رحلة المتاعب الطويلة للقوات الامريكية بين الأوحال لمطاردة انصار صدام

المقاومة العراقية للإحتلال الأميركي منقسمة حول صدام:

رحلة المتاعب الطويلة بين الأوحال لمطاردي انصار صدام

غزة-دنيا الوطن

صطف جنود وحدة تشارلي في الوحل قبل الفجر إستعدادا لبدء حملة مطاردة وتفتيش عن أنصار الرئيس العراقي صدام حسين. وأضاءت رصاصات خطاطة السماء التي لا تزال تلفها العتمة بعيدا عن الطريق الذي على الوحدة العسكرية أن تسلكه. وقال جندي "هذه ليست ارض صديقة".

ويبدأ نهار 75 عنصرا في وحدة شارلي التابعة للفيلق 325 مشاة المجوقل في الجيش الاميركي في الوحل جنوب شرقي العاصمة العراقية. وتمكنوا بعد ثماني ساعات وبعد ان جف الوحل في الاحذية تحت لفح شمس ما بعد الظهر، من ضبط بعض الاسلحة وتفتيش منازل وسط البساتين واحتجاز رجل واحد يشتبه بعلاقته بصدام حسين.

ونفذ 250 عنصرا من هذه الوحدة ووحدات اخرى "عملية واسعة من البحث والمداهمات" سعيا لردع كل من تسول له نفسه الالتحاق بالمجموعات المسلحة التي تتوالى ضرباتها لجنود التحالف الذي يحتل العراق. وقال الكابتن كين بورجاس قائد الوحدة "لدينا الكثير من المعلومات تشير الى ان الكثير من المسؤولين في حزب البعث يعيشون في المنطقة". واضاف ان الجنود لديهم ايضا معلومات عن وجود "متطرفين دينيين" يخططون لهجمات انطلاقا من هذه المنطقة. وقتل اربعة من جنوده منذ اب/اغسطس في هذه المنطقة التي تقع على مشارف بغداد.

وحين يتحرك الرتل تتلاشى الرصاصات الخطاطة ويصل الجنود بلا مشاكل الى هدفهم الاول وهو عبارة عن منزل مجاور لمسجد. وكان مخبر ابلغهم ان المنزل يؤوي ثلاثة ملتحين ادعوا انهم اطلقوا النار على مروحيات اميركية. والقى الجنود القبض على ستة رجال لم يكن بينهم اي ملتح. ورفع احد المعتقلين يده متضرعا وبدا وكانه لا يفهم ما يجري. واقر الكابتن ان العملية غير ذات جدوى.

وسيصار الى التقاط صور للمعتقلين قبل اخلاء سبيلهم. وقال الكابتن ان المعلومات التي وصلت قد تكون خاطئة غير انه في حال تعرف المخبر على اي من الرجال في الصور فانهم قد يعودون الى المكان. كما عثر الجنود على "معدات كهربائية" سيتم فحصها بعناية لمعرفة ما اذا كانت استخدمت في تفجير عبوات ناسفة.

وفي مكان آخر عثر الجنود على مخبأ اسلحة تحت اشجار نخيل في باحة خلفية.

وليس من المستغرب العثور على بندقية كلاشنيكوف في منزل غير ان احد المنازل احتوى على اكثر من ذلك : رشاش ثقيل ومسدس عراقي ونصف صندوق من الذخيرة.

وبدت على سيدة علامات القلق في حين تم استجواب رجل في الخمسين يقول انه مستشار محلي اضافة الى شاب.

وقال قائد الوحدة "هذا صيد قليل غير انه يمكن ان يقودنا الى امر اكثر اهمية". ولا يحطم الجنود، كما بدا، الابواب ويطلبون عبر مترجمين ان يسمح لهم بالدخول والتفتيش. واضاف الكابتن "نحن ندرك اننا نضايقهم قليلا". ولم يتطلب تفتيش المنزل المكون من غرفتين الكثير من الوقت. ولم يعثر على شيء في حين كانت مروحية تحلق فوق المكان وكان طفل عراقي يلهو مع الجنود.

وعلم الجنود في الاثناء ان سيارة مرسيدس تأتي من حين لاخر لاطلاق قذائف هاون. وقال مخبر اخر انه يمكنه ايصالهم الى احد معاوني عزة ابراهيم الرجل الثاني في نظام صدام حسين. وسال احد الجنود "من هو عزة ابراهيم؟" في حين ستتولى الوحدة التأكد من هذه المعلومة. وكان داخل المنزل ثمانية اطفال وثلاث نساء اكدن انهن لا يعرفن عزة ابراهيم. غير ان الجنود غادروا ومعهم شقيق الحرس الشخصي للمسؤول البعثي.


وعلى صعيد آخر ينقسم منفذو العمليات العسكرية ضد قوات التحالف الاميركي البريطاني الى موالين للرئيس العراقي السابق صدام حسين ومناهضين له وذلك رغم تشابه هجماتهم وتوحدهم حول هدف "تحرير" العراق من الاحتلال.

ففي تحقيق مطول توافقت مصادر متنوعة على تصنيف المقاتلين في ثلاث فئات: الصداميون (انصار صدام حسين)، الاسلاميون من المعتدلين الى المتطرفين، الوطنيون ويضمون بعثيين معادين لصدام حسين وعسكريين سابقين وتنظيمات اخرى ناصرية وقومية عربية.

يقول ابو محمد شيخ عشيرة في غرب العراق موال لصدام حسين ومطلع بحكم موقعه على معطيات المجموعات المناهضة للاميركيين "لا تنسيق ولا فوضى بين هذه الاطراف، الا انها تتقاطع. ويحتفظ كل طرف بهويته: جماعة النظام السابق، الاسلاميون والوطنيون".

ويضيف "لا تعطي القيادة التي يتراسها صدام حسين اوامر مركزية. تكتفي بالتعليمات وتترك للمنفذين ان يستنسبوا".

ويقول ان تعليمات الرئيس تقضي ب"محاربة كل من يقوي الاحتلال" اكان من العراقيين او الاجانب. ووفق تاكيدات ابو محمد، التي لا يمكن التحقق من صحتها، فان الاكثر عددا من المجموعات المقاتلة هم انصار النظام السابق كما انهم الافضل تنظيما. ويقول "هم وراء العمل النوعي. يتمتعون بقدرة عملانية كبيرة لا تتوفر لانواع المقاومة الاخرى. ثمة عمليات تنفذها مجموعات كبيرة منهم تضم ما بين 60 و70 مقاتلا".

صحيح ان الاسلاميين والوطنيين ينفون صحة هذه المقولات، لكن ما يدل على القدرة التنظيمية لدى المجموعات التابعة لصدام حسين ان لها موقعا على شبكة الانترنت ضمن نشرة اسبوعية اخبارية تدعى المحرر. فبعد شهرين فقط على سقوط النظام في نيسان/ابريل الماضي بدأ حزب البعث العربي الاشتراكي بزعامة صدام حسين بنشر بيانات سياسية دورية. وقد نشر حتى الان 18 بيانا اخرها مطلع كانون الاول/ديسمبر الجاري.

كما بدأ الموقع على شبكة الانترنت بعد خمسة اشهر على سقوط النظام بنشر حصيلة اسبوعية بالعمليات التي تتبناها "المقاومة الوطنية المسلحة التي يقودها ويديرها حزب البعث من خلال كوادره وفدائيي صدام وجيش القدس والحرس الجمهوري وكتائب البعث وكتائب الفاروق وقوة الحسين" حسب ما يرد في بيانات انصار النظام السابق.

وتبنت هذه المجموعات عمليات منها استهداف مركز الصليب الاحمر الدولي في 27 تشرين الاول/اكتوبر "لانه يتعامل مع المخابرات المركزية الاميركية" كما اكدت استهداف الايطاليين في الناصرية ب "عملية استشهادية" وعشرات الهجمات على مراكز الشرطة العراقية.

من ناحيته يؤكد حارث الضاري الاستاذ السابق في كلية الشريعة في جامعة بغداد ومن وجهاء عشيرة الضاري السنية المنتشرة غرب بغداد "ان الاسلاميين عامة هم ضد صدام حسين فكيف بالمقاومين منهم" في اشارة الى العداء الشديد الذي يكنه الاسلاميون للنظام البعثي. ويقول "صدام كان يتهم كل من يعارضه من اهل السنة المتدينين بانه وهابي".

ويوضح الضاري انه ليس على صلة بالمجموعات المقاتلة لكنه "عالم دين سني وصاحب ديوان يطلع من خلاله على ما يجري".

ويقول "المقاومة الاسلامية تتمحور حول المساجد. لا تحتاج الى تمويل كبير: المقاتلون متطوعون، الاسلحة متوفرة وكذلك الملاذ الامن لانها تقاتل بين اهلها". ويوضح مصدر اصولي طلب عدم الكشف عن هويته ان "دافع الاسلاميين عقيدة شرعية دينية تفيد بان وجود الكافر على ارض الاسلام يحولها الى دار حرب (مقابل دار سلام) وبان المشاركة في الحرب واجبة".

ويشير المصدر نفسه الى ان بعض الاسلاميين يوالون صدام حسين وينسقون مع انصاره، خصوصا بشان الاسلحة، انطلاقا من مقولة شرعية تفيد بان "ولي الامر ما زال رئيس الدولة لانهم لا يعترفون بالاحتلال الذي اطاح به" وبالتالي "اذا اعلن ولي الامر الجهاد يصبح الجهاد واجبا شرعيا". بالمقابل ترفض "المقاومة الوطنية"، وفق احد عناصرها ويدعى ابو حازم، اي تنسيق وتعاون مع الصداميين لكنها تنسق مناطقيا مع الاسلاميين.

الجميع ياخذ على النظام السابق انه تخلى عن العراق بدون قتال للاميركيين.

ويقول ابو حازم "غالبيتنا من البعثيين الذين خيب صدام حسين املهم ومن العسكرييين الذين اهان كراماتهم". وتختلف دوافع اطراف المجموعات المقاتلة : الصداميون يريدون اساسا عودة قائدهم الى السلطة، الاسلاميون يعتبرون الاميركيين "كفارا يجب قتالهم"، والوطنيون والقوميون يعتبرون الحرب "حرب تحرير" ضد المحتل الاميركي.

كذلك تختلف اهداف عملياتهم. صحيح ان الجميع يستهدف القوات الاميركية، لكن الصداميين يؤكدون في موقعهم على الانترنت "ان كل من يتعامل مع قوات الاحتلال اجنبيا كان او عراقيا هو هدف مشروع للمقاومة". بالمقابل لا يوافق الاسلاميون "على زهق ارواح بريئة عمدا، عراقية كانت او غير عراقية مسلمة او غير مسلمة" كما يؤكد الضاري. وبالنسبة للوطنيين "من الضروري توعية الاهالي حتى لا يتعاملوا مع المحتل لكن شرط ان لا يسيل كثير من الدماء العراقية" كما يؤكد ابو حازم. وتتفق الجهات الثلاث على التقليل من اهمية اي دور للوهابيين والمقاتلين العرب بدون ان تنفي وجودهم باعداد ضئيلة.

التعليقات