جندي اسرائيلي من اب فلسطيني وام يهودية يقاتل الفلسطينيين في غزة

رقيب بالجيش الإسرائيلي من أب فلسطيني وأم يهودية في حالة هوية مزدوجة
بدأ حياته في مخيم في طولكرم وشارك بقذف الجنود الإسرائيليين بالحجارة قبل أن يهاجر إلى ديمونة ويلتحق بالجيش

غزة-دنيا الوطن

خلال الغارة التي جرت في قطاع غزة في شهر أكتوبر (تشرين الاول) الماضي التقطت صورة لجندي إسرائيلي بملابسه العسكرية مع خوذة رأسه وهو جاثم فوق الرمل وبيده اليمنى بندقية أم ـ 16. ولم تكن تلك الصورة الفوتوغرافية إلا واحدة من عدد غير محدود منها تصور النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني على خطوط المواجهة بين شعبين يدمر أحدهما الآخر بلا هوادة. مع ذلك فإن الحقائق التي نقلتها تلك الصورة أكثر تعقيدا من ذلك، على الأقل بالنسبة للجندي المجهول الذي يتعرف على نفسه عبر صورة فوتوغرافية منشورة في صحيفة إسرائيلية.
للبدء أولا هناك سؤال يتعلق باسمه، فبالنسبة لأمه الإسرائيلية اليهودية ستيلا بيريتز ولأصدقائه القلائل في مدينة ديمونة التي أكمل فيها دراسته الثانوية فان اسمه هو يوسي بيريتز. أما بالنسبة لأبيه الفلسطيني المسلم عادل حسين وبالنسبة للذين يعيشون في مخيم للاجئين الفلسطينيين بالضفة الغربية ويعرف باسم «نور شمس» فهو قد ترعرع هناك باسم محمد حسين. أما بالنسبة للوالدين المطلقين فحينما يتحدثان عنه معاـ ويبدو أنهما حاليا لا يتكلمان على أي شيء آخر سواه ـ فهو بكل بساطة «الطفل» الذي ليس لديهما غيره.
وقد يبدو هذا الطفل للعالم الخارجي بأنه ذو هوية مزدوجة ـ أحيانا محمد حسين وأحيانا أخرى يوسي بيريتز ـ لكنه قد منِح موهبة نادرة: هي القدرة على فهم الإسرائيليين والفلسطينيين بعمق لا يستطيع إلا القليل من الناس التوصل له. وقد يرى أي شخص من الخارج أن قصته دليل على أن حالة الانفصال بين الشعبين هي ليست عميقة، أو على الأقل أنها ما كانت يجب أن تكون هكذا. لكن الجندي لا يرى قصة حياته بهذا الشكل بل يراها مأساة، فهو طفل طلاق ليس بالنسبة لأبويه بل لشعبيه.
فهو قد جاء من أسرة ليست غنية ولا متعلمة ومشاكلها كانت محصورة بتلك المشاكل الصغيرة التي تواجه أي عائلة: أين وكيف يمكن كسب العيش; أين وكيف يمكن تربية طفلها. لكن التاريخ له آراؤه الخاصة. فبالنسبة للابن كان والداه في أول السنوات الست عشرة من حياتها قادرين على مزج هويتيهما عن طريق العيش في مخيم نور شمس القريب من مدينة طولكرم الفلسطينية وزيارة الأقارب اليهود في ديمونة أو القيام بزيارات إلى تل أبيب.
ثم جاءت أواخر التسعينات ومعها سقط الأمل بتحقيق السلام وهذا ما شحذ الحدود حول هذه الأسرة بجعلها حادة أما الابن الذي أصبح مراهقا الآن وارتدى بذلة مقاتل فلسطيني. وأصبح تعليمه بل حتى حياته موضع خطر.
قام الأب حسين بتطليق زوجته لأنها لم تكن حسبما قال الأبوان ستغادر إلى ديمونة مع ابنها وإلى ديانتها اليهودية ولم يمض على الابن طويلا قبل أن يتقن العبرية التي كان أبواه يستخدمانها معه منذ طفولته. وحاول الأب حسين البقاء في مخيم نور شمس حيث كان يقوم بزيارة زوجته السابقة وابنه بانتظام. لكن رجالا ملثمين طردوه متهمين إياه بأنه يهودي وهذا ما أجبره على الفرار إلى إسرائيل والبدء بحياته كعامل فلسطيني غير شرعي ومن وقت إلى آخر كان يقوم بزيارات خاطفة لابنه كلما تمكن من ذلك.
الآن بنت إسرائيل جدارا على حافة طولكرم ويخاف حسين من أن يلقى القبض عليه وتتم إعادته إلى الضفة الغربية ولن يتمكن من مشاهدة ابنه مرة أخرى. وهو يحمل صورة له مع شاب يرتدي البذلة العسكرية الإسرائيلية لإظهارها إلى الشرطة كلما سألوه عن بطاقة تعريفه.
< حياة محكومة بالنزاع < بدأت علاقة حسين بستيلا بيريتز في سنة 1973 حينما هرب كلاهما من بيتيهما لكي يلتقيا صدفة في مطعم بتل أبيب. فحسين الذي كان يعمل نادلا قد هرب من عائلته في الضفة الغربية بعد أن أخرجه الأب من المدرسة ودفعه كي يعمل راعي غنم أما الشابة ستيلا بيريتز فهي قد هربت من بيت أسرتها في ديمونة. تقول الأخيرة: «كان حبا كبيرا». أما حسين الذي جاء للاستمتاع بحياة تل أبيب فهو قد طلب التحول إلى اليهودية لكن السلطات الدينية الإسرائيلية رفضت طلبه لذلك تحولت ستيلا بيريتز إلى الإسلام لكي يحصلا على اعتراف رسمي بزواجهما. وعلى الرغم من أن الزيجات بين الفلسطينيين والإسرائيليين كانت نادرة آنذاك فإن تلك الأيام كانت أيام انفتاح بين إسرائيل والأراضي المحتلة. وأصدرت إسرائيل هويات خاصة بالفلسطينيين لكنها لم تضع نقاط تفتيش محصنة بالجنود ولم تبن حواجز. وانتقل العريسان إلى طولكرم لكنهما استأجرا شقة لهما في تل أبيب التي تبعد عن المدينة الفلسطينية رحلة ساعة.
وعندما استقرا بعد ذلك في مخيم نور شمس بنت أسرة حسين بيتا بثلاثة طوابق مع مصنع للسيراميك في السرداب وحديقة فوق السقف. تقول ستيلا بيريتز التي هي الآن امرأة محترمة في سن الثامنة والأربعين إنها تعلمت العربية بفضل زوجها إضافة إلى ان علّمها قراءة وكتابة العبرية لأنها هربت من أسرتها في سن العاشرة وكانت أمية حينما التقيا.
بعد تسع سنوات على الزواج ولِد لهما محمد. ومنذ ذلك الوقت تخليا عن شقتهما في تل أبيب واستقرا في مخيم نور شمس. وقال كلا الأبوين إنهما كانا مصممين على إبقاء الحب بينهما خصوصا ان كليهما جاءا من أسرتين غير سعيدتين. وتتذكر ستيلا بيريتز كيف أنه خلال الانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينات شتمها جندي إسرائيلي عابر حينما كانت واقفة في شرفة بيتها. وقالت إنها ركضت وراءه طالبة الالتقاء بقائده كي تشكو الجندي. «زوجي ركض ورائي حاملا خفيّ بيد والعباءة بيد أخرى» كما قالت ستيلا بيريتز.
وآنذاك بدأ الابن محمد بمطاردة الجنود الإسرائيليين لرميهم بالحجارة حسبما قالت الأم. وفي مخيم نور شمس يتذكر السكان هناك أفراد الأسرة جيدا. فهم كانوا يعرفون أن الأم يهودية إسرائيلية أصلا لكنهم قالوا إنهم تقبلوها وقبلوا ابنها. وقال عمر عيسى، 19 سنة، الذي يتذكر بيريتز حينما تأتي إلى بيته كي تطبخ مع أمه: «كانت تُعتبر مسلمة».
مع ذلك قالت ستيلا إن الأشياء بدأت تتغير منذ الانتفاضة الأولى. أما الأب حسين فيعزو تدهور الأوضاع إلى اتفاقيات أوسلو التي تبعتها الانتفاضة الثانية ووصول ياسر عرفات إلى الأراضي المحتلة مع بقية القادة في منظمة التحرير الفلسطينية. ومنذ ذلك الوقت بدأ المجتمع اكثر تجذرا وأصبح مخيم اللاجئين أكثر بؤسا. قال حسين: «قبل أن يبدأوا بهذا السلام نحن كنا نعيش في سلام». ويقول أبناء مخيم نور شمس إن حسين بدأ يبتعد عن السياسة لكنه قال إنه لم ينتم يوما إلى أي تنظيم وحاول دائما أن يبقي ابنه خارج هذه الدائرة.
أما الابن محمد الذي كان يقرأ منشورات تمجد تنظيمات مثل فتح وحماس وجهاد الإسلامية فكان يسأل أباه عنها لكن الأخير طلب منه أن يتجنب التقرب من أي منها لكنه حضر يوما ببذلة عسكرية فلسطينية. وعلى الرغم من أن الانتفاضة لم يمض عليها حتى الآن أكثر من 3 سنوات لكن العنف ظل يجري بشكل متقطع. كذلك راحت الآمال بتحقيق سلام في الشرق الأوسط في التدهور وكالعادة كان قلق الأب حسين شخصيا: «أنا رأيت ابني يتدهور، أنا ليس عندي سوى ولد واحد وليس هناك شيء غيره». ولذلك ارسل ابنه وامه الى ديمونة.
< معا ومنفصلان في آن واحد < كانت هناك أماكن قليلة في المدينة الصحراوية ديمونة يلوذ بها الابن محمد حسين الذي بلغ آنذاك السادسة عشرة والذي أصبح اسمه يوسي بيريتز. وتتميز هذه المدينة بشققها المتآكلة وقد أسكنت إسرائيل المهاجرين اليهود. وفي السنوات الأخيرة تزايد عدد اليهود من روسيا وأوزبكستان على حساب تقلص عدد اليهود المغاربة.
وعلى الرغم من أن حكاية يوسي بيريتز مختلفة عن أولئك المهاجرين الاخرين لكنه وجد نفسه مهاجرا بين مهاجرين آخرين يسعون جميعهم للاندماج. وفي مدرسة خاصة باللغات أتقن اللغة العبرية مع آخرين. وكانت لديه عائلة تنتظره في ديمونة وهذا امتياز عن غيره من المهاجرين وبدأ يحضر صلاة ليلة الجمعة في معبد يهودي مع جده الذي يعيش في شقة بجانب شقة أمه.
من جانبه قال الأب إنه أرسل عائلته لأنه ظن بأن بقاءه في مخيم نور شمس سيمكنه من زيارة ابنه وزوجته السابقة بانتظام لكن المسؤولين الفلسطينيين المحليين طلبوا منه أن يعيد ابنه. وحينما رفض ذلك الطلب ظهر رجال ملثمون في بيته وأطلقوا الرصاص على بابه. أما بيته فقد حرق بشكل جزئي وتركت على جدرانه كتابات تتهمه بأنه يهودي ومنذ ذلك الوقت يعيش كعامل فلسطيني غير شرعي داخل إسرائيل. وظل الفلسطينيون المتهمون بالتعاون مع إسرائيل يعدَمون في شوارع طولكرم.
وفي مخيم نور شمس اعترف السكان بالهجوم الذي وقع على منزل حسين لكنهم أعطوا سببا آخر لذلك، فهم قالوا إنه بعد مغادرة زوجته أجّر حسين جزءا من بيته لامرأة متزوجة وهذا تصرف مخالف للأعراف.
وقال إبراهيم نمر، 32 سنة، الذي يرأس لجنة الخدمات المحلية: «هو ليس عميلا، لكن هذا وسط محافظ». وقالت الزوجة السابقة ستيلا بيريتز إنها مقتنعة من أن زوجها كانت له علاقة مع امرأة وأضافت: «أنا أحبه لكنني لا أستطيع أن اعود إليه». أما حسين فينكر أي علاقة له وقال إنه يأمل في العيش يوما مع أسرته.
نقطة تحول في حياة العريف حسين الابن تشكل لحظة هروب الأب من مخيم نور شمس. فهو كان قلقا من احتمال التحاقه بالجيش الإسرائيلي لكن الطريقة التي عومل بها أبوه غيرت من مشاعره. وقال الابن حسين: «كنت أفكر فيما إذا كان بامكاني مواجهة الناس الذين تربيت معهم معظم حياتي لكن بعد أن أحرقوا بيتنا وكتبوا شعارات على جدرانه أصبح اتخاذ القرار سهلا جدا». وحينما دعي لأداء الخدمة العسكرية شجعه أبوه على تحقيق رغبته في لعب دور قتالي كما قال الابن حسين. وقال حسين عن ابنه: «أنا أخبرته: إذا وضعوك في نقطة تفتيش وشاهدتني ووجدت أن علي ألا أعبر فآنذاك عليك ألا تدعني أعبر. عليك أن تؤدي عملك بإخلاص كامل».
وتسعى الأسرة الآن للحصول على وضع رسمي للأب حسين كي يبقى في إسرائيل وهي تحاجج بأن اختار أن يقدم ابنه لإسرائيل. وقالت الأم ستيلا بيريتز: «هو قام بالشيء الصحيح حينما طلقني وأعطى الدولة الإسرائيلية ابننا الذكي. إنه ليس ممكنا لرجل أن يقدم دمه وروحه لهذا البلد في الوقت الذي لا يقدم هذا البلد أي مساعدة له».

التعليقات