إدارة بوش ابتدعت مبدأ تصنيع المعارضات

إدارة بوش ابتدعت مبدأ تصنيع المعارضات
غزة-دنيا الوطن

ثمة اتفاق بين المحللين من المدارس والنزوعات المختلفة ان فكرة الإصلاح السياسي للانظمة العربية اصبحت بعد سبتمبر ـ بغض النظر عن مدى ومستوى جدية الطرح ـ مكونا اساسيا من مكونات الخطاب السياسي الاميركي، فعلى الرغم من غموض هذا الخطاب منذ الاشارات التي تضمنها خطاب بوش في سبتمبر 2002 الذي ارسله الى الكونغرس وشملت دعوة العالم العربي الى احترام حكم القانون وحقوق الانسان والتي تلتها خطوة اكثر صراحة وحدية هي مبادرة بناء الامل التي رفع لواءها كولن باول وزير الخارجية الاميركي في ديسمبر 2002، الا ان هذين الطرحين من بوش وباول مثلا خطوة واضحة في الطرح الرسمي العلني الاميركي قريبة الشبه بخطوة مماثلة هي مبدأ ترومان التي اعلن بموجبها الرئيس الاميركي ترومان عام 1947 ان الولايات المتحدة لن تعود مكتوفة الايدى امام تطورات السياسة العالمية على نحو ما كان يحدث في سنوات ما قبل الحرب الثانية وعليه بدأ ترومان اولى معارك الحرب الباردة في الشرق باعلانه ضرورة انسحاب بريطانيا والاتحاد السوفييتي من شمال ايران وروضته اتفاقية النفط المفروضة سوفييتيا على ايران واعلان تضامنه العلني مع طهران.

اتسمت فكرة الاصلاح الاميركية بمستوى من الغموض الذي عادة ما يميز الفكرة السياسية الاميركية بحيث يصبح معناها يماثل تطبيقها البراغماتي، ففي مرات يستنتج منها انها تساوى المطابقة السياسية للموقف الاميركي في قضية اسلحة الدمار او في الصراع العربي الاسرائيلي، وفي مرات اخرى تقترب من اجندات هذا اللوبي او ذاك في قضية الاقليات او الحرية الدينية، وفي كل الاحوال يظل الضغط والتصعيد رهيني الاجندة الملحة المباشرة.

لقد احتلت فكرة الاصلاح السياسي طابعا تهديديا وانقلابيا ولم يخف ادوارد هس مدير التخطيط بالخارجية الاميركية هذا باشارته الدائمة ان الاصلاح لن يكون جامد الصيغة وقد اكملت الدول العربية ذات الصلة الطيبة بالولايات المتحدة المطلوب منها، فأنجزت بعض الاجراءات ذات الطابع التجميلي مثل الاصلاحات التي قامت بها الحكومة المصرية في المؤتمر الاخير للحزب الوطني بالغاء الاحكام العسكرية المترتبة على قانون الطواريء واجراء تغييرات ايجابية في قوانين النقابات المهنية او انشاء السعودية لمركز للحوار والدراسات الاستراتيجية او الاصلاحات السياسية التي قامت بها البحرين او غير ذلك.

ارتبطت فكرة الاصلاح السياسي بشكل عضوي بقضية علاقات الولايات المتحدة بالمعارضات العربية وهنا يجب ان نرصد بعضا من الدالات الرئيسية في هذه العلاقة والتي تستوجب التوقف.

ـ ان العلاقات الاميركية مع عناصر من المعارضة العربية شهدت لحظات من الكر والفر خلال فترة الحرب الباردة مثال محاولة اقامة علاقة مع مجموعات من المعارضة الليبية او محاولة جس نبض بعض عناصر المجموعات الاصولية المصرية على نحو ماروى حسن التهامي من بعض العناصر الاصولية ـ لكنها محاولات تميزت بالتشتت والمحدودية وغياب المنهجية السياسية حيث كانت معظم هذه المحاولات اقرب الى عمل المخابرات منها الى العمل السياسي المنظم الذي يمثل اتجاهات دولة.

ـ تسببت حالة المعاداة للموقف الاميركي من الصراع العربي الاسرائيلي ثم سيادة التميزات ضد العرب والمسلمين والتنميط السلبي لهم في وسائل الاعلام الى بتكثيف موقف الشارع العربي ضد السياسات الاميركية وبالتالي اصبح وجود قنوات بين المعارضة العربية والحكومة الاميركية أمر لا يبعث على الارتياح. ويرصد معهد بيو للدراسات الاميركية وهو مركز دراسات على اعلى مستوى يضم نخبة من صناع القرار السابقين في الولايات المتحدة من بينهم الوزيرة مادلين اولبرايت ان هذا العنصر مثل قيدا لا ينبغي التقليل من اهميته على السياسة الاميركية خاصة.

كما كشف مسح اجراه المعهد تحت اسم «اتجاهات دولية» ان المشاعر العربية قد وصلت الى الحضيض في السنة الاخيرة في موقفها تجاه هذه السياسات ويرصد الكاتب الاميركي «مارك لينش» في مقال له بالعدد الاخير من مجلة فوذين افيرز الصادر في سبتمبر 2003 ان المشاعر المعادية للسياسة الاميركية قد طغت في السنوات الاخيرة على كل الطبقات الاجتماعية في المجتمعات العربية بما في ذلك الطبقة المتعلمة تعليما غربيا او ما يسمى بالنخبة الليبرالية العربية،

ويكشف هذا الوضع ان هذا الاتجاه لا يمكن فقط نسبته الى الاختلافات والفروقات الثقافية او الى السياسات الاميركية الداعمة لاسرائيل على مدى طويل في الصراع ولا الى الغزو الاميركي للعراق بل واضافة الى هذا كله الى سياسة تجاهل المشاعر العربية او الاستماع الى وجهة النظر العربية اثناء تبني هذه المواقف في مثل هذه القضايا، ويرى المقال ان اخذ اهمية الرأي العام العربي مأخذ الجد لا يحب النظر اليه كرفاهة او كتنازل امام فريق «المستعربين الاميركيين» كما كان يحدث في السابق لانه امر اصبح مفصليا لنجاح استراتيجية اميركية في المنطقة ولانه ـ اي الاهتمام بالرأي العام العربي ـ يربط امن الولايات المتحدة الاميركية بالتحولات الديمقراطية والليبرالية في المنطقة ويعترف اصحاب هذه الرؤية ان القول بأن العرب يحترمون القوة فقط ويحتقرون محاولات الاحتكام للعقل على اعتبار انها مظهر من مظاهر الضعف ـ

كانت مقولة سائدة عن بعض صناع السياسة الاميركية وبالتالي كان الاستنتاج المترتب عليها هو انه افضل طريقة للتعامل معهم هو اخضاعهم.. هناك ايضا فرضية اخرى بأن الرأي العام العربي لا يهم لان الدول الشمولية يمكنها ان تسيطر وان تتجاهل اي مشاعر عدم رضا، كذلك هناك فرضية ثالثة ان الغضب العربي تجاه الولايات المتحدة لا يعني شيئا كثيرا لانه يعود في جذوره الى الثقافة العربية التي تجسد حسد الضعفاء للناجحين او لانه صناعة يشرف عليها الحكام غير الشعبيين في المنطقة والذين يستهدفون من وراء ذلك شد اهتمام محكوميهم الى اتجاه آخر بعيدا عن تصوراتهم، وهناك فرضية اخيرة بأن هذه المشاعر مردها مجرد سوء التفاهم البسيط او على الاصح سوء الفهم للسياسات الاميركية ـ التي تحمل عناصر ايجابية من المنطقة، وبالتالي فالامر لا يحتاج الى اكثر من بعض حملات عامة وانشطة اعلانية وحملة دعائية.

وتستقر الاشارة الى ان الرأي العام العربي ظاهرة اكثر تعقيدا من ذلك الفهم التقليدي بأنه مجرد شارع تقوده نخب قومية عاطفية، فهناك شارع حقيقي وآراؤه تؤثر فعلا على حكومات اليوم، لكن الاكثر اهمية من الشارع والحكام هو الاجماع الذي اصبح يمثله اجماع النخبة والطبقة الوسطى اليوم، هذا الاجماع الناشيء والواثق من صعوده هو الذي يقود الطريق ومعه تكون معركة الافكار عن الاصلاح الداخلي وطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة. في هذا الاطار يمكن تفهم ان رؤية الولايات المتحدة الاميركية للعلاقات مع المعارضة العربية ستتأثر بهذه الرؤية ـ اذ لم تعد على الاقل في اطار الفهم ومستقبلا في اطار الممارسة تتوقف عند رؤية العلاقة بأنظمة الحكم، ولا حتى بمجرد فتح خطوط احتياطية مع قوى وشخصيات معارضة بنهج اقرب الى الانتهازية والبراغماتية وعلى النحو المستخلص على نحو خاطيء من خبرة ما حدث في ايران 1979 من تجاهل لصعود الخومينية في ظل العلاقة الخاصة مع الشاه بل تعدى ذلك الى محاولة تفهم الدائرة الاوسع بكاملها من نخبة وطبقة وسطى وشرائح مثقفين وعدم الوقوف عند البديهيات والاستنتاجات الجامدة والخاطئة والتي تستقي فهمها ليس من ادراك الحقائق المباشرة على الارض وانما من فضاءات مفاهيم وانطباعات استشراقية وعصبوية تغذيها مجموعات بعينها. الحاصل ان اهمية هذا الفهم ـ وهو لايزال صوت نشاز وسط جوقة ـ انه يطرح افقا آخر لشكل علاقة محتملة مع المعارضات الغربية لا ترتكز على فكرة الانقلاب السياسي المختبئة وراء اكذوبة الاصلاح السياسي، وانما ترتكز على اقامة صلات اوسع مع الرأي العريض الذي يشكل حاضنة لهذه المعارضة.

نموذج العراق

هذا وعلى الرغم من ان السياسة الاميركية الحالية لا تتبنى طرحا واحدا معلنا فيما يخص التعامل مع المعارضات العربية الا انه من شبه المؤكد ان النموذج العراقي من التشكل في الخارج الى التمويل الى الاتيان به الى الحكم بعد الاطاحة بنظام صدام حسين هو الذي يمثل النموذج المفترض.

ويعترف باتريك كلاوسن ـ احد الباحثين المتميزين من مركز دراسات الشرق الادنى ـ وهو جهة بحثية لديها ارتباطات خاصة بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة والدوائر الليكودية الاسرائيلية ان دعم الولايات المتحدة لاطارات معينة في المعارضة العراقية لم يكن يحركه التدقيق في مدى تعبير هذه الاطارات بدقة عن نبض الشارع العراقي وانما في تخليق الانطباع بأن العراقيين قد حرروا انفسهم بأنفسهم وهي حقيقة لا تزيد صحتها من وجهة نظره عن الفرضية القائلة ان الفرنسيين حرروا انفسهم في الحرب العالمية الثانية في صيغة اخرى، فان النموذج القائم على تصور حرب اميركية على دولة عربية بعينها والبحث في اطار هذه الحرب على جهة معارضة سياسية يتم التصدر وراءها اثناء هذه الحرب ويمكن الاتيان بهذه الجهة بعدها يمثل حتى الآن هو النموذج الامثل للتفكير السياسي الاميركي وليس العكس اي افتراض انحياز اميركي لمعركة قوى ديمقراطية ضد قوى مستبدة في اي من بلدان المنطقة.

في هذا الاطار يمكن فهم المحاولة التي تثير اكثر من علامة استفهام والمتعلقة بنشأة واعلان حزب الاصلاح السوري ـ كجهة معارضة سورية على الارض الاميركية، فقد اعلن الحزب عن نشأته وبشكل مبتسر في اعقاب احداث سبتمبر بفترة ممن اسماهم بالسوريين الاحرار ذوى التوجهات السلمية والديمقراطية والمقيمين بأميركا، وتضمنت ديباجة اعلانه الاولى نقطتين لافتتين للنظر، الاولى هي الهجوم الشديد على المعارضة السورية ـ حتى الموجودة بالخارج والتي تملك سجلا من المشاكل مع النظام مثل جماعة الاخوان المسلمين السورية، والثانية هو اعلان العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الاميركية كاحدى حيثيات الاعلام.

وقد حدد حزب الاصلاح السوري ـ والذي تشهد الايام المقبلة ـ ترديدا مفتعلا لاسمه خاصة داخل دوائر الاعلام الاميركية خاصة بعد اقرار الكونغرس الاميركي لقانون محاسبة سوريا وحدد برنامجه، في النقاط التالية: ـ بناء ديمقراطية صحيحة في سوريا الجديدة حيث تسود التعددية السياسية وتجرى انتخابات حرية نزيهة خالية من الرعب والترهيب والاجراءات القمعية.

ـ حظر كل التنظيمات والاحزاب التي تتضمن برامجها ودساتيرها مفهوم العنف في سوريا الجديدة او ممارسته على الناس او بلدان الجوار او عدم مشاركتها باي حلف او تكتل يهدف لتحقيق برامجه عن طريق العنف او جماعة تفرض عقائدها او ايديولوجيتها على الآخرين.

ـ ان يجرى اصلاحات اقتصادية في سوريا الجديدة مما يدعم ويسرع عملية الاصلاحات الاقتصادية.

ـ حفظ السلام مع كل دول الجوار وان تعقد اتفاقيات صلح وتعايش سلمي مما يؤدي الى التنمية الاقتصادية ووحدة الاهداف الاقليمية.

ـ ان تسخر القوات المسلحة لحماية البلد بدلا من استخدامها لتهديد الجوار، وان يناط بالشرطة حماية الامن العام واحترام حقوق الانسان والكرامة الانسانية.

ـ تشجيع حرية التعبد وممارسة الشعائر الدينية السلمية المختلفة في سوريا الجديدة دون تعارض، وان يساعد على انشاء مراكز عمومية للتكامل الثقافي.

ـ الحاق وتكامل سوريا الجديدة مع المجتمع الدولي قولا وعملا.

ـ وضع منهاج تعليم عصري في سوريا الجديدة مهمته غرس حرية الاعتقاد والتعبد والتفكير بدلا من دعم عقيدة كره الآخر. ونفيه وتشجيع احترام الرأي الآخر وتباين الرأي.

ـ سحب القوات السورية من لبنان وان يصلح الضرر الذي الحق بلبنان سنوات الاحتلال ودعم ومساعدة كل اللبنانين الراغبين بتبني الشفافية وتحمل المسئولية في جو خال من الضغوطات.

ـ تطهير سوريا الجديدة من كل صنوف اسلحة الدمار الشامل وازالة ترسانات اسلحة القتل الجماعي والعشوائي للمدنيين وتشجيع استراتيجية شاملة في الشرق الاوسط مبنية على الثقة المتبادلة وخالية من اسلحة الدمار الشامل.

ـ التأكيد على دور المحاسبة ورفض كافة اشكال الانتقام والتشفي الانتقامي، وتكشف القراءة السريعة لبرنامج الاصلاح السوري مطابقته للاجندة الاميركية للاصلاح اكثر بكثير من الاجندة العربية. فقد تجاهل برنامج الحزب الصراع العربي الاسرائيلي تجاهلا لا يتسق مع الاطر المفترضة لحزب معارض في بلد تحتل اسرائيل أراضيه، وركز على ما حدده بـ «حفظ السلام» وعدم استخدام القوات المسلحة لتهديد الحوار وعلى تطهير سوريا من اسلحة الدمار الشامل ـ كل ذلك جعل من هذا الحزب واجندة قضاياه امراً يستحق التوقف ويضع علامة استفهام حول التفكير السياسي الاميركي وتدهوره واحتمال انتقال تخطيطه من البحث عن اكثر المعارضات اقرب الى وجهة نظره او اقرب الى التحول الى منطقة لصيقة لها، الى فكرة خلق معارضة من عدم على انموذج خياله ومصالحه السياسية مستغلا بذلك تغوله وهيمنته في العالم واحساس بعض المجموعات بالاستقواء بانفتاح قناة عليها وكذا استغلال اوضاع المهاجرين ـ خاصة الشرق اوسطيين في الولايات المتحدة ـ واحلامهم وطموحاتهم ومراراتهم يتبقى ـ انه اذا كان النموذجان العراقي في الحكم والسوري في التهميش هما النموذج الاقرب الان الى التفكير الاميركي فإن الولايات المتحدة ـ القيادة اليمينية المتطرفة الحاكمة بها ـ لاتزال تدير ملفات اخرى بالحفاظ على صلات بالمعارضة التاريخية الطبيعية ـ على شاكلة الصلات التي تحرص عليها مع المعارضة السودانية او اللقاءات التي يتم تسريبها من آن لآخر بالمعارضة المصرية، ويحكم السلوك الاميركي في هذا الاداء اكثر من دافع اولها ان المدرسة الواقعية التي كان يقودها كيسنجر قبل ان يقفز المحافظون الجدد على سدة الحكم لاتزال لها بصماتها والثاني ان العلاقة بالمعارضة العراقية بدأت بنفس الطريقة اذ فتحت علاقة بمعظم الاطراف وحدث فرز انتهى بتكشف الاقرب لها، والثالث ان نموذج الارتكان على نماذج غير شعبية يبرهن لها كما الحاصل في افغانستان والعراق ويمكن مع الفارق اضافة فلسطين ابو مازن يثبت انه طريق مسدود، ترى هل تستمر الولايات المتحدة في هذا الشطط لآخره؟.. سؤال بلا اجابة.
*البيان الاماراتية

التعليقات