاقتين إلى من هو أعلى منه وهكذا حتى وصلا تل أبيب حيث مكتب جهاز الشاباك، قوات الأمن الداخلي الإسرائيلي، وهو ما جعل الطبيب وسائقه ينتظران ساعتين تحت الشمس وهو الإجراء الذي يدافع عنه الجيش بالقول إن سيارات الإسعاف تنقل عادة انتحاريين مجهزين بأحزمة ناسفة. آخي هو حفيد حاخام يهودي في أديس أبابا قام في السبعينيات بإحضار أول دفعة مهاجرين يهود إثيوبيين إلى إسرائيل عبر السودان. في إثيوبيا كانوا يدعون بالفلاشا وتعني "الغرباء" وفي عام 1991 قامت إسرائيل بعملية "موسى" التي نقلت فيها جوا ما تبقى من يهود فلاشا إلى إسرائيل والتي تضمنت فضيحة حين قام الحاخامات بعمليات تحويل خرافية لهم لاعتقادهم بأنهم ليسوا يهودا حقيقيين. يقول آخي: "لا أستطيع القول أنه ليس هناك تمييز ضدنا، لا أحد يقول شيئا علنا لكنني أراه وأعرفه"... شاي (الملازم الثاني البالغ من العمر 22 عاما) عاد من دورة تدريبية قيادية لمدة أسبوعين ثم إلى البلدة التي يعيش فيها بين تل أبيب وحيفا. عائلته هاجرت إلى إسرائيل عام 1979 من أوكرانيا يقول: "أنا من قوة متخصصة بالاستطلاع، وعملنا هو الاستطلاع والاعتقالات والبحث، أمضيت ثمانية أو تسعة أشهر في طولكرم قبل أن آتي إلى هنا، قمنا بعمل جيد هناك، نستطيع أن نخلي المكان بأكمله من (الإرهاب) لكن الأمر سيكون صعبا، إذ علينا أن نجعل من الأطفال والنساء أعداء لنا، نستطيع أن نسيطر على المدينة بأكملها، لكن إن كان هناك صبي معه كلاشنكوف، فسيصبح عدوك"... أصدقاء شاي لا يصدقون أنه مدد عقده مع الجيش سنتين أخريين، يقول أحدهم: "في البداية كان شجاعا، أما الآن فهو مجنون، لابد أن يكون هناك خدش في دماغ المرء حتى يفعل ذلك"...
قبل سنتين من الآن تحدث المراسل كريس هيدجز من "نيورك تايمز" عن جنود إسرائيليين في غزة "أغروا أطفالا وكأنهم فئران للاقتراب من الفخ وقتلوهم من أجل التسلية".
يقول ليران رون فوير الرقيب السابق في الجيش الإسرائيلي في كتاب جديد له بعد أن قام بخدمته العسكرية في غزة في أواسط التسعينيات، إن ما يفعله الجيش الإسرائيلي هو تحويل الكل إلى كائنات بلا هوية عديمي الصلة بالبشر. من جانبه يقول عودي أحد الضباط السابقين "الجيش يقتل الأطفال، إنه يفعل ذلك وهذه حقيقة، إننا لا نستطيع أن ننكرها فالأرقام تؤكدها، الأطفال يُقتلون، هناك الكثيرون في العالم يقولون إن طاعة الأوامر ليست عذراً، وأحيانا يجب أن نرفض الأوامر، وأنا أوافق أنه يجب أن نرفض الأوامر".
غزة-دنيا الوطن
منذ بداية الانتفاضة اتهم الجنود الإسرائيليون بارتكاب جرائم حرب ومذابح والأخطر من كل شيء جرائم قتل الأطفال، فهناك 2534 فلسطينياً قتلوا منذ بدء الانتفاضة، 434 منهم تحت 18 عاماً و110 منهم تحت 12 عاماً، وذلك حسب إحصاءات الهلال الأحمر الفلسطيني.
على الرغم من الأصداء "المدوية" التي تركها اعتقال صدام حسين، فإن المؤشرات تؤكد أن إدارة بوش توشك على شن حملة من القتل الجماعي في العراق بمساعدة فنية من كوادر الجيش الإسرائيلي وهو ما أكدته مصادر أمريكية وإسرائيلية مجددا. فبعد أن تملكها الإحباط من ضوء تزايد قوة المقاومة الشعبية المتنامية في العراق وإصرارها على خفض معدلات الخسائر الأمريكية هناك قبل جولة إعادة الانتخاب في نوفمبر المقبل.
وافقت الإدارة الأمريكية على سياسة يمكن أن توصف بأنها قريبة الشبه ببرنامج الاغتيالات المشين الذي تبنته "السي إي إيه" أثناء حرب فيتنام والذي عرف باسم "عملية العنقاء" وهي العملية التي راح ضحيتها ما يزيد على 41 ألف فيتنامي أزهقت أرواحهم خلال أربع سنوات بداية من 1958.
واستعدادا لبدء تلك الحملة، أحضرت القيادة العسكرية الأمريكية خبراء في الحروب المدنية من الجيش الإسرائيلي إلى فورت براغ فانورث بولاية كارولينا، وهي المنطقة التي تتخذها القوات الخاصة الأمريكية مقرا لها، ويجرى هناك تدريب فرق اغتيال على طرق استخدمتها الوحدات العسكرية الإسرائيلية الخاصة لقمع المقاومة الفلسطينية التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وكانت صحيفة "الغارديان" اللندنية قد نقلت مؤخرا عن مسئول سابق كبير في "السي اى إيه" تأكيده أن "الأمر بالفعل عبارة عن برنامج للاغتيالات فهؤلاء الناس هم فريق من القتلة"، وحذر المسئول السابق من اعتماد واشنطن على المساعدة الإسرائيلية في شن تلك العملية، مؤكدا أن هذا الاعتماد سوف يزيد من حالة الحنق التي تواجهها قوات الاحتلال الأمريكي على امتداد منطقة "الشرق الأوسط".
وفي الوقت نفسه ظهرت مقالة للكاتب الأمريكي المحنك سيمور هيرش في مجلة "نيويوركر" مؤخرا حذر فيها مما وصفه بأنه "تصعيد خطير للحرب الخفية للقوات الخاصة في العراق" وأكد هيرش في المقالة نفسها كذلك على دور إسرائيل في تدريب هؤلاء الذين سوف ينفذون برنامج الاغتيالات. وعلى حد تأكيد هيرش فان مجموعة عمليات خاصة جديدة هي القوة 121 تم تشكيلها واستقطاب عناصرها من القوة دلتا وقوات الضفادع البحرية وقوات "السي أي إيه"
وتأتي تلك الإشارات الخاصة بالتعاون الإسرائيلي الأمريكي في هذا الصدد في أعقاب تقارير من العراق تشير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية قد أعلنت بالفعل عن تكتيكات عسكرية من ابتكار الجيش الإسرائيلي كان قد سبق استخدامها في الأراضي الفلسطينية، فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تكرار عدة أحداث قامت خلالها القوات الأمريكية بهدم منازل يعتقد أنها تنتمي إلى أعضاء في المقاومة العراقية. وبالإضافة إلى ذلك، تم القبض على أقارب لقادة مقاومة مشتبه فيهم، وحدث في مرة واحدة على الأقل أن تمت محاصرة قرية كاملة بالأسلاك الشائكة وإجبار أهلها على أن يدخلوا ويخرجوا إليها ومنها عبر نقطة تفتيش يديرها جنود أمريكيون. وهناك مفارقة واضحة في اتجاه واشنطن نحو "الخبراء" الإسرائيليين طلبا للمساعدة في هذا الشأن، حيث حذر أربعة من قادة "الشين بيت" الإسرائيلي، وهي الجهة التي تدير ما يطلق عليه "عملية مكافحة الإرهاب" في إسرائيل بالإضافة إلى رئيس الأركان الحالي في الجيش الإسرائيلي، حذروا جميعا من أن سياسة القمع الحديدية التي ينفذها النظام الصهيوني الحاكم في إسرائيل بقيادة ارييل شارون سوف تؤدي إلى حدوث كارثة اجتماعية وعسكرية.
وللتعرف أكثر على "التكتيكات" الإسرائيلية التي يراد لها أن تجتاح مناطق المقاومة في العراق، ننقل إلى القارئ الكريم بتصرف مشاهد ترويها كاتبة بريطانية (ليندا جرانت) من صحيفة "الغارديان" في مقال لها أخير بعنوان
"الجنود الإسرائيليون كائنات بلا هوية تبدو متجردة من الصلة بالبشر".
الجنود الإسرائيليون كائنات بلا هوية تبدو متجردة من الصلة بالبشر:
من فوق سطح أحد البيوت في تلك القرية يظهر بطن الوادي بمشهد جليل تحفه قمم التلال من بعد وبينها أبراج نابلس البيضاء. وعلى امتداد الطريق يلاقي الفلسطينيون أطفالا ونساء ورجالا الأمرين تحت الشمس الحارقة، حيث يحظر عليهم المرور بأوامر حاجز عسكري إسرائيلي مقام على الطريق، وأرى امرأة بوجهها الذي يتصبب عرقاً، وأخرى تحمل طفلاً مريضاً في حضنها، ومهندس ري يحاول الوصول إلى نابلس لتوقيع عقد. كما تقف منتظرة أيضاً سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر في داخلها الطبيب والسائق. على السطح هناك أكياس الرمل وشبكة التمويه والعلم الإسرائيلي.
في بداية هذا العام احتل الجنود الإسرائيليون سطح دار بيت عائلة الترابي. كان من سوء حظ أبناء هذه العائلة أن بيتهم على حافة الطريق في قرية "قصرة" المشرفة على الطرقات المؤدية إلى نابلس، وهو ما جعله المكان المثالي للاستخدام كبرج مراقبة للجنود الإسرائيليين المكلفين بمنع المهاجمين "الانتحاريين" من دخول المدن الإسرائيلية. أقبل هؤلاء الجنود إلى البيت قبل أسبوع من موعد زفاف ابن الترابي وانتقاله إلى الشقة الجديدة التي بنتها له العائلة. وبعد مضي تسعة شهور لم يقدر للزفاف أن يتم، إذ إن الحواجز الإسمنتية أقيمت أمام بوابة البيت، وكل من يعبر أمامها يصبح عرضة للتفتيش، وإذا لم يرق منظره للجنود، فعليه أن يضع أوراقه الشخصية في صندوق يرفع إلى السطح بحبل. وما زاد مشكلات العائلة أن بعض أهالي القرية قد وصفوهم بأنهم عملاء. وفي المساء يشعر أفراد العائلة بالرعب، ويقول نعيم الترابي (23 عاماً) إنهم يسمعون دوي الطلقات فوق رؤوسهم. أما الأم التي يحظر عليها دخول شقة ابنها فأرادت مني أن أخبرها بالأضرار التي أحدثها الجنود في البيت المعد لابنها.
منذ بداية الانتفاضة اتهم الجنود الإسرائيليون بارتكاب جرائم حرب ومذابح والأخطر من كل شيء جرائم قتل الأطفال، فهناك 2534 فلسطينياً قتلوا منذ بدء الانتفاضة، 434 منهم تحت 18 عاماً و110 منهم تحت 12 عاماً، وذلك حسب إحصاءات الهلال الأحمر الفلسطيني.
صحافيون كثيرون التقوا عائلة الترابي، لكن في خضم الآراء القوية والشهادات التي تخرج من هذا الجزء من العالم، تبقى الأصوات الغائبة هي أصوات الجنود الإسرائيليين، الجالسين على السطح. المحشورين داخل عتادهم الثقيل من "خوذات وبزات" مضادة للرصاص والتقنيات العسكرية المتطورة المحشوة داخل دباباتهم وعرباتهم المدرعة، حيث يبدون كرجال معدنيين، بدون هوية، وكأنهم ليسوا بشراً.
اقتحام الجيش الإسرائيلي لمخيم جنين قبل 18 شهراً كان انهياراً في العلاقات الإعلامية للجيش الإسرائيلي. فمنع دخول الصحافيين أدى إلى تقارير عن مذابح المدنيين وعائلات بأكملها ميتة وأطعمة مسمومة وجرائم اغتصاب. قبل بضعة أشهر قابلت احتياطياً خدم في جنين وتحدث إليّ عما مر بخاطره وهو يرى أرتال الدبابات تعربد في البلدة القديمة مسوية في طريقها البيوت حول الدروب الضيقة بالتراب. مشاهد فظيعة لم يسمع بها أحد. طلبت من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إذناً بالبقاء مع وحدة عسكرية إسرائيلية 5 أيام كاملة دون انقطاع، بشرط أن تكون على علاقة مباشرة مع الفلسطينيين. كنت مهتمة بكسر حاجز الصمت الذي يلف جنود الجيش الإسرائيلي. وحصلت على الموافقة بشرطين، الإشارة للجنود الإسرائيليين باسمهم الأول فقط وأن تتم كل المقابلات بحضور ضابط من إدارة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. وما حصلت عليه لم يكن أفكار ومشاعر الجنرالات ولا السياسيين، وإنما هو للمجندين في جيش الاحتلال الإسرائيلي من أعمار تدور حول 20 عاماً أعطوا أخيراً الإذن بالحديث بدون رقابة.
كان الجنود الموجودون على سطح دار الترابي قد وصلوا صباحاً للحلول محل جماعة أخرى. حين وصلوا كانت الأدراج مغطاة بالقمامة المتعفنة والأرض قذرة. صرخ رقيب بوشم على ذراعه: "إنهم يعيشون كالخنازير، لكنك أتيت متأخرة ساعتين، أتعلمين معنى البقاء أسبوعين حبيسة هذا السطح؟".
كان الجنود المقبلون من لواء مظليين، أتوا بعرباتهم المدرعة من قاعدة على بعد 10 دقائق بالسيارة بجانب مستعمرة قدوميم. الاسم العبري لنابلس هو "شغيم"... إنهم يسمونها "عاصمة الإرهاب"، فمن هنا أتت القنابل والمهاجمون إلى نادى دولفيناريوم الليلي في تل أبيب الذي قتل فيه 21 مراهقاً روسياً، ولبارك هوتيل الذي قتل فيه 30، ومقهى سبارو في القدس الذي مات فيه 15 شخصاً.
يجلس الكابتن أفيرام (24 عاماً) قائد الجماعة خلف مكتبه (وهو هيكل ثلاجة قديمة) في المكان ويقول: "بدأت في قوة المستعربين، كنت أتربص برؤوس بعينها للمنظمات الفلسطينية، أو مع صانعي القنابل الموقوتة، واعتقلت المجموعة التي نفذت عملية في رام الله، قبضت على المسئول بعد ثلاثة أسابيع من الحادثة، وعمره 19 عاماً.. كما شاركت في عملية اعتقال مروان البرغوثي، وفي عملية "الدرع الواقي" كنت في مجمع ياسر عرفات في رام الله، اعتقد أنه ليس هناك مخيم للاجئين لم أدخله". ويتابع: "كانت جنين أصعبها، ليس هناك سبب محدد لهذا، غير أنهم قاتلوا بشجاعة وواجهونا بمقاومة طيبة، كانوا يضعون القنابل على طول الطريق. أعرف أننا في عيون الفلسطينيين قوة احتلال، ولو كان هناك جنود يجلسون في بيتي لشعرت بأنني أتعرض للاحتلال، أما التفجيرات الانتحارية فلا أستطيع أن أفهمها بعد ثلاث سنوات".
حين وضع الطبيب الفلسطيني وسائق سيارة الإسعاف بطاقات الهوية في الزجاجة البلاستيكية أمام الدار، رفعها آفي (20 عاماً) وهو إثيوبي من يهود أفريقيا ثم سلمها لجندي اللاسلكي الذي بث رقمي البطاقتين إلى من هو أعلى منه وهكذا حتى وصلا تل أبيب حيث مكتب جهاز الشاباك، قوات الأمن الداخلي الإسرائيلي، وهو ما جعل الطبيب وسائقه ينتظران ساعتين تحت الشمس وهو الإجراء الذي يدافع عنه الجيش بالقول إن سيارات الإسعاف تنقل عادة انتحاريين مجهزين بأحزمة ناسفة. آخي هو حفيد حاخام يهودي في أديس أبابا قام في السبعينيات بإحضار أول دفعة مهاجرين يهود إثيوبيين إلى إسرائيل عبر السودان. في إثيوبيا كانوا يدعون بالفلاشا وتعني "الغرباء" وفي عام 1991 قامت إسرائيل بعملية "موسى" التي نقلت فيها جوا ما تبقى من يهود فلاشا إلى إسرائيل والتي تضمنت فضيحة حين قام الحاخامات بعمليات تحويل خرافية لهم لاعتقادهم بأنهم ليسوا يهودا حقيقيين. يقول آخي: "لا أستطيع القول أنه ليس هناك تمييز ضدنا، لا أحد يقول شيئا علنا لكنني أراه وأعرفه"... شاي (الملازم الثاني البالغ من العمر 22 عاما) عاد من دورة تدريبية قيادية لمدة أسبوعين ثم إلى البلدة التي يعيش فيها بين تل أبيب وحيفا. عائلته هاجرت إلى إسرائيل عام 1979 من أوكرانيا يقول: "أنا من قوة متخصصة بالاستطلاع، وعملنا هو الاستطلاع والاعتقالات والبحث، أمضيت ثمانية أو تسعة أشهر في طولكرم قبل أن آتي إلى هنا، قمنا بعمل جيد هناك، نستطيع أن نخلي المكان بأكمله من (الإرهاب) لكن الأمر سيكون صعبا، إذ علينا أن نجعل من الأطفال والنساء أعداء لنا، نستطيع أن نسيطر على المدينة بأكملها، لكن إن كان هناك صبي معه كلاشنكوف، فسيصبح عدوك"... أصدقاء شاي لا يصدقون أنه مدد عقده مع الجيش سنتين أخريين، يقول أحدهم: "في البداية كان شجاعا، أما الآن فهو مجنون، لابد أن يكون هناك خدش في دماغ المرء حتى يفعل ذلك"...
قبل سنتين من الآن تحدث المراسل كريس هيدجز من "نيورك تايمز" عن جنود إسرائيليين في غزة "أغروا أطفالا وكأنهم فئران للاقتراب من الفخ وقتلوهم من أجل التسلية".
يقول ليران رون فوير الرقيب السابق في الجيش الإسرائيلي في كتاب جديد له بعد أن قام بخدمته العسكرية في غزة في أواسط التسعينيات، إن ما يفعله الجيش الإسرائيلي هو تحويل الكل إلى كائنات بلا هوية عديمي الصلة بالبشر. من جانبه يقول عودي أحد الضباط السابقين "الجيش يقتل الأطفال، إنه يفعل ذلك وهذه حقيقة، إننا لا نستطيع أن ننكرها فالأرقام تؤكدها، الأطفال يُقتلون، هناك الكثيرون في العالم يقولون إن طاعة الأوامر ليست عذراً، وأحيانا يجب أن نرفض الأوامر، وأنا أوافق أنه يجب أن نرفض الأوامر".

التعليقات