القصة الكاملة والخفايا لعودة قيادات حماس الى الاردن

الفايز يرحب بزيارة مشعل ويرهن استقباله بظروف جدول اعماله

الأردن يفتح ابوابه لزيارات قادة حماس ونزال أمضى عطلة العيد في عمان

ـ زيارة رسمية لنزال فتحت الأبواب وأسفرت عن عودة أسر قادة "حماس" للإقامة في الأردن

ـ عمان لا تزال غاضبة من أبي مرزوق و "حماس" حافظت على التزامها بالإتفاق الأمني مع الأردن.

غزة-دنيا الوطن

تطورات ايجابية, وإن تكن بطيئة, تتوالى في علاقات حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مع الأردن.

هذا ما تؤكده لـ "الحدث" مصادر متطابقة, وإذا كانت المعلومات الراشحة تتفاوت من حيث مقدار التفاصيل التي يفصح عنها كل مصدر, فإن جميع المصادر تؤكد على ضرورة عدم الكشف عن هويتها.

طرف الخيط الذي امسكت به "الحدث", وتتبعت مساراته وصولاً إلى كامل المعلومات تمثل في خبر صغير أفاد أن السلطات الأمنية الأردنية سمحت أواخر رمضان الماضي للمهندس ابراهيم غوشة الناطق الرسمي السابق باسم حركة "حماس" بمغادرة الأردن بهدف أداء مناسك العمرة, وذلك لأول مرة منذ عودته الدراماتيكية من قطر إلى الأردن منتصف العام 2001.

غوشة نفسه, بما يعرف عنه من تكتم شديد جعل بعض الإعلاميين المحبين له يصفونه بـ "الكاتم الرسمي" يوم كان ناطقاً رسمياً باسم حركة "حماس", لم يفرج عن أية معلومة تتعلق بأي من أموره, بما في ذلك ادائه للعمرة, وكيفية حدوث ذلك.. بل إنه كان نفى لـ "الحدث" بعد عام من عودته للأردن أن الأجهزة الأمنية تمنعه من المغادرة, وهو ما تأكد لاحقاً مرتين:

الأولى: حين تم تكليف صالح العرموطي نقيب المحامين السابق بمتابعة معاملة تجديد جواز سفره الأردني, وهو ما تم بعد مداخلات عديدة.

الثانية: حين نشرت الموافقة الرسمية على مغادرته لأداء مناسك العمرة.

هذا التطور الإيجابي في العلاقات بين الجانبين لا يقتصر على السماح للمهندس غوشة بأداء مناسك العمرة, وهو ما سنأتي على تفاصيله لاحقاً بعد أن نتناول أسبابه التي تتمثل في العوامل التالية:

الأول: مشاركة حركة "حماس" في حوارات سياسية مع حركة "فتح" وكذلك مع السلطة الفلسطينية, بعد أن كانت "فتح" والسلطة تشكلان عامل تحريض للأردن ضد قادة "حماس" ووجودهم في عمان.

الثاني: أن الجانب الأهم من هذه الحوارات تم برعاية مصرية, بعد أن كان الأردن قبل توتر علاقاته مع "حماس" هو المؤهل الأول لرعاية مثل هذه الحوارات.

الثالث: أن الدور الأردني النشط في اقرار مبدأ مشروع خارطة الطريق كآلية تنفيذ لرؤية الرئيس الاميركي للحل النهائي لفلسطين, تطور كذلك إلى ناقل أمين للأفكار الفلسطينية المقدمة من أجل استئناف التسوية السياسية, وهي افكار نتجت اساساً عن الحوار بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس", وتتركز على الجانب الأمني الذي تعطيه حكومة أرئيل شارون الأولوية على الجانب السياسي.

الرابع: أن حركة "حماس" بدأت تتعاطى ايجاباً مع مقترحات الحلول السياسية المطروحة, وإلى الحد الذي يجعل قيادياً فلسطينياً مثل جميل شحادة أمين عام الجبهة العربية الفلسطينية يصرح لـ "الحدث" في وقت سابق أن حركة "حماس" باتت تتبنى, بشكل غير معلن, البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

الخامس: أن الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي, بالرغم من كل شيء, تبارك الحوارات الفلسطينية ـ الفلسطينية التي تتم برعاية مصرية, ويؤمل منها أن تفضي إلى اقرار هدنة جديدة, هي المدخل المطلوب لتنشيط المسار السياسي للحل الفلسطيني.

السادس: أن الأردن بات يجاهر بموقف مطابق لموقف حركة "حماس" لجهة اشتراط أن تكون الهدنة المقبلة متبادلة, وملزمة لإسرائيل بقدر الزامها لحركة "حماس" وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى.

السابع: أن الأردن الذي انتهج منذ تشكيل حكومته الجديدة برئاسة فيصل الفايز سياسة جديدة في التعامل مع قوى المعارضة الأردنية, وخاصة جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي, يدرك حقيقة التأثير الخفي لحركة "حماس" على الحركة الإسلامية في الأردن, كما يدرك أن "حماس" ظلت تؤيد وحدة الضفتين الغربية والوطنية, وهو احتمال لايجوز للقيادة الأردنية أن تسقطه من حساباتها بشكل كلي, بالرغم من قرار فك الإرتباط القانوني و الإداري لعام 1988, ذلك أن اخفاق الحل الفلسطيني ـ الإسرائيلي, وهو أمر لايمكن تجاهل احتمالاته, يمكن أن يفتح الآفاق في لحظة ما على حلول أخرى.

الثامن: أن التقييدات السورية التي فرضت على حركة "حماس" داخل الأراضي السورية بفضل الضغوط الأميركية, ربما تجعل قادة "حماس" أكثر استعداداً لممارسة شيء من المرونة الآن, يحرص الأردن على تفعيلها.

حرص متبادل على العلاقة

كل هذه الأمور مجتمعة, جعلت متخذ القرار الأردني يعيد حساباته, يشجعه على ذلك أن حركة "حماس" لم تقرر قطع علاقاتها مع الأردن وادارة ظهرها له بشكل كامل إثر طرد قادتها واغلاق مكاتبها في عمان. وقد بدأ التحول في الموقف الأردني قبل تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فيصل الفايز, وإن أحدثت الحكومة الجديدة انعطافة ايجابية في العلاقة مع "حماس".

والواقع أن حرص "حماس" على عدم قطع علاقاتها بشكل كلي مع الأردن, قابله حرص أردني مماثل تجلى في الإتفاق الذي ابرمته دائرة المخابرات العامة مع محمد نزال عضو المكتب السياسي للحركة, على مرحلتين, وذلك مطلع عهد الحكومة السابقة برئاسة المهندس علي أبو الراغب, قضت المرحلة الأولى منهما بإنهاء اختباء نزال الذي استمر طوال 18 شهراً كان خلالها مطارداً من قبل دائرة المخابرات العامة برئاسة الفريق سميح البطيخي, الذي اطاحت به حكومة أبو الراغب.

وقضت مرحلتها الثانية بالسماح لنزال بمغادرة الأردن لاستئناف عمله كعضو في المكتب السياسي للحركة, مع السماح له بزيارة عائلته التي ظلت في الأردن حتى الآن, شريطة عدم ممارسته لأي نشاط سياسي أو اعلامي داخل الأراضي الأردنية.

ومن الناحية العملية, فقد تحول نزال, الذي رفض الأردن الإعتراف به ممثلاً لحركة "حماس" لديه, إلى ضابط ارتباط حقيقي بين الجانبين, كما تجلي ذلك مراراً, وخاصة أثناء العودة الدراماتيكية لغوشة إلى الأردن, حيث اعتمدت دائرة المخابرات العامة نزال مفاوضاً باسم "حماس" لغايات التوصل إلى حل مقبول للجانبين لقضية غوشة.

الحرص الأردني على بقاء حد أدنى من العلاقة مع حركة "حماس" أخذ يتطور ايجاباً منذ أواخر عهد حكومة أبو الراغب, وذلك استناداً إلى العوامل المشار إليها سابقاً.

زيارة نزال

وحين كانت الإتصالات تتواصل بين مختلف أجهزة الدولة الأردنية والحركة الإسلامية بهدف تحفيزها على عدم مقاطعة الإنتخابات النيابية التي جرت في حزيران/يونيو الماضي, تم الإتفاق على قيام محمد نزال بزيارة عمان للإلتقاء مع أحد كبار مسؤولي الأمن, ومن فوره وصل عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية, ممثلها السابق في الأردن للعاصمة عمان, غير أنه انتظر عدة أيام دون أن يرتب له أي لقاء, ما دفعه إلى المغادرة غاضباً. ولم يكد يصل إلى دمشق, حتى تلقى اتصالاً عبر قناة الإتصال, ربما كان عبد المجيد الذنيبات, المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن, الذي أبلغه اعتذار الجهات المعنية عن سوء التنسيق الذي حدث جراء تعجله بالحضور إلى عمان قبل الإتفاق على موعد, ذلك أن ضابطاً كبيراً في دائرة المخابرات العامة كان مقرراً أن يلتقيه, غير أن هذا الضابط لم يكن موجوداً في الأردن حين وصل نزال. وطلب من نزال الحضور للأردن مجدداً من أجل أن يتم اللقاء, وهو ما يؤكد مجدداً الحرص المتبادل على عدم قطع الخيوط. وقد تجلى ذلك في مسارعة نزال لتلبية الدعوة ثانية, ومبادرة الجانب الأردني إلى تكرارها. وخلال اللقاء طلب نزال تسهيلات لحركة قادة "حماس" في الأردن, فأجابه الضابط الأمني الكبير موافقاً على منح قادة "حماس" تسهيلات, فقط فيما يخص الحالة الإنسانية, دون أن تشمل هذه التسهيلات أية نشاطلت إعلامية أو سياسية من على الأراضي الأردنية.

ومن جملة التسهيلات التي اتفق عليها في حينه الموافقة على عودة زوجات قادة "حماس" للإقامة في الأردن, بمن في ذلك زوجة مشعل. وفي الأساس, فإن الزوجات لم يشملهن قرار الإبعاد , إذ أنهن بقين يقمن في منازلهن مع ابنائهن لفترة طويلة, بمن في ذلك زوجة الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي التي لا تحمل, وكذلك زوجها, الجنسية الأردنية, وقد غادرت الأردن لاحقاً للإقامة مع زوجها في سوريا.

لكن, وللمفارقة، أن زوجة خالد مشعل لقيت معاملة خشنة لدى عودتها في مركز الحدود مع سوريا, وقد اعتقل في حينها أحد مرافقيها, غير أن السلطات الأردنية أكدت عبر قنوات الإتصال أن هذا الحادث عرضي, ولم يكن مقصوداً, وأنه تم جراء سوء تنسيق لا أكثر ولا أقل, وأن أبواب الأردن مفتوحة لإقامة أسر جميع قادة "حماس" من حملة الجنسية الأردنية, وهو ما يعني استثناء عائلة الدكتور أبو مرزوق. وبالفعل, فقد عادت أسر قادة "حماس" للإقامة في الأردن بمن في ذلك أسرة مشعل, باعتبار أن هذه مجرد خطوة على طريق اعادة "تطبيع العلاقات" بين الجانبين.

مرض والد مشعل

وفي أواخر الصيف الماضي مثل مرض والد خالد مشعل, رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس", ودخوله أحد مستشفيات عمان, حيث يقيم, نقطة تحول هامة في العلاقة بين الجانبين.

كان مشعل في حينه يقوم بزيارة لليمن, اتبعها بزيارة لقطر, قبل أن يعود إلى دمشق, حيث أبلغ أثناء وجوده في صنعاء, من قبل عبد المجيد ذنيبات مراقب عام جماعة الإخوان المسلمين, بموافقة السلطات الأردنية على زيارة عمان لعيادة والده المريض, والذي كان يمر في حالة حرجة جداً.

كانت أجواء العلاقات بين الحركة الإسلامية والقصر بدأت تمر في مرحلة ايجابية تخللها لقاء بين الملك شخصياً والذنيبات طرح خلاله مطلب الحركة الإسلامية بعودة قادة "حماس" للأردن باعتبارهم مواطنين اردنيين. وهو ذات المطلب الذي كرره النواب الإسلاميون على المهندس علي أبو الراغب رئيس الوزراء السابق بعد مشاركة الحركة الإسلامية في انتخابات حزيران/يونيو الماضي, وهي المشاركة التي لقيت ترحيباً وتشجيعاً من الملك والحكومة, وكذلك من الأجهزة الأمنية.

مشعل قرر القدوم إلى عمان على قاعدة ذات الإتفاق الذي سبق أن ابرمه نزال مع دائرة المخابرات العامة ويتعلق بحالة نزال حصراً, لكنه حين وصل دمشق التي أراد القدوم منها إلى عمان, فوجىء بأن والده يتصل به هاتفياً يطلب منه انتظاره في دمشق, حيث قرر هو أن يزور ابنه, بعد أن تحسنت حالته الصحية, وزال عنه الخطر.

وقد أسعد ذلك مشعل لسببين, اولهما تحسن صحة والده, وثانيهما, وقد يكون هذا هو الأهم, أن مشعل ينتظر حدوث المزيد من الإنفراج في العلاقات مع الأردن, يسمح له القيام بزيارة رسمية, بدلاً من زيارة عائلية سرية لعمان..

تهنئة الفايز

ولذلك, وعندما تشكلت حكومة فيصل الفايز مؤخراً, بادر خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" للإتصال به مهنئاً. وخلال الإتصال الهاتفي أجرى مشعل بإجراء جس نبض بشأن امكانية حدوث تطور ايجابي في موقف الحكومة الجديدة, من ضمن سياسة الإنفتاح التي اعلنتها القوى والتيارات السياسية داخل الأردن.

الرئيس الفايز عبر عن الترحيب بزيارة مشعل للأردن, فألمح رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إلى أنه يأمل كذلك في التقاء رئيس الوزراء, الذي أجاب بلباقة إنه يرحب باللقاء إن كان برنامجه يسمح بذلك. وهو ما يعني استعداد رئيس الوزراء لإجراء اللقاء في حالة تلقيه ضوءاً أخضر بذلك من الملك.

وأبلغ الفايز مشعل أن معلوماته , منذ كان وزيراً للبلاط الملكي, أن الملك عبد الله الثاني لا يعترض على زيارته للأردن, وأن هناك موافقة شخصية من الملك على ذلك. وفي ضوء هذا الإتصال قرر مشعل الحضور في زيارة عائلية للأردن خلال عطلة عيد الفطر ليلتقي زوجته وابنائه, وكذلك والده ووالدته واشقائه وشقيقاته, لكن طارئاً حال دون ذلك, في حين أن محمد نزال أمضى عطلة العيد في منزله بعمان, علماً أن عائلته لم تغادر الأردن إلا لغايات زيارته طوال فترة وجوده خارج الأردن.

ووفقاً لمصادر من داخل الحركة الإسلامية في الأردن, فإن نزال حظي باستقبال شبه رسمي منذ لحظة وصوله مركز الحدود الأردني قادماً من سوريا, حين كانت في انتظاره سيارات مرافقة أمنية ظلت معه حتى غادر الأردن ثانية لدى انتهاء زيارته التي استغرقت يومين. وكان مقرراً أن يحظى مشعل بذات المعاملة في حالة حضوره.

استثناء أبو مرزوق

ولكن, لماذا يجري تطبيع العلاقات بين الأردن وجميع قادة "حماس" باستثناء الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي للحركة, الذي كان يعتقد يوماً أنه الأقرب إلى الأردن, إذ أن الملك الراحل حسين كان قد استضافه في الأردن فور اطلاق سراحه من سجن مانهاتن بالولايات المتحدة في عام 1996 باعتباره الأكثر مرونة من بين قادة "حماس".. وإلى الحد الذي جعل هنالك من يعتقد أن أبو مرزوق كان المعني برسالة الملك حسين إلى بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الأسبق, الذي أبلغه فيها موافقة حركة "حماس" على وقف اطلاق النار والإنخراط في الحل السياسي, وهو ما نفاه أبو مرزوق لاحقاً, دون أن يغير قناعات المراقبين بشأن اعتداله..؟

المصادر ترد الغضب الأردني الحالي على أبو مرزوق إلى تصريحات اعتبرت تهديداً للأردن, اطلقها أبو مرزوق بعد ابعاده من الأردن مع بقية قادة "حماس" في آب/اغسطس 2000. فقد صرح أبو مرزوق يومها معتبراً اقفال مكاتب "حماس" وابعاد قادتها من الأردن الغاء للإتفاق الأمني المبرم بين الجانبين, وهو الإتفاق الذي أبرم بين أبو مرزوق نفسه حين كان رئيساً للمكتب السياسي لحركة "حماس" والفريق مصطفي القيسي المدير الأسبق للمخابرات الأردنية في عهد حكومة الشريف (الأمير) المرحوم زيد بن شاكر, والذي يقضي بعدم قيام حركة "حماس" بأية أعمال عسكرية داخل أو عبر الأراضي الأردنية. ويومها رد عليه عبد الرؤوف الروابدة حين كان رئيساً للوزراء, بتصريح مقابل قال فيه إن الأجهزة الأمنية الأردنية جاهزة للقبض على أبو مرزوق على الحدود إن حاول الحضور للأردن.

ولكن, ما هو مصير الإتفاق الأمني بين الجانبين..؟

الواضح أن حركة "حماس" حافظت على التزامها بهذا الإتفاق حتى الآن, وطوال فترة ابعاد قادتها واغلاق مكاتبهم في الأردن.

*الحدث

التعليقات