التفاصيل الكاملة لاتصالات صدام مع الادارة الامريكية قبل الحرب

القصة الكاملة لاتصالات «اللحظة الأخيرة» بين نظام صدام والإدارة الأميركية
بغداد عرضت عبر وسيط لبناني قبول مفتشين أميركيين وإعطاء واشنطن امتيازات اقتصادية وإجراء انتخابات

غزة-دنيا الوطن
كشف تقرير في واشنطن ان نظام الرئيس العراقي صدام حسين ظل يحاول حتى أيام قليلة قبل اندلاع الحرب التوصل الى صفقة مع الولايات المتحدة، يلبي خلالها ما تريده الادارة الاميركية، من أجل تجنب الحرب وسقوط النظام، وحسب التقرير فإن طاهر جليل الحبوش، مدير استخبارات النظام العراقي السابق، قدم عرضا بهذا المعنى الى رجل الاعمال اللبناني عماد الحاج (يحمل الجنسية الاميركية)، الذي نقل العرض بدوره الى المسؤولين في مكتب مساعد نائب وزير الدفاع الاميركي بول وولفويتز، والى ريتشارد بيرل، الذي كان يرأس هيئة للتخطيط السياسي في وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون)، والذي يعد أيضا أحد مهندسي الحرب على العراق، وهو مع وولفويتز يعتبران من صقور البنتاغون ومن مخططي الحرب.
وجاء في التقرير الذي بثته شبكة (ايه.بي.سي) التلفزيونية الأميركية مساء أول من أمس ان مما تضمنه العرض، للتوصل الى صفقة، طلب النظام العراقي من الولايات المتحدة ان ترسل الفا أو الفين او اي عدد من الخبراء والعلماء والفنيين الاميركيين للتأكد من موضوع اسلحة الدمار الشامل وعدم وجودها، واستعداد النظام لاعطاء الشركات الاميركية امتيازات خاصة في قطاع النفط العراقي،واستعداد النظام لقبول انتخابات حرة تشرف عليها الامم المتحدة، واستعداده كذلك تسليم الولايات المتحدة، عبدالرحمن ياسين، الذي كان معتقلا لدى السلطات العراقية، والذي تتهمة الولايات المتحدة بأنه احد اعضاء «القاعدة»، وبالتورط في محاولة تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، والذي رصدت اميركا 25 مليون دولار ثمنا لرأسه، باختصار كما يقول التقرير استعداد النظام لعمل اي شيء، يطلب منه.
واعترف بيرل بأنه التقى الحاج في فندق في لندن اوائل آذار (مارس) الماضي. وقال الحاج ان بيرل ابلغه بأنه لا يستطيع المضي في الموضوع دون موافقه من واشنطن.واضاف الحاج إنه عندما اتصل لاحقا ببيرل في مكتبه بواشنطن، ابلغه هذا الاخير بأن هناك اجماعا بألا يذهب (بيرل) قدما في الموضوع.
وقال الحاج عن بداية الجهد العراقي ان مسؤولين استخباراتيين عراقيين جاءوا اليه في مكتبه في بيروت قبل أسابيع قليلة من اندلاع الحرب في مارس (آذار)، وابلغوه رسالة بالمهمة التي جاءوا اليه من أجلها، وهي كما سمع منهم الحاج ـ حسب قوله ـ ان هناك عرضا لتجنب الحرب.
وقال الحاج انه وبعد اسبوع من هذا الاجتماع، طلب منه ان يذهب الى بغداد، وبالفعل ذهب في منتصف فبراير (شباط) الى بغداد، وعقد اجتماعاً مع الحبوش بدأ منتصف الليل، واستمر 4 ساعات، في مجمع في بغداد. قدم خلاله العرض واستعداد النظام لتنفيذ ما هو مطلوب لتجنب الحرب. وقال الحاج: ان العرض كان حقيقيا، وانهم (النظام) مستعدون للقيام بأي شيء وتنفيذه، وانهم مستعدون للاجتماع بأي مسؤول اميركي كبير لمناقشة العرض، واكد الحاج: ان العراقيين كانوا يريدون بكل وسيلة ممكنة ايصال العرض والرسالة الى المسؤولين الاميركيين من أجل عقد صفقة. وقال ان عرضهم تسليم المتهم عبد الرحمن ياسين، كما ابلغوه، كان لجعل الاميركيين يشعرون بالارتياح بأنهم جادون، بالاضافة الى استعدادهم لتنفيذ المطالب الاميركية الأخرى.
وتابع الحاج قوله انه في العشرين من فبراير (شباط) اي قبل شهر من وقوع الحرب، ارسل العرض العراقي الى البنتاغون وتحديدا الى المسؤولين في مكتب مساعد وولفويتز، وهذا ما اكده المسؤولون في البنتاغون.
وجاء في تقرير الشبكة ان رجل الاعمال الحاج له صلة بـ (البنتاغون)، حيث اجتمع مع مسؤولين فيها، بعد ما قدمه مسؤول في البنتاغون يدعى مايك مالوف، الذي يعمل في مكتب الخطط الخاصة. لكن الحاج حسب تقرير الشبكة قال «ان مالوف ساعد في ترتيب عقد الاجتماع مع بيرل، وهو اجتماع اكد الاثنان بأنه تم في احد فنادق لندن في مطلع آذار(مارس)». وقال الحاج انه في هذا الاجتماع أبلغ بيرل بأن العراقيين مستعدون للاجتماع معه أو مع اي ممثل للحكومة الاميركية. وقال الحاج «ان العراقيين كانوا مستعدين لان يذهبوا الى مكان للمحادثات وعقد صفقة،وابلغه التفاصيل». ونقلت الشبكة عن بيرل قوله انه كان متشككا في العرض منذ البداية لكنه قرر ان يختبر الأمر وانه طلب موافقة وكالة الاستخبارات الأميركية على الأمر، فجاءه الرد بالرفض. وقال انه علم ان السي. آي. ايه. كانت لديها قنوات أخرى مع بغداد. وأضاف ان الرد الذي تلقاه هو «أبلغهم اننا سنراهم في بغداد».
كما أشار بيرل الى انه وجد مسألة استخدام بغداد «مثل هذه القنوات المعقدة، أمرا محيرا».
الموافقه لم تتم، اذ قبل اندلاع الحرب بعشرة أيام اتصل الحاج ببيرل في مكتبه في احدى ضواحي واشنطن، فابلغة بيرل بأن واشنطن رفضت السماح له بمقابلة حبوش، لمناقشة عرض السلام العراقي، وأبلغه بأن هناك اجماعا بألا يذهب، ونقلت الشبكة عن بيرل قوله ان هذا واحد من العروض التي كانت تناقش آنذاك وقال ان الولايات المتحدة كانت تناقش عروضا ومبادرات اخرى مع المملكة العربية السعودية وروسيا وفرنسا لمنع اندلاع الحرب. في تعليق للبيت الابيض على التقرير، لم ينف ما جاء فيه، وقالت وزارة الدفاع ان «قناة الحاج» محل سؤال، ولكن المسؤولين في الادارة قالوا انه يجب ان ينظر الى ذلك في الاطار العام، حيث استنفدت الولايات المتحدة كل فرصة لتجنب الحرب، وقالوا ان صدام حسين اعطي فرصا عديدة خلال الـ 12 عاما الماضية، وكان مطلوبا منه تنفيذ 17 قرارا من مجلس الأمن، لكنه رفض تنفيذها، وراوغ وضلل وخدع وضيع كل الفرص، وان الولايات المتحدة استنفدت مع النظام كل فرصة مشروعة وكل جهد لحل الازمة سلما ولذلك فإن لا حاجة لعروض اخرى، بعدما قامت الولايات المتحدة ودفعت بكل قوة لتجنب الحرب وانه كان بامكان صدام حسين ان يتجنب الحرب، وقال المتحدث باسم البنتاغون تعليقا على الموضوع ان تم ابلاغ صدام عبر قنوات موثوقة، خلال السنوات الماضية، ان يقوم باعمال جدية لتجنب الحرب . وأضاف المتحدث «أي ايحاء بأن عرض الحاج كان يمكن أن يحول دون الحرب هو هراء».
* بداية القصة
* وعماد الحاج قضى معظم حياته يتنقل بين عالمين. فقد فر الحاج وهو ماروني مسيحي، ولد في بيروت عام 1956، من لبنان عام 1976 بعد بداية الحرب الاهلية هناك. وقد انتهى به المطاف في الولايات المتحدة حيث درس في الجامعة واصبح مواطنا اميركيا، وكان الحاج يعيش في ضواحي واشنطن وقد اسس شركة للتأمين اطلق عليها اسم «اميركان اندر رايترز جروب» واصبح ناشطا في الدوائر السياسية الاميركية ـ اللبنانية. وفي اواخر التسعينات نقل اسرته وشركته الى لبنان وقد ساعده الحظ في اقامة علاقات هامة في العالم العربي وفي اميركا. فقد قدمه لبناني مسلم التقاه خلال تعامل في مطلب تأميني، الى محمد نصيف وهو ضابط استخبارات سوري كبير ومن المساعدين المقربين للرئيس بشار الاسد. وخلال رحلة الى واشنطن في العام الماضي، عقد الحاج صداقة مع اميركي لبناني اخر هو ميشيل معلوف الذي كان يعمل في البنتاغون كمحلل في وحدة استخبارية اسسها دوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع لشؤون التخطيط والسياسة للنظر في العلاقات بين الجماعات الارهابية مثل القاعدة ودول مثل العراق. ويحتفظ معلوف بعلاقات مع العديد من كبار الشخصيات المحافظة في واشنطن، حيث عمل مع بيرل المستشار النافذ في «البنتاغون» منذ عهد الرئيس رونالد ريغان.
وفي يناير(كانون الثاني) من العام الحالي وبعد تزايد الضغوط الاميركية لمواجهة مع العراق اندمج عالما الحاج معا فقد ذكر انه خلال رحلة الى دمشق ابلغه نصيف بشأن احباطات سورية في اجراء اتصالات مع المسؤولين الاميركيين. وخلال زيارة لواشنطن في نفس الشهر رتب معلوف لقاء له لتسليم هذه الرسالة شخصيا لبيرل والى جيم دورنان الذي كان انذاك مساعدا كبيرا لنائب وزير الدفاع وولفويتز. وقد اكد المسؤولون في البنتاغون عقد اللقاء.
وتجدر الاشارة الى ان بيرل وهو عضو في مجلس سياسة الدفاع في البنتاغون، معروف في العواصم الاجنبية بأنه مستشار نافذ لعدد من كبار المسؤولين الاميركيينوبعدما ابلغ الحاج معارفه في بيروت ودمشق بخصوص اجتماعه مع بيرل، طلب صديقه المسلم النافذ منه الاجتماع بمسؤول عراقي كبير يسعى لاجراء اتصالات مع الاميركيين. ووافق الحاج على حذر. وفي فبراير (شباط)، وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تصعد حملتها للحصول على قرار من مجلس الامن باستخدام القوة ضد العراق، وصل حسن العبيدي رئيس العمليات الاجنبية في الاستخبارات العراقية الى مكتب الحاج في بيروت وذكر الحاج انه في خلال دقائق من وصوله انهار العبيدي وتم استدعاء طبيب لعلاجه. واوضح «لقد حضر الى مكتبي وجلس وفي خلال خمس دقائق سقط. كان يبدو وكأنه تحت ضغوط كبيرة وبعد علاجه، شرح العبيدي ان العراقيين يريدون التعاون مع الاميركيين ولا يستطيعون فهم لماذا يركز الاميركيون على العراق بدلا من دول مثل ايران، التي ايدت الارهاب لفترات طويلة. وقال الحاج ان العبيدي كان يبدو يائسا «مثل شخص يخشى على امنه، بالرغم من انه حاول اخفاء الامر». وقال العبيدي للحاج ان العراق مستعد لعقد اتفاقيات لتجنب الحرب، بما في ذلك المساعدة في جهود السلام في الشرق الاوسط. ويتذكر الحاج انه «قال اذا كان الامر يتعلق بالنفط، فسنتحدث عن امتيازات نفطية. واذا كان الامر يتعلق بعملية السلام، فيمكننا الحديث. واذا كان ذلك بخصوص اسلحة الدمار الشامل، فليرسل الاميركيون رجالهم. لا توجد اسلحة دمار شامل. وقال العبيدي «يمكن للاميركيين ارسال 2000 من مكتب المباحث الفيدرالي للبحث في اي مكان يريدونه وقال الحاج انه عندما ابلغ العبيدي بان الولايات المتحدة مصممة على تنازل صدام حسين عن السلطة انفعل العبيدي، وقال ان ذلك يعتبر استسلاما. غير ان الحاج عاد وقال فيما بعد ان العبيدي ذكر ان العراق على استعداد لاجراء انتخابات خلال عامين. وحسب الحاج فان العبيدي كان مصرا على توصيل رسالته إلى واشنطن، ولذلك اتصل الحاج بمعلوف في واشنطن، وقال كل ما أسمعه أنقله إلى مايك.
وقال الحاج أنه التقى بالعبيدي بعد ذلك بأيام قليلة في فندق بوسط بيروت وكرر العبيدي عرض التنازلات التي قال أنها صادرة عن أرفع المستويات بالحكومة العراقية. واستنتج الحاج ان حشد القوات الأميركية أثر عليهم (العراقيين) بصورة واضحة.
وقال الحاج أنه بعد اسبوع من تلك المقابلة، وافق على عقد مزيد من الاجتماعات ببغداد. وعندما وصل إلى هناك نقلوه إلى مجمع كبير جيد الحماية، حيث التقى رجلا اشيب في زي عسكري. وكان ذلك هو طاهر جليل الحبوش وهو رقم 16 في القائمة الاميركية بالمطلوبين الـ 55. وقال الحاج ان الحبوش سأله إن كان فعلا يعرف بيرل، وسأله تحديدا: هل قابلته؟
واضاف الحاج أن الحبوش أخذ يعبر عن غضبه مما يريده الأميركيون. وقال إنه كان راغبا في إثبات أن العراقيين جادون في مكافحة الإرهاب وعرض تسليم عبد الرحمن ياسين إلى الحاج نفسه، لكن الأخير قال انه سينقل هذه الرسالة إلى المسؤولين.
وقال الحاج كذلك ان الحبوش اصر على أن العراق لا يملك اسلحة للدمار الشامل وقال: «دع اصدقاءك يرسلون أي عدد من الناس ونحن سنفتح لهم كل مكان». وقال الحاج أنه سأل الحبوش «لماذا لا تقولون ذلك لإدارة بوش؟» وان الحبوش اجابه بنوع من التورية: «نحن لدينا محادثات مع بعض الناس». واضاف الحاج أنه علم فيما بعد أن أحد هذه الاتصالات حدث بروما بين وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ( سي آي إيه) وممثلين للاستخبارات العراقية. وأكد المسؤولون العراقيون أن ذلك الاجتماع حدث بالفعل، ولكنهم قالوا ان الممثل العراقي لم يكن عضوا عاملا بالاستخبارات العراقية ولذلك لم يكن الاجتماع مثمرا.
* اجتماع في المغرب
* وكانت هناك محاولة اخرى لعقد اجتماع بالمغرب بين الحبوش ومسؤولين أميركيين ولكنه لم يحدث بناء على المصادر الأميركية. وفي 19 فبراير (شباط) ارسل الحاج تقريرا من ثلاث صفحات عن رحلته الى بغداد، إلى معلوف بواشنطن، عن طريق الفاكس. وجاء في ذلك التقرير أن العراقيين «يفهمون تماما أن أيام ابتزاز الولايات المتحدة ولت «وأن المسؤولين العراقيين بما في ذلك الحبوش وطارق عزيز نائب رئيس الوزراء يرغبون في مقابلة مسؤولين أميركيين». وذكر التقرير كذلك خمسة مجالات يمكن أن تقدم فيها تنازلات بما فيها التعاون في مكافحة الإرهاب و«التأييد الكامل» لأية خطة أميركية للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وأضاف التقرير كذلك أن «الولايات المتحدة ستكون صاحبة الأولوية الأولى في حقوق التنقيب عن النفط العراقي» وأن العراق سيتعاون مع الولايات المتحدة لخدمة مصالحها الاستراتيجية في الإقليم. ويذكر التقرير تحت عنوان «نزع السلاح» أن العراق يسمح «بالتدخل الأميركي المباشر في نزع اسلحة العراق».
وأدت رسائل الحاج إلى تبادل متوتر في الرسائل ولفترة قصيرة مع البنتاغون، حسبما جاء في المقابلات ونسخ الرسائل الالكترونية التي تمكنت مجلة «تايم» من الحصول عليها. ففي رسالة الكترونية تعود إلى 21 فبراير (شباط) الماضي وبعثت إلى درنان مساعد وولفويتز كتب معلوف أن بيرل «راغب في الالتقاء بعماد الحاج والعراقيين إذا وافق البنتاغون. وفي إجابة عبر الانترنت قال درنان «إن مايك يعمل هنا. ابق هذا الأمر سرا». وفي رسالة الكترونية بعثت إلى شخصين بشكل منفصل سأل درنان عن تفاصيل تتعلق بخلفية الحاج. وكتب في رسالته الالكترونية أن «هناك أشياء طريفة تحدث خارج الولايات المتحدة وأنا بحاجة إلى معرفة من هو وما هو». وكانت للحاج علاقات مثيرة للدهشة، لكن كانت هناك نقطة سوداء في ملفه، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي تم اعتقاله لفترة قصيرة في مطار دالس بواشنطن اثر العثور على مسدس في حقيبته. وقال إنه لا يرى أن ذلك انتهاكا للأمن لأن المسدس لم يكن في الحقيبة التي يحملها بيده وهذا ما جعل السلطات تسمح له بالسفر بعد عدة ساعات.
وقال مسؤولون كبار في «البنتاغون» إن درنان سلم الرسائل التي استلمها من معلوف للمسؤولين المناسبين في الوزارة لكنهم قالوا إن درنان لم يناقش أبدا «قناة الحاج» مع وولفوتيز. (في شهر مايو (ايار) الماضي سحبت من معلوف تصاريح المرور الأمنية ثم وضِع في قائمة المجازين الذين يستلمون رواتبهم من قبل البنتاغون لأسباب لا علاقة لها باتصالاته بالحاج).
واستمر الحاج يسمع من العراقيين ويوصل مطالبهم الملحة إلى بيرل أو إلى ممثل آخر للولايات المتحدة. وفي واحدة من المذكرات كتب معلوف في مارس (آذار) الماضي إلى مسؤولين في البنتاغون: «نقل الحاج عن الدكتور العبيدي قوله إن هذه آخر نافذة أو قناة تصل من خلالها الرسائل إلى الولايات المتحدة من العراق. وشخَّص الحاج لغة العبيدي بأنها متضرعة. ومن خلال العمل مع معلوف تمكن الحاج أخيرا أن يرتب للقاء بيرل في لندن في أوائل مارس (آذار) الماضي. والتقى الاثنان في مكتب يقع بمنطقة «نايتسبردج» اللندنية لما يقرب من ساعتين لمناقشة المقترحات العراقية. وقال الرجلان إن الحاج أخبر بيرل أن العراقيين يريدون أن يلتقوا به أو بشخص من الإدارة الأميركية. وقال بيرل إنه من جانبه اتصل بمسؤول في «سي أي ايه» للاستفسار منه إن كان بإمكانه أن يلتقي بالعراقيين. وقال بيرل: «الجواب الذي جاء منهم هو أنهم غير مهتمين بمواصلة هذه المهمة، وأنا أعطيت الانطباع أنه كانت آنذاك اتصالات بين الطرفين.
ويقلل بيرل الآن من أهمية الدور الذي لعبه اتصاله بالحاج. وقال إنه وجد من الصعب أن يؤمن بأن صدام كان سيقدم مقترحات جادة من خلال قناة كهذه. وقال إن «هناك الكثير من الوسائل الأخرى للاتصال. وكانت هناك عدة حكومات مشاركة في اللعبة الأخيرة، الروس والفرنسيون والسعوديون، مع ذلك فأن الحاج استمر في بعث رسائل موجهة إليه من العراقيين إلى معلوف. وفي واحدة منها حوّل معلوف رسالة استلمها من الحاج إلى بيرل تقول إن العبيدي والحبوش كانا على استعداد للالتقاء بك في بيروت وفي أقرب وقت ممكن وهذا يتعلق «بصيغ غير مشروطة». وقالت الرسالة القادمة من الحاج إن «لقاء من هذا النوع قد حصل على موافقة صدام حسين، وحسب الحاج فانه عقد ستة لقاءات مع العراقيين ـ واحد في بغداد وخمسة في بيروت ـ وانه، حسبما نقلت عنه وكالة «اسوشييتد برس» امس، لمس لدى محاوريه «خوفا على حياتهم». لكن لم يجر أي لقاء بين العراقيين والاميركيين، ثم بدأ الغزو للعراق في 20 مارس. ويتساءل الحاج ماذا كان سيحدث لو أن الأميركيين استخدموا القناة الخلفية الموصلة ببغداد آنذاك.
وروى الحاج لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل وساطته التي قام بها فقال ان رئيس جهاز الاستخبارات العراقي الاسبق حسن العبيدي زاره في مكتبه في بيروت في يناير (كانون الثاني) الماضي بمبادرة من صديق مشترك وتمنى عليه المساعدة لترطيب الاجواء بين بغداد وواشنطن، مؤكداً له عدم رغبة العراق في الصدام مع الولايات المتحدة، ونافياً وجود اسلحة دمار شامل في بلاده، مقترحا قيام وفد اميركي من مكتب المباحث الفيدرالية (اف. بي. آي) وغيره، ومهما بلغ عدد أفراده، بالتفتيش للتحقق من هذا الامر. كما ابدى العبيدي استعداد بلاده لتلبية الطلبات الاميركية في كل ما يتعلق بالنفط العراقي. وافاد الحاج ايضاً بأن العبيدي أبلغه صراحة بأن العراق لن يكون عقبة في طريق التسوية في الشرق الأوسط وبأنه يرحب بإحلال السلام في المنطقة، والمساهمة في كل ما من شأنه القضاء على الارهاب، طالباً منه نقل هذه المقترحات الى الجانب الاميركي والوقوف على رأيه حولها.
وحول الزيارة التي قام بها الى بغداد في فبراير (شباط) الماضي ولقائه رئيس الاستخبارات العراقية طاهر جليل حبوش، اوضح الحاج ان محادثاته مع الحبوش يمكن وصفها بنسخة طبق الاصل من المحادثات التي أجراها مع العبيدي، خصوصاً في ما يتعلق بالمقترحات التي تقدم بها الى الجانب الاميركي في محاولة لتفادي الحرب. وعن موقف صدام من تلك الاتصالات وما إذا كانت تتم بعلمه أم في غفلة منه، قال الحاج انه لا يمكن طرح هذا السؤال على من التقاهم، لكن الانطباع الذي تكوّن لديه يشير الى انه لا يمكن لمسؤول عراقي من وزن الحبوش أو العبيدي القيام بهذا التحرك والتقدم بهذه المقترحات والمجيء به الى بغداد لو لم تكن القيادة العراقية موافقة على ذلك.
وعن «السر الكامن» وراء ثقة الاميركيين به وتكليفه مهمات نادرة، اوضح الحاج انه لا سر هناك بل احترام متبادل جاء نتيجة انخراطه في المجتمع الاميركي ونجاحه في العمل الذي اسسه، ناهيك من معرفته وتعاونه مع الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون عام 1991 حين كان حاكماً لولاية اركنسو. ولفت الحاج الى انه لم يكن يطمح الى الظهور الاعلامي في مثل هذه القضية محملاً صراع الاجهزة الاميركية وتداخلها مسؤولية هذا الامر.
وفي هذا الاطار نفى الحاج بشدة ما اوردته الطبعة الالكترونية لمجلة «نيوزويك» من انه جرى اعتقاله من قبل السلطات الاميركية في مطار دالاس غداة لقاءاته في البنتاغون، بعد زيارته بغداد، لحيازته مسدساً نصف آلي من عيار 45 ملم واربعة مسدسات انذار. وقال ان هذه الحادثة وقعت في مطلع العام الجاري، اي قبل قيامه بأي مهمة خاصة بالملف العراقي وانها أثيرت في بعض وسائل الاعلام الاميركية، مع بدء الاتصالات التي أجراها بالعبيدي في بيروت «بتوجيه من بعض الجهات للتخريب على المهمة التي كنت اقوم بها، وذلك في اطار صراع الأجهزة الذي أشرت اليه سابقا». وأوضح الدكتور الحاج انه لم يجر توقيفه في مطار دالاس بل جرى استجوابه من قبل السلطات الجمركية فيه للاستيضاح عن مسدس رصاص وجد في احدى حقائبه الى جانب اربعة مسدسات انذار «وقد اعيدت الي المسدسات بعدما اطلعتهم على جواز سفري الدبلوماسي (من ليبيريا) واكدت لهم ان الغاية منها هي حمايتي الشخصية». ولفت الحاج الى انه خلافاً لما ذكرته الـ«نيوزويك»، فإن السلطات الاميركية لم تعده الى لبنان وانه قام بزيارات عدة الى الولايات المتحدة بعد هذه الحادثة.

التعليقات